تمسك السيدة آية شاهين (50 عامًا) بقلبها الذي ينبض بعنف بعد نوبة ضيق تنفس، وتحدق في الأفق البعيد، متخيلة معبر رفح البري وهو يفتح أبوابه، علّها تكون من بين المسافرين الذين سيخضعون للعلاج في الخارج. لا تملك تحويلة طبيّة تسمح لها بالسفر، لكنّها تخطط بالخروج على نفقتها الخاصة، على أمل علاج سرطان الثدي الذي امتدّ حتى رئتيها.

تعاني شاهين من التهابات شديدة ومياه على الرئتين، وقد أنهكها عامان من الحرب، فبدَت خطوط التجاعيد في وجهها أكثر وضوحًا، وتهالكت صحتها تحت وطأة مرضها والصراع المستمر، فيما ترى في فتح المعبر بطاقة النجاة من مرض يسيطر على جسدها المتعب.

تقول بصوتٍ حزين: "أتابع كل خبر عن المعبر بدقة، أود أن أخضع للعلاج في الخارج حتى أشفى. هنا، حتى الهواء الذي نتنفسه ملوث، وأضطر مثل الآخرين للطهي على النار، مما يزيد حالتي التنفسية سوءًا."

يتدفق سيل الأخبار حول آلية فتح معبر رفح، لكن لا توجد أي معلومات مؤكدة بشأن الموعد. فيما يتمسّك المواطنون في قطاع غزة بقشة أمل، حيث ينتظر آلاف المرضى السفر عبر تحويلاتهم الطبية، فيما يسعى آخرون للسفر على نفقتهم الخاصة. كذلك، يترقب آلاف الطلبة الحاصلين على منح دراسية والعالقين منذ عامين فرصة المغادرة، إلى جانب آخرين يأملون بالسفر بحثًا عن النجاة بعد فقدان كل ما يملكون. 

وفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية، ينتظر نحو 16,500 مريض من قطاع غزة، بينهم 4,000 طفل الإجلاء لتلقي العلاج خارج القطاع، جميعهم من الحالات الحرجة التي تحتاج إجلاء فوري، من مرضى بأمراض مزمنة وخطرة إلى جرحى الحرب.

أحمد جودة، أب لطفل مصاب بورم في القدم، كان من المقرر أن يسافر مع طفله للعلاج في القاهرة، لكن اندلاع الحرب حال دون ذلك. بعد خمسة أشهر، وُضع اسم طفله سيف الدين على قوائم المسافرين المرضى للعلاج في مصر، إلا أن طلبه للسفر معه قوبل بالرفض.

يقول بمرارة: "منذ فبراير 2024، غادر ابني سيف الدين مع جدته. لم يكن أمامي خيار سوى إرساله وإلا سيكبر الورم. سافر وقلبي وقلوب والدته مثقل بالحزن، لم نتوقع أن يطول انتظار المعبر هكذا."

ويضيف بصوتٍ يرتجف: "أتابع أخبار المعبر دائمًا. كل خبر ينشره الأمل في قلبي بأن اللقاء قد حان. أخطط أن أسافر أنا وزوجتي وأبنائي عند ابني، فقد فقدت بيتي في رفح، وحتى ركام البيت ممنوعون من الوصول إليه."

الطفل سيف الدين يتصفح هاتف جدته يوميًا ليواكب أخبار معبر رفح. وكلما قرأ خبرًا، يرسل لوالدته وهو يبكي، ويتحدث طوال الوقت مع زملائه في المدرسة عن المعبر وأخباره.

وخلال النزاع، سافر نحو 100 ألف فلسطيني إلى جمهورية مصر العربية وحدها، بحسب السفير الفلسطيني في القاهرة، بينما لم تصدر بعد أي تقارير رسمية توضح عدد العائدين المرتقبين فور فتح معبر رفح البري.

في المقابل، تقف كوثر الطويل على نافذة بيتها المستأجر في القاهرة، بينما هاتفها لا يتوقف عن تلقي إشعارات من مجموعات "واتساب" الخاصة بالعالقين. سافرت قبل الحرب لزيارة ابنتها، ثم اندلعت الحرب لتبقى عالقة في الخارج تنتظر العودة لزوجها وأبنائها.

تقول، أثناء ردها على إحدى الرسائل التي تحدد ما يُسمح بدخوله عند العودة إلى غزة: "تأثرت نفسيتي من كثرة الإشاعات عن معبر رفح، خاصة إشاعة منع عودة الخارجين. لا أعرف إلى مَن نلجأ للاطمئنان، وأجد بعض المواساة في الحديث مع آخرين يعيشون نفس التجربة."

