تُظهر استطلاعات الرأي ومؤشرات الصحة العامة في المنطقة العربية أن نحو ثلث السكان يعانون من مستويات متفاوتة من الاكتئاب، والنسب أعلى بين العراقيين والتونسيين والفلسطينيين؛ وفي قطاع غزة، على وجه الخصوص، توثّق دراسة نشرتها المكتبة الوطنية الأمريكية للطب، عام 2025، أن 79.3% من الأهالي يعانون من مستويات متوسطة إلى شديدة من القلق، و84.5% يُعانون من الاكتئاب، و88.2% لديهم أعراض اضطراب ما بعد الصدمة.
وتُشير الدراسات ذاتها إلى أن قسوة الظروف الحياتية اليومية المُعاشة، خاصة في المناطق التي تمرّ بظروفٍ غير مستقرة، اقتصاديًا أو أمنيًا، تفاقم المخاطر على الصحة النفسية، حيث تزداد صعوبة الحصول على الدعم النفسي في ظلّ تفكّك أو انهيار شبكات الأمان الاجتماعي.
هذه الدوّامة اليومية من الضغوط تضع كثيرين منّا أمام خياراتٍ شحيحة للبحث عن أي راحة مؤقتة أو ساعات نوم هادئة، وأمام هذا الواقع الضاغط، يتسلّل خطر التداوي الذاتي، لتبدأ هنا المشكلة؛ حبة دواء صغيرة يُنظر إليها بخفة تشبه تناول مسكن ألم عادي، فتنقلب تدريجيًا من حلٍ سريع مُتوقّع إلى فخٍ صحي ونفسي جاد.
لماذا يلجأ البعض للمهدّئات عشوائيًا؟
تتعدّد وتتشابك الأسباب التي تدفع الأشخاص نحو خيار التداوي الذاتي، بمعنى تعاطي الأدوية النفسية، وخاصة المصنّفة تحت عائلة المهدّئات، بعيدًا عن الاستشارة الطبّية، لا سيما حين تصبح الأزمات والضغوط حالة مُستدامة في واقعٍ معيشي معقّد، إذ تبدو الحلول التقليدية للدعم أو حتى التنفيس النفسي بعيدة المنال أو رفاهية غير متوفرة؛ أبرز هذه الأسباب:
العوائق القسرية: فزيارة طبيب نفسي بحد ذاتها، ترفٌ غير متاح للجميع، في ظل أولويات المعيشة القاسية وارتفاع تكاليف الاستشارات الطبية والأدوية الرسمية، أو في سياق صعوبة الوصول إلى طبيب أو عيادة نفسية في البلدان التي تشهد أزمات وحروب.
ضعف الوعي: إذ يتعامل قطاع واسع من الناس مع المهدّئات والأدوية العصبية بمنطق المُسكّن السريع (مثل البنادول)، متجاهلين- أو لا يعرفون- أنّها أمام مركبات كيميائية تعمل على تغييرات في كيمياء الدماغ، وليست مجرد حبوب لتسكين ألم عابر.
ثقافة تمرير الأدوية والتوصيات المتبادلة: الاعتماد على تجارب الآخرين واستسهال تمرير الأدوية بين الأصدقاء والمعارف بحجة أنها "نفعت فلانًا الذي كان يعاني من الأعراض نفسها"، متجاهلين حقيقة أن لكل جسد وحالة صحية استجابة مختلفة وخصوصية منفردة، فالأعراض المتشابهة قد تختبئ خلفها تشخيصات وأمراض متباينة تمامًا.
مخاطر تناول المهدّئات بلا إشراف طبي
قبل التعرّف على المخاطر، لا بدّ أن نفهم ماذا يفعل المُهدّئ في الجسم، وبحسب المختصين، فإنّ المهدئ يعمل على إبطاء نشاط الجهاز العصبي المركزي لتقليل التوتر والقلق وعلاج اضطرابات النوم، لكنّه سلاح ذو حدين لأنه يسبب حالة من الاسترخاء الشديد مما يشجع البعض على الاعتماد الجسدي والنفسي الذي قد يصل إلى الإدمان.
