حين يُطرح موضوع الرضاعة الطبيعية، يتبادر إلى أذهاننا مباشرة فوائدها الجسدية المعروفة؛ مثل تعزيز مناعة الرضيع وتوفير التغذية المثالية لنموّه البدني. لكن للرضاعة الطبيعية فوائد أخرى مذهلة لدماغ الرضيع وجهازه العصبي، باعتبارها أول وأعمق درس في الأمان يتلقاه الطفل؛ فتلامس الأجساد، وانتظام نبضات قلب الأم، والتواصل البصري، كلها محفزات تُطلق تفاعلات عصبية دقيقة، تساهم في تعزيز البنية الدماغية للطفل، وتُطوِّر ذكاءه العاطفي والاجتماعي، ليخرج من هذه التجربة بدرع نفسي متين يقيه مستقبلًا من مُحفّزات القلق والتوتّر المزمن.
الرضاعة وبناء الدماغ والذكاء العاطفي
يرى مختصّون في صحة الأم والطفل أنّ الرضاعة الطبيعية تُشكّل مختبرًا عصبيًا حيًا يتشكل فيه وعي الطفل ودماغه. فخلال الرضاعة، يترافق الإفراز المكثف لهرمون "الأوكسيتوسين"، هرمون الحب والأمان، المعروف بدوره في تعزيز السلوك الاجتماعي الإيجابي للإنسان، والثقة والتعلّق العاطفي، مع إفرازه بغزارة لدى الأم خلال عملية الرضاعة ليعمل على التحفيز الحسي المباشر للرضيع. وبحسب دراسات صادرة عن جامعة براون الأمريكية، ومعهد ماكس بلانك الألماني لعلوم الإدراك البشري، فإن هذا التواصل الكيميائي والجسدي يعمل على تسريع نمو الروابط العصبية في الدماغ، خاصة في المناطق المسؤولة عن معالجة العواطف، وتنظيم الاستجابة للمؤثرات الخارجية.
كما يسهم التلامس الجلدي المنتظم وانتظام نبضات قلب الأم في خفض مستويات هرمونات التوتر والكورتيزول لدى الطفل في وقت مبكر جدًا من حياته. وإلى جانب هرمون الأوكسيتوسين أثناء الرضاعة الطبيعية، يتم إفراز هرمون البرولاكتين الذي يدعم إنتاج الحليب ويرتبط بمشاعر الرعاية والحنان. وخلصت دراسة نشرتها الجمعية الأمريكية للطبّ، إلى أن هذه الهرمونات بالغة الأهمية في تشكيل نمو دماغ الرضيع وتوازنه العاطفي؛ فتمنح الصغير شعورًا بالاستقرار يُمكّنه لاحقًا من قراءة الإشارات الاجتماعية بدقة أكبر، وفهم تعبيرات المحيطين به، وتطوير قدرة عالية على التعاطف وبناء علاقات اجتماعية متوازنة ومستقرة في مراحل الطفولة المتقدمة وما بعدها.
درع واقٍ من الصدمات
حين ينشأ الطفل في محيط محفز للقلق والتوتر المزمن يتأثر جهازه العصبي المركزي بشكل مباشر؛ وهنا تبرز الأهمية الوقائية للرضاعة في برمجة الاستجابة العصبية للطفل، ليكون أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات. وهذا بالضبط ما خلصت إليه دراسة نشرتها الجمعية الأمريكية للطب، وهو أن للرضاعة الطبيعية قدرة على تمكين الأطفال من مواجهة الضغوط النفسية والاجتماعية مستقبلًا.
وتشير الأبحاث النفسية العصبية إلى أن التفاعل الحيوي المستمر والتلامس الجسدي خلال الرضاعة يعملان على تنظيم ما يُعرف بمحور الغدة النخامية والكظرية، وهو النظام المسؤول عن إدارة التوتر في الجسم. هذا التنظيم المبكر يمنح الرضيع حصانة نفسية حقيقية، تمنحه شعورًا بالأمان الداخلي، وتقلل لاحقًا -بشكل ملحوظ- احتمالية اضطرابات القلق المزمن أو التعرض الحاد لأعراض ما بعد الصدمة، عند مواجهة ظروف حياتية قاسية ومفاجئة.

أهمية مضاعفة للرضاعة في مناطق النزاع
في بيئة استثنائية مثل قطاع غزة، ومناطق نزاع أخرى كالسودان واليمن، حين تطغى أصوات القصف والخوف المستمر وتتلاشى مقومات الأمان اليومي، تفقد الأم بالكامل القدرة على توفير بيئة هادئة ومستقرة لطفلها بالطرق التقليدية. ولهذا، تكتسب الرضاعة الطبيعية أبعادًا مضاعفة تتجاوز حدود التغذية والصحة لتصبح ملاذًا للأمان والتماسك النفسي، من خلال الطمأنينة الكيميائية (الهرمونات) والعاطفية التي تنتقل من جسم الأم إلى الطفل.
وفي ظل صعوبة -وأحيانًا استحالة- توفير الحليب الصناعي بشكل آمن، أو تلوث المياه، وغياب أدوات التعقيم نتيجة الحصار والدمار، تصبح الرضاعة الطبيعية أساسًا للبقاء؛ فهي تحمي الرضيع من الأوساط الموبوءة جسديًا، وفي الوقت ذاته تُشكل حماية لدماغه من التشوهات الناتجة عن هرمونات الذعر المستمرة في البيئة المحيطة.
ولطمأنة الأمهات المرضعات، اللاتي يعِشنَ تحت وطأة الحرب في دوامة قاسية من التحديات المتمثلة في شح الغذاء، وفقدان المأوى، ومخاوف النزوح المستمرة على حياة عائلاتهن، قد يؤدي هذا الضغط النفسي الحاد مؤقتًا إلى تباطؤ تدفق الحليب، إلا أن جسد الأم سرعان ما يعود لأداء دوره كخط دفاع أول؛ لتأمين الغذاء ومنح الأمان للرضيع. والأكثر إلهامًا على المستوى النفسي أن ما سبق ذكره حول إفراز هرمون الأوكسيتوسين والتلامس الجسدي، لا يُهدّئ الطفل فحسب، بل يمنح الأم نفسها شعورًا بالسيطرة والاتزان بغض النظر عن توتر المحيط من حولها.
أمهات غزة وسوء التغذية
تضع ظروف الحرب والنزاعات الأم المرضعة أمام تحدٍ شديد القسوة؛ وهو سوء التغذية، كالذي تواجهه الأمهات في قطاع غزة، حيث النسب المرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الذي يشمل 59% من السكان، مع توقعات بارتفاعه إلى 67%، ما يضع أكثر من 74 ألف طفل و25 ألف سيدة حامل ومرضعة تحت خطر سوء التغذية الحاد، بالتزامن مع ما تفرضه الأوضاع الاقتصادية المتردية من شح العناصر الغذائية الأساسية، وارتفاع أسعار المتوافر منها، نتيجة الحصار.
هذا الواقع يلقي بظلاله على الأمهات المرضعات، وهو ما تؤكده بيانات رسمية نشرتها وزارة الصحة في غزة- بالتزامن مع "الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية"- إذ كشفت انخفاضًا حادًا في نسب الرضاعة الطبيعية الخالصة خلال الشهور الستة الأولى من عمر الطفل، لتصل إلى 20% فقط بين النساء في قطاع غزة، وهي نسبة منخفضة جدًا وخطيرة، لكنها نتاج تدهور الوضع الإنساني وشح الإمكانيات الاقتصادية والصحية، ما أثر بشكل مباشر على قدرة الأمهات النفسية والجسدية على الاستمرار في الرضاعة.
ويؤكد مختصون أن استمرار هذا الاستنزاف للأم، دون دعم غذائي حقيقي يمثل خطرًا جادًا. لذا، فإن حماية الأم المرضعة وتأمين مقومات الغذاء لها في مناطق النزاع لا يُنظر إليه باعتباره رفاهية إنسانية، بل ضرورة أساسية لإنقاذ جيل كامل من أطفال غزة من خطر التشوهات العاطفية، والاضطرابات العصبية الناجمة عن الصدمات المزمنة.
ختامًا، فإن دعم وتمكين الأمهات المرضعات، وخاصةً في أوقات الأزمات والحروب يُعدّ استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الأجيال ودرعًا أساسيًا لحماية أطفالنا. ونُذكّر بتوصيات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، ومنظمة الصحة العالمية للأمهات بالالتزام الحصري بالرضاعة الطبيعية خلال الأشهر الستة الأولى من عمر الطفل، تليها الرضاعة الطبيعية المستمرة مع الأغذية التكميلية المناسبة حتى بلوغ الطفل عامين فأكثر، كونها خط الدفاع الأول ضد جميع أشكال سوء التغذية في مرحلة الطفولة، بما في ذلك الهزال والسمنة، والعديد من الأمراض المعدية، وأمراض الطفولة الشائعة، فضلًا عن تعزيز العلاقة بين الأم وطفلها.