لدى الطويل خمسة حقائب ستعود بها، لكن الأخبار المتداولة تحدد حقيبة واحدة فقط، ما وضعها في حيرة حول مصير مقتنياتها.

تتعدد الأقاويل عن آلية التفتيش: الداخلون لغزة قد يخضعون لتفتيش جسدي من الاحتلال، أما الخارجون فسيتم تفتيشهم عبر نظام محوسب، بإشراف قوات أوروبية. ومن المتوقع أن يفتح المعبر في البداية للمرضى والطلاب فقط وبأعداد محددة.

محمد ناصر (30 عامًا)، مصمم صفحات يعمل في شركة مصرية، يداوم على متابعة أخبار المعبر، أملًا في السفر لمواصلة عمله في الخارج. وقع مرارًا في فخ الإشاعات، قبل أن يكتشف كذبها.

يقول: "حياتي متوقفة إلى حدٍ ما في قطاع غزة، حتى أدائي في العمل قلّ كثيرًا. أحتاج لبيئة تساعدني على الإبداع، لذلك سأسافر للدوام في القاهرة، ثم أعود عند تحسن الأوضاع".

وفي أحدث التطورات الرسمية، أكدت الحكومة المصرية والسلطة الفلسطينية في 5 يناير 2026 أن هناك موافقة مبدئية من الجانب الإسرائيلي على إعادة فتح معبر رفح في الاتجاهين، بعد اجتماعات رسمية بين وفد فلسطيني برئاسة نائب رئيس السلطة الفلسطينية حسين الشيخ ومسؤولين مصريين، شملت وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ورئيس المخابرات العامة حسن رشاد.

وأوضحت المصادر الرسمية أن فتح المعبر سيتم وفق آلية 2005، تحت إشراف السلطة الفلسطينية والاتحاد الأوروبي، بمجرد استكمال الترتيبات الأمنية والسياسية اللازمة.

يُضيف التصريح الرسمي بعدًا ملموسًا لما يعيشه الغزيون من حيرة وترقب، وسط أمل متقلب بين كل إشاعة وأخرى. فيما يظلّ معبر رفح بالنسبة لهم أكثر من بوابة؛ بل مخرج حقيقي للحرية والنجاة في كثيرٍ من الأحيان، وفي غياب معلومات مؤكدة، تتحول لحظات الانتظار إلى اختبار لصبرهم وقوة تحملهم.

مصطفى عكاشة، أحد المسؤولين عن مجموعة شبكة معبر رفح الإخبارية عبر فيسبوك التي تضمّ ٢٤٠ ألف عضو، يقول حسب اطلاعه أنّ: "لا أحد يملك معلومات حول فتح المعبر سوى الاحتلال الإسرائيلي، هو صاحب القرار. كل مَن ينشر أخبارًا عن آلية عمل المعبر يستغل حاجة الناس فقط. لكن الحقيقة أنّ المعبر سيفتح بإعلان رسمي من جهات رسمية".

ويؤكد مراقبون أنّ ما يُنشر حول انسحاب القوات الإسرائيلية يبقى غير مؤكد حتى الآن، إذ يقتصر على تفاهمات مرحلية وضغوط سياسية، دون تسجيل انسحاب فعلي من المعبر.

تؤثر حالة الانتظار والترقب على الصحة النفسية للعالقين، تقول نورا أبو عيطة، مختصة نفسية: "ما يحدث يخلق صدمة نفسية وقلقًا مزمنًا يظهر في أشكال متعددة، مثل اضطرابات ما بعد الصدمة، الاكتئاب، واضطرابات القلق. يعيش الناس في حالة ترقب دائم، مما يؤثر سلبًا على صحتهم النفسية والجسدية".

وتوضح أن انتظار السفر لأسباب علاجية أو تعليمية أو إنسانية يشكل تجربة نفسية معقدة، إذ يُصيب الأفراد بالإحباط واليأس، ويزيد شعورهم بالعجز وفقدان السيطرة على مصيرهم، وقد يؤدي الجمود النفسي إلى تفاقم الأعراض، ما يجعل الدعم النفسي ضرورة ملحة.

في النهاية، يظلّ معبر رفح بالنسبة لسكان قطاع غزة علامة فارقة بين الأمل والانتظار. كل خبر، كل إشاعة، تحرك شعورًا متناقضًا بين الترقب والخيبة، وتبقي أرواحهم معلقة بسؤال واحد: "متى سيفتح المعبر؟ وما هي آلية عمله الجديدة؟".