بينما يتردد صوت المطارق بين أكوام الخرسانة، ينحني أحمد حلس (30 عامًا) فوق ركام منزل مدمر في مدينة غزة. يضرب الخرسانة مرة، ثم يتوقف قليلًا ليتتبع موضع السيخ المدفون تحتها، قبل أن يعاود الضرب حتى يتحرر قضيب حديد ملتوي من بين كتل الإسمنت. