تقف أسماء خليل على باب خيمتها في دير البلح وسط قطاع غزة، تراقب بناتها الأربع وهن يركضن حافيات فوق الرمال، يتقاسمن اللعب والضحكات مع صديقاتهن، فتستعيد ذكرى عابرة لما كانت تفعله قبل الحرب؛ إذ كانت تخشى أن تلامس الرمال أجساد صغيراتها حرصًا على صحتهن، وكانت كل أسبوعين تصطحبهن إلى حديقةٍ في التوام، شمالي قطاع غزة، للترفيه عنهن واللعب براحة، إلى جانب أماكن اللعب المخصصة للأطفال، بينما صار كل ذلك اليوم من الذكريات.

تستأذنها بناتها للعب في الشارع، فتوافق على مضض، إذ لا تملك بديلًا. خيمتها الضيقة لا تتسع حتى للعب بسيط، ولو فكرت في اصطحابهن إلى مكانٍ يلعبن فيه براحة، فلا خيارات أمامها سوى المطاعم الباهظة والتي لا توفر مساحات للعب.

تقول وهي ترتب مكعبات صغيرتها المتناثرة في الخيمة: "يحزنني أن يعشن بناتي حياة كهذه، محرومات من أبسط حقوقهن، وهي اللعب في أماكن مهيأة. يرين مساحات اللعب والحدائق عبر يوتيوب، فيسألنني: لماذا ليس لدينا أماكن كهذه؟ ويتخيلن أنفسهن في الحديقة على الأرجوحة".

لعب مفقود

أسماء ليست وحدها من تعاني انعدام مساحات اللعب المخصصة للأطفال في قطاع غزة. فقد طال الدمار إبان الحرب الإسرائيلية (2023-اليوم) الحدائق والملاعب والملاهي المخصصة للأطفال، وتعرض نحو 90% من البنية التحتية الرياضية في القطاع للدمار أو الضرر، ما قلّص المساحات المتاحة للعب ودفع الأطفال إلى اللعب في الشوارع وبين الركام وحول الخيام. ووفق بيان المكتب الإعلامي الحكومي الصادر في أغسطس/آب 2026، يعيش في القطاع أكثر من 2.15 مليون نازح، بينهم نحو 867 ألفًا يقيمون في خيام بدائية، ما يزيد صعوبة توفير أماكن آمنة للأطفال للعب.

ضحى الطويل أم تحاول الحفاظ على نفسية أطفالها الذين تأثروا بقصف منزلهم قبل أشهر. فقد ظن الصغار أن الحرب انتهت وأن منزلهم نجا من القصف، قبل أن يُقصف بشكل مفاجئ، ليتأثروا بشدة بما جرى ويتبدد شعورهم بالأمان.

حاولت البحث عن حدائق أو أماكن يمكن أن تصطحب إليها أطفالها ليفرغوا طاقتهم المكبوتة، لكنها لم تجد خيارًا متاحًا، فأصبحت محال البوظة الصغيرة وجهتها الوحيدة للترفيه عنهم، في وقت يلح الأطفال على اللعب في مساحات واسعة يستطيعون فيها ركل الكرة بحرية والركض دون خوف.

تقول الطويل بينما تنظر إلى طفلتها التي تجد في الهاتف وسيلة تسلية لها: "أضطر إلى الاستجابة لهم وهم يطلبون اللعب على الهاتف أو متابعة مقاطع على يوتيوب، فهو الآن بالنسبة لهم وسيلة الترفيه الوحيدة. كانوا يلعبون في الشارع عندما كان لنا بيت، وكنت أتركهم لانزعاجهم من البقاء في المنزل. يا ليت لو يفتتحون لنا حدائق بألعاب للأطفال بأسعار رمزية، كما تُفتتح المطاعم في الآونة الأخيرة".

أما إسراء البرعي، فلم يعرف طفلاها شام وبراء شكل الحديقة وأرجوحتها إلا من خلال الصور التي رأياها عبر هاتف والدتهما، ويسألان باستمرار: "لماذا دمروا ألعاب الحديقة؟" و"متى ستصبح لدينا مدينة ألعاب لنلعب بها؟".

تقول وهي تعدد أماكن اللعب البسيطة قبل الحرب: "كانت ابنتي شام في الثانية من عمرها عندما بدأت الحرب، وشقيقها وُلِد خلال الحرب، فلم يعرفا أبدًا أماكن اللعب، ولا يعرفان ماذا تعني مساحات الألعاب، كمدينة النور وأصداء وملاهي البشير والحدائق. كل ما يعرفانه هو أن اللعب مكانه الشارع فقط، وأعاني في ضبطهما على الرغم من ضيق المساحة التي أعيش فيها".

تردف بينما تجدل شعر طفلتها: "من حق أولادي أن يلعبوا كأطفال العالم. يجب على الجهات المعنية تخصيص مساحات مجانية للعب الأطفال، وإعطاؤهم أولوية لدعمهم نفسيًا باللعب، إذ تظهر على الأطفال سلوكيات عنف وتغيرات كثيرة إثر انعدام الترفيه عنهم".

وبينما نتحدث عن اللعب بوصفه حقًا أصيلًا للأطفال، وعن حقهم في الحياة الآمنة، تشير المعطيات الرسمية إلى حجم الخسائر التي تعرض لها الأطفال خلال النزاع. ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، استشهد نحو 21,283 طفلًا، أي ما نسبته 30% من إجمالي الشهداء، حتى نهاية عام 2025، وأصيب 44,486 طفلًا، أي 26% من إجمالي الجرحى. كما أصيب 10,500 طفل بإصابات غيّرت مجرى حياتهم، وسُجلت أكثر من 1,000 حالة بتر للأطراف.

وأشار بيان الجهاز إلى أن أكثر من 1.1 مليون طفل في القطاع بحاجة ماسة وعاجلة إلى خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي، نتيجة الآثار النفسية للحرب، ومنها الخوف المزمن والقلق الحاد والاكتئاب، مع فقدان الأمان الأسري والمادي. كما حُرم نحو 700 ألف طفل من التعليم الحضوري الرسمي خلال العام الدراسي 2025/2026.

فجوة المساحات

وفي ظل هذا الواقع، تبرز أسئلة المساحات البديلة التي يفترض أن تحمي حق الأطفال في اللعب: ماذا تفعل المؤسسات المعنية بالأطفال أمام واقع تقل فيه الملاعب والحدائق المتاحة؟ وهل تكفي المبادرات المؤقتة لسد هذا الاحتياج؟ وهل يحظى هذا الملف بأولوية في التخطيط والاستجابة؟ لكن السؤال الأهم يبقى: مَن يتحمل، عمليًا، مسؤولية سدّ هذه الفجوة، وبأي جدول زمني ملزم يمكن قياسه ومراجعة الجهات المعنية فيه؟

منسقة المشاريع في مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، جيهان أبو لاشين، تقول إنهم يحاولون تنفيذ الأنشطة من خلال اللعب والفنون، إذ تُنفذ في خيام مركزية مخصصة للمؤسسة أو في خيام النازحين، كما نُفذت مباريات في كرة القدم استهدفت عددًا من أطفال الاتحادات الرياضية.

وأوضحت أنهم بصدد تنفيذ مبادرة لتوفير مساحة آمنة للعب في أحد المخيمات القريبة من مكب للردم، حيث يصعد الأطفال فوق مخلفات البيوت المهدومة، ما يشكل خطورة بالغة عليهم، لذلك تعمل المؤسسة على توفير خيام مخصصة للعب الأطفال.

وأكدت أبو لاشين أن ما تفعله المؤسسة لا يُعد حلًا مثاليًا، لأن أغلب ألعاب الأطفال تحتاج إلى مساحات واسعة للركض واللعب بحرية، مشيرة إلى أن مبادرة "مساحة آمنة للعب" قد تعالج مشكلة في أحد المخيمات، بينما يحتاج الأطفال في غزة إلى مساحات مناسبة تتوافق مع حاجتهم إلى اللعب.

وحول دور الجهات الرسمية، توجهنا بسؤال مباشر إلى المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية رجاء العابد، للاستفسار منها عن الخدمات التي قدمتها الوزارة للأطفال، وما إذا كانت لديها خطط لافتتاح مساحات للعب الأطفال وتهيئتها بالإمكانات اللازمة.

تقول: "يمكن تقدير عدد الأطفال الذين استفادوا من جلسات أو أنشطة الدعم النفسي والاجتماعي منذ بداية الحرب بنحو 350 ألف طفل، أما الموازنة التي خُصصت لملف الأطفال، فيمكن تقديرها بنحو 10-15 مليون دولار للبرامج المتعلقة بالدعم النفسي وحماية الطفل".

وتوضح أنه تم إنشاء نحو 150-200 مساحة، كما يمكن تقدير الحاجة الحالية بنحو 250-300 مساحة، ما يعني وجود فجوة تقارب 100 مساحة.

وعند سؤالها عما إذا كانت وزارة التنمية الاجتماعية، بالتنسيق مع المؤسسات الدولية والمحلية، قد وضعت خطة لإنشاء مساحات لعب مؤقتة وآمنة للأطفال، أجابت: "لدينا خطة تستهدف إنشاء نحو 200 مساحة مؤقتة وآمنة للعب في مراكز الإيواء والتجمعات السكنية، موزعة بحسب أعداد الأطفال والنازحين ودرجة الاحتياج، مع بدء التنفيذ تدريجيًا خلال 3-6 أشهر من اعتماد الخطة وتوفر التمويل وإمكانية الوصول".

وبذلك، يبقى وعد الوزارة بإنشاء 200 مساحة مؤقتة معلّقًا على ثلاثة شروط غير مؤكدة مجتمعة وهي اعتماد الخطة، وتوفر التمويل، وإمكانية الوصول، من دون موعد نهائي ملزم يُسأل عنه أحد؛ وبين هذا الغموض والفجوة القائمة بين 150-200 مساحة متوفرة و250-300 مساحة مطلوبة، يبقى مئات الآلاف من الأطفال يوميًا بلا مكان آمن للعب، بانتظار أن تتحول الأرقام التقديرية إلى مساحات فعلية على الأرض.