أمّا أكثر أنواع المهدئات شيوعًا فهي: الباربيتورات، وتُستخدم لتخدير المرضى ولعلاج بعض نوبات الاضطرابات النفسية، لكن تراجع استخدامها مع الوقت لتأثيراتها الجانبية، وتم استبدالها بالنوع الثاني وهو البنزوديازيبينات، وهي أدوية تستخدم لعلاج اضطرابات القلق والذعر (أشهرها Xanax و Ativan و Klonopin و Valium)، والنوع الثالث هو المنوّمات: وهي أدوية مهدّئة تحفز الشخص على النوم، والتخلص من الأرق ( منها Lunesta و Ambien و Sonata).
ويُحذّر المُختصون في الصحة النفسية من تداعيات التداوي الذاتي بمثل هذه الأدوية العصبية والنفسية، التي - على عكس المسكنات العادية- ترتبط بمستقبلات الجهاز العصبي المركزي والدماغ لتثبيط نشاطه، مما يترتب عليه مخاطر حقيقية أبرزها:
الإدمان: يؤكّد الأطباء أن الاستخدام العشوائي يقلل تدريجيًا استجابة الدماغ الطبيعية، فيجد الشخص نفسه يُضاعف تلقائيًا الجرعة للوصول إلى التأثير المُرضي له، إلى أن يصل الأمر لمرحلة الاعتماد الجسدي الكامل على المُهدّئ والإدمان.
الأعراض الانسحابية الخطيرة: وخاصة عند التوقف المفاجئ عن تناول المهدّئات بدون إشراف طبيب مختص، وهو ما يتسبب في أعراض انسحاب قاسية، تشمل: نوبات هلع، أرق مزمن، رعشة في الأطراف، وتشنجات عصبية قد تهدد الحياة في الحالات المتقدمة من الإدمان.
خلل في التركيز والذاكرة: يُحذّر الأطباء النفسيّون من خطر سوء استخدام العقاقير المهدئة، الذي يقود بمرور الوقت إلى مشكلات في التركيز، اضطرابات الذاكرة قصيرة المدى، وبطء في الاستجابة العصبية، فضلاً عن تأثيرها المباشر على ضغط الدم ومعدلات التنفس الطبيعية.
عند ظهور هذه الأعراض، يُجمِع المختصون على ضرورة طلب المساعدة الطبية الفورية، ونقل الشخص على وجه السرعة إلى أقرب قسم طوارئ، وبخاصةٍ الحالات التي تشمل: التشنجات، فقدان الوعي، الهلاوس، اضطرابات التنفس الشديدة مع تسارع ضربات القلب، الهياج الحاد الذي قد يُعرّض الشخص لإيذاء نفسه أو غيره.
وربطًا بكون هذا الخطر يتضاعف في المناطق ذات الظروف المعيشية الاستثنائية، كما ذكرنا، فإن واقع غزة يُعدّ نموذجًا يُمكن القياس عليه، لاستعراض مدى خطورة التوجّه إلى المُهدّئات في بيئات تفتقر أساسًا إلى توافر أنواع آمنة من الأدوية، فضلًا عن العوائق التي أشرنا إليها آنفًا حول "ترف الرعاية الصحية" أمام متطلبات العيش اليومي، وصعوبة الوصول لعيادة أو طبيب نفسي.
غزة.. شُح الدواء الآمن يُفاقم الخطر
يُوضّح الصيدلاني محمد الفرّا، من قطاع غزة، في مقابلة خاصة بـ"آخر قصة"، أنّ الأدوية النفسية، وخاصة "مضادات الاكتئاب"، و"مضادات الذهان" تندرج- من حيث تاريخ التطوّر الدوائي- تحت عدّة أجيال، وفي حين يتّسم الجيل الأقدم تاريخيًا من هذه الأدوية النفسية بخطورة أعراضها الجانبية وصعوبتها الكبيرة على الشخص الذي يتناولها، وعلى محيطه وعائلته، والتي تصل إلى الخطر على الحياة، تتميّز الأجيال الأحدث تاريخيًا من الأدوية النفسية والعصبية بمحدودية الآثار الجانبية على المريض ومحيطه، وإمكانية السيطرة عليها، في فترة زمنية بسيطة، دون تعريض حياته للخطر المؤدي للوفاة، وهُنا تمامًا تكمن خطورة التناول العشوائي لهذه الأدوية، بدون معرفة من الشخص لأنواعها، وتأثيراتها على الجسم والدماغ.
ويكشف لنا الصيدلاني الفرّا حقائق صادمة عن المتوافر من هذه الأدوية، في غزة، منذ بداية أحداث أكتوبر 2023 وحتى الآن، إذ يقول إنّ "غالبيتها من الجيل القديم للأدوية النفسية والعصبية، وهي أدوية عامة وغير متخصصة، وتترك آثارًا وأعراضًا جانبية صعبة للغاية، وثقيلة على المريض، لدرجة أنّ بعضها قد يفاقم حالته بشكل متسارع ويدفعه إلى الانتحار في أقل من شهر، كما تُوجد أدوية، من جيلٍ دوائيّ أحدث، تتسم بعوارض أقل خطورة".
يتوافق الحديث حول مخاطر بعض الأدوية النفسية، مع دراسات طبية موثقة، بحثت على وجه التحديد الأعراض الجانبية للأدوية المضادة للاكتئاب، وأُجريت بعد تحذيرات من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية، عام 2003، من ارتباط مضادات الاكتئاب، وفقًا لتجارب سريرية، بميول انتحارية لدى الحالات، خلال فترة وجيزة من تناولها، خاصة للفئات العمرية، أقل من 18 عامًا، لتتسع التحذيرات لاحقًا في العام 2005 وتشمل الفئات العمرية حتى 24 عامًا.
وبحسب الصيدلاني، يُوجد شحّ كبير، بل ندرة، في عائلات علاجية مهمة جدًا من الأدوية النفسية المتخصصة في غزة، خاصة الأدوية الآمنة على المرضى، من الأجيال الأحدث والأكثر تطورًا، وذلك بفعل الحصار والقيود على إدخالها، وأهمّها الأدوية المعالجة لمرض الذهان، في حين أن عقار مثل الليثيوم الذي يُوصف لمرضى اضطراب ثنائي القطب، مقطوع تمامًا، وهذا الاضطراب يتّسم بنوبات هياج قوية تُصيب الشخص وقد تدفعه لإيذاء نفسه أو محيطه.
ندرة هذه العلاجات، كما أوضح الفرّا، أوجدت أزمة حقيقية للأشخاص الذين يعانون من أمراض واضطرابات نفسية، خاصة الحادة منها، كون هذه الأدوية ضرورية جدًا للحفاظ على الاستقرار النفسي للمريض والسيطرة إلى حدٍ كبير على عوارض المرض، بينما قد يدفع انقطاعها وندرتها بعض المرضى أو ذويهم- قسرًا- إلى أصناف دوائية بديلة، غير مناسبة للحالة، بل ربما تسهم في تدهورها وإحداث مضاعفات أسوأ من أعراض المرض نفسه.
وأمام هذا المشهد القاسي، حيث تتشابك ندرة الدواء الآمن مع ثقل الصدمات وصعوبات الحياة اليومية، يبقى تجنب الاستخدام العشوائي للأدوية النفسية والعصبية، ضرورةً للحفاظ على الحياة، خاصة حين تتحول الصيدليات إلى ملجأ بديل عن العيادة النفسية، وتغدو حبة الدواء البسيطة، شرارةَ خطر أكبر وأصعب.
