أغمض حمادة السردي عينيه متألمًا وهو يرى أطفاله يسيرون خلف نعش شقيقهم، يركضون بخطوات متعثرة للحاق به. كان كل شيء يحدث أسرع من قدرتهم على الاستيعاب: جنازةٌ، فنِعشٌ، فقبرٌ، ثم أيدٍ صغيرةٌ تمتد لتلقي الرمال فوق جسد شقيقهم. وقف الأب عاجزًا وهو يضع ابنه تحت التراب بيديه، بينما يشاركه أطفاله المشهد الذي لا ينبغي لطفل أن يراه أو يعيشه.

فكيف يمكن لطفل في الثامنة أن يفهم معنى وداع أخيه إلى الأبد؟ وكيف يستطيع مراهق في الخامسة عشرة أن يستوعب أن الشخص الذي كان يراه أمامه بالأمس لن يعود إلى البيت مرة أخرى؟ كانت الأسئلة في تلك اللحظة قاسيةً، ولا يملك الأب إجابةً واضحةً عنها.

يعيل السردي أسرةً مكونةً من 6 أفراد، فقد ابنه عديًّا، ليتبقى له أربعة أبناء: 3 من الذكور أكبرهم يوسف في الصف العاشر، وداليا في الصف السابع، ومحمود في الصف الرابع، ومحمد في الصف الثالث. جميعهم ساروا في الجنازات، ولم تكن جنازة شقيقهم الأخيرة؛ إذ لا يقوى والدهم على منعهم من توديع الأحبة.

يقول الأب، ومشهد حمله لنعش ابنه لا يغيب عن ناظريه: "تأثر أولادي كثيرًا بعد فقد أخيهم. كنت أود منعهم من المشاركة في الجنازة حفاظًا على نفسيتهم، لكنهم أبناء هذا الواقع ومن الصعب فصلهم عنه. شاركوا أيضًا في نقل جثمان خالهم بعد عودتهم من النزوح الأول، ومنذ الفقد وهم لا يكفون عن الأسئلة وعن حال شقيقهم وأهل الجنة".

واقع يسبق الطفولة

في غزة، كبر الأطفال قبل أوانهم؛ صاروا يعرفون خط سير الجنازات، ويميزون أصوات النعوش، ويحفظون طريق المقابر، ويقفون عند الوداع الأخير في صدمة. لم تعد الجنازة بالنسبة لكثير منهم مشهدًا عابرًا، بل أصبحت جزءًا من يوميات الحرب، يتعلمون فيها معنى الفقد قبل أن تتاح لهم فرصة فهمه. يمشون خلف النعوش بأعين صغيرة تحمل مشاهد أكبر من أعمارهم؛ تترك الحرب في ذاكرتهم صورةً جديدةً، وتنتزع من طفولتهم شيئًا آخر.

سيكولوجيًا، لا يتعامل الطفل مع الموت كما يفعل البالغ؛ قد لا يفهم معنى "الأبد"، لكنه يلتقط تفاصيل الوداع بدقة، وقد تبقى مشاهد النعش والقبر ودموع الأهل حاضرةً في ذاكرته. وعمليًا، يحتاج الطفل إلى شرحٍ واضحٍ وبسيطٍ لما حدث، ووجود شخصٍ بالغٍ إلى جانبه يجيب عن أسئلته.

على نحوٍ مشابهٍ، تخشى رفيف عزيز على أطفالها من الجنائز ومن تلك اللحظات التي لا تشبه أعمارهم، فما زال صدى أصواتهم يلاحقها منذ ليلة استشهاد عمهم سالم: "بدي عمي سالم.. ماليش دخل، بدي عمي سالم". تتذكر ارتجافهم وبكاءهم وهم يحاولون الاقتراب منه. كانت تلك المرة الأولى التي تسمح لهم فيها بحضور مراسم الوداع عن قرب، لكنها منذ ذلك اليوم تحمل ندمًا ثقيلًا؛ فقد رأت كيف يمكن لمشهدٍ واحدٍ أن يترك في ذاكرة الطفل هلعًا يدوم لسنوات.

تقول بأسىً: "كان عمهم الأعز على قلوبهم. ابني محمد كان عمره 11 عامًا، وسمر 10 أعوام، وسلام 5 أعوام. جميعهم دخلوا في حالة هستيريا مرعبة، حتى أنني خفت جدًا عليهم وقُلت لن تمر تلك الأيام أبدًا. كانت أسئلتهم تدور حول شكله يوم الموت: 'لماذا لا يوجد عليه دم؟' 'لماذا وجهه منتفخ؟' 'كيف مات؟' 'ماذا شعر في لحظته الأخيرة؟'، وكانت سلام الأكثر تأثرًا وخوفًا".

تضيف وهي تنظر إلى دفاتر مذكرات أولادها: "اكتشفت لاحقًا أن أطفالي صاروا يكتبون مذكراتهم عن ذلك اليوم وعن الحرب. لم أكن أعرف، حتى هم لم يخبروا بعضهم، لكنهم وجدوا في ذلك وسيلةً للتخفيف عن أنفسهم هول ما حدث ويحدث لهم".

الخيار الآخر: حماية الصورة الأخيرة

في المقابل، رفضت آصال أبو طاقية رفضًا قاطعًا أن يحضر أطفالها — الذين يبلغ أكبرهم 11 عامًا والأصغر 7 أعوام — وداع خالهم الذي استشهد في الحرب. كان القرار قاسيًا ومؤلمًا، لكنها أرادت أن يبقى خالهم في ذاكرتهم حيًّا كما عرفوه، لا ميِّتًا كما رأوه على حد قولها.

تقول وهي تستذكر يوم ودعت أخاها: "كنت خائفةً لحظتها عليهم من أن يكون المشهد — مهما كانت أعمارهم وقدرتهم على الفهم — طاغيًا على كل الصور الجميلة لخالهم: ضحكته، صوته، وحضوره. كنت أود أن يبقى هكذا في نظرهم، لا منظره في المشهد الأخير مسجًّى بالكفن".

تضيف وهي تحتضن صغيرتها: "كان والدهم أسيراً وقتها، وهذا زاد عندهم خوف الفقد والتعلق بي؛ كانوا يعيشون الهواجس والأفكار ويخافون أن يخسروا فردًا آخر من العائلة، لذلك لا أفضل حضور الأطفال للجنازات لأنها ستبقى صورةً ثابتةً في أذهانهم".

غير أن عدم حضورهم لمراسم الوداع والجنازة لم يغلق باب الأسئلة، بل على العكس تمامًا، فتحه أكثر؛ إذ صاروا يسألون عن الموت وماهيته. تردف آصال: "أحاول في كل سؤال أن أجيب الإجابة التي تناسب أعمارهم وقدرتهم على الاحتمال. كنت أريد أن أعطيهم الحقيقة، لكن دون أن أحمّلهم تفاصيل أكبر من قلوبهم. وفي المقابل، ربما يرى البعض أن من حق الطفل أن يودّع، وأنا أتفهم هذا تمامًا، لكني أعتقد أن الوداع ليس بالضرورة أن يكون أمام الجثمان".

أرقام تقيس حجم الفجيعة

وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد بلغ عدد الأطفال 1.09 مليون في قطاع غزة نهاية العام 2025، بما نسبته 47% من السكان، فيما بلغت الفئة دون سن الـ15 عامًا نحو 36.3% من إجمالي السكان، منهم 0.83 مليون طفل في غزة بنسبة 39%. كما بلغ عدد الشهداء من الأطفال 21,283 شهيدًا، أي ما معدله 30% من إجمالي الشهداء حتى أواخر العام 2025.

وتفيد بيانات صندوق الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" بأن 96% من الأطفال يشعرون أنهم على وشك الموت، بينما يعاني حوالي 61% من المراهقين من اضطراب ما بعد الصدمة، و38% من الاكتئاب، و41% من القلق.

وتظهر البيانات الأممية أيضًا أن تسعة من كل عشرة أطفال لديهم سلوكيات عدوانية؛ إذ تبيّن أن 93% منهم يظهرون سلوكًا عدوانيًا، و90% يمارسون سلوكًا عدوانيًا تجاه من هم أصغر منهم، و86% يعانون من الحزن والانعزال، و79% يعانون من اضطرابات النوم.

القراءة النفسية وآليات التعامل

من ناحيةٍ نفسيةٍ، تشرح المختصة النفسية نورا أبو عيطة أن طريقة تعاطي الأطفال مع الموت تختلف بحسب الأعمار؛ ففي سن الرابعة قد لا يدرك الطفل أن الموت نهائي فيتوقع عودة الشخص، وفي سن الثامنة يبدأ بفهم أن الموت دائم لكنه قد ينشغل بالخوف من فقد أشخاص آخرين، أما المراهق فيفهم الموت بصورة أقرب للبالغ، لكنه قد يعبر عن حزنه بالانسحاب أو الغضب بدلاً من البكاء.

وعند سؤالها عن الآثار النفسية قصيرة وطويلة المدى لمشاهدة الوداع الأخير، تجيب: "على المدى القصير قد يظهر الحزن، الخوف، اضطراب النوم، الكوابيس، التعلق بالأهل، أو التبول اللاإرادي. وعلى المدى الطويل قد تظهر أعراض القلق أو التجنب أو أعراض الصدمة إذا كانت التجربة شديدة ولم يجد الطفل دعمًا نفسيًّا وأمانًا كافيًا".

وتوضح أبو عيطة أن "المشاهد المرتبطة بانفعال قوي قد تُخزن بوضوح أكبر، خصوصًا الأصوات والوجوه والمواقف المرتبطة بالخوف أو الحزن، لكن بقاء الذكرى لسنوات لا يعني بالضرورة أنها صدمة؛ إذ تصبح مقلقة عندما تعود بشكل اقتحامي وتسبب خوفًا أو تجنبًا وتعطل حياة الطفل".

وقد يكون إشراك الطفل في وداع أحد أفراد أسرته صحيًّا عندما يكون مستعدًا لما سيشاهده ويشارك دون إجبار؛ إذ قد تساعده المشاركة على فهم حقيقة الوفاة وتوديع الشخص بدلاً من تركه أمام أسئلة وخيالات غير واضحة، بينما في بعض الحالات الأخرى يظل الطفل غير مصدق للوفاة ويتخيل عودة الشخص.

وأوضحت أبو عيطة أنه في حالات الفقد يجب استخدام لغة واضحة تعبر عن الموت، كأن يُقال مثلاً: "فلان مات، وجسمه توقف عن العمل ولن يعود، ونحن نشعر بالحزن لأننا نحبه". كما يجب منح الطفل الأمان والاحتواء العاطفي والإجابة عن أسئلتهم بما يتناسب مع أعمارهم؛ فهذا الاحتواء يساعد الطفل على تنظيم مشاعره ويوجه له رسالة أساسية: "أنا حزين، لكنني لست وحدي".

أما عن السلوكيات التي تستدعي تدخل مختص نفسي، فتقول أبو عيطة: "عندما تكون الأعراض شديدة أو مستمرة وتؤثر في حياة الطفل، مثل الكوابيس المتكررة، الخوف الشديد من الموت، الانعزال، التراجع الدراسي، اضطرابات النوم، التبول اللاإرادي المستمر، العدوانية الشديدة، أو الشعور بالذنب. كما تستدعي أي أفكار عن إيذاء النفس لدى المراهق تدخلًا متخصصًا وفوريًّا".

في غزة، لا يملك الأطفال دائمًا رفاهية اختيار كيف يودعون أحباءهم؛ إذ قد يجدون أنفسهم فجأةً في منتصف الجنازة. وبين العوائل التي تشرك أطفالها في مراسم الوداع، وبين من يحاول حمايتهم من الحدث الصادم، لا يوجد نموذج واحد يمكن العودة إليه وكلٌّ يرى من منظوره. لكن الأشدّ وطأة أن الحرب لا تمنح الأطفال فرصةً للحزن، فتتركهم يحملون مشاهد النعوش والمقابر ووجوه الراحلين، بينما تُنتزع من ذاكرتهم تدريجيًّا تفاصيل طفولة كان يفترض أن تكون أكثر أمانًا وأقل وجعًا.