وعود مؤجلة

وبمراجعة الإطار القانوني الناظم لحقوق الطفل، يؤكد المحامي حماد ضهير أن حق الأطفال في اللعب والترفيه مكفول بموجب المادة (31) من اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص على حق الطفل في الراحة ووقت الفراغ ومزاولة الألعاب والأنشطة الترفيهية المناسبة لسنه والمشاركة في الحياة الثقافية والفنون. كما يرتبط هذا الحق بحقوق الطفل في الصحة والتعافي من آثار النزاعات المسلحة، ما يعزز ضرورة إدراج توفير المساحات الآمنة للعب ضمن أولويات حماية الأطفال في غزة وإعادة الإعمار.

وفيما يتعلق بالتشريع الفلسطيني، يوضح ضهير أن قانون الطفل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2004 يتضمن نصًا صريحًا بشأن اللعب؛ إذ تنص المادة (40) على حق كل طفل في المدرسة في وقت للراحة ومزاولة الألعاب والأنشطة المناسبة لسنه والمشاركة بحرية في الحياة الثقافية والفنون؛ غير أنّ النص لا يحدد بصورة تفصيلية الالتزامات التنفيذية الواقعة على الجهات المختصة لضمان ممارسة هذا الحق، ما يترك جانبًا من آليات تطبيقه بحاجة إلى تنظيم وإجراءات تنفيذية.

كما تتناول المادة (45) حماية الأطفال من مخاطر الألعاب غير المطابقة للمواصفات والمعايير، فيما صدر قرار بقانون رقم (19) لسنة 2012 لتعديل بعض أحكام القانون. ومن الناحية القانونية والإنسانية، فإن تدمير الحدائق والملاعب وأماكن الترفيه، إلى جانب المدارس والمنازل ومرافق الحياة المدنية، يفاقم حرمان الأطفال من حقوقهم الأساسية.

وشدد ضهير على أن حرمان أطفال غزة من المساحات الآمنة للعب، في ظل تدمير البنية التحتية المدنية، يتصل بحقوقهم في النمو والتطور النفسي والاجتماعي والبدني، ويزيد من آثار الحرب على طفولتهم. ووفقًا للإطار القانوني الناظم لحقوق الطفل، فإن توفير بيئة تتيح للأطفال ممارسة حقهم في اللعب يندرج ضمن حماية حقوقهم الأساسية، فيما تبرز الحاجة إلى ضمان هذا الحق عند إعادة تأهيل الحدائق والمرافق الترفيهية المتضررة.

أما على المستوى النفسي والاجتماعي، فيرى المختص الاجتماعي عرفات حلس أن اللعب يفرغ طاقة الطفل، ويطور مهاراته وقدراته وذكاءه، ويقوي قدرته على التفاعل مع الآخرين؛ لذلك فإن حرمان الأطفال من اللعب في أماكن مهيأة وآمنة يترك آثارًا سلبية عليهم.

وتتجاوز آثار الحرمان من اللعب، وفق حلس، فقدان النشاط والترفيه؛ إذ يصبح الطفل الذي يُحرم من اللعب والتفريغ النفسي والتفاعل مع أقرانه أقل نشاطًا اجتماعيًا، وأكثر عرضة للانطواء أو ظهور بعض السلوكيات السلبية. ويواجه الأطفال الذين وُلدوا خلال الحرب خطرًا أكبر، لأنهم يكبرون في بيئة تغيب فيها المساحات الآمنة للعب.

وفي مواجهة هذه الآثار، ينصح حلس الأسر بدمج أطفالها في الأنشطة التي تنظمها المؤسسات المجتمعية المعنية بالأطفال، لما توفره من فرص للتفريغ النفسي وتنمية المهارات وتعزيز الذكاء والتفاعل الاجتماعي.

وعلى مستوى الاستجابة المجتمعية، يدعو حلس مؤسسات المجتمع المدني إلى إدراج حق الأطفال في اللعب والمساحات الآمنة ضمن برامج التعافي، باعتبار توفير هذه المساحات جزءًا من حماية الطفل ودعم صحته النفسية.

وبين المطالبات بتوفير أماكن مهيأة للعب الأطفال والواقع الذي يعيشه أطفال غزة، ترتبط الحاجة إلى اللعب في مكان آمن بصحتهم النفسية ونموهم. فهل تعود يومًا الملاهي إلى غزة؟ وهل تستعيد الحدائق وأماكن اللعب حضورها بعد الدمار؟ وهل يجد الأطفال مساحات آمنة بدلًا من الركام؟ أم يبقى السؤال معلقًا بلا إجابة، بينما تتحول الوعود الرسمية إلى أرقام تقديرية مشروطة بتمويل لم يصل بعد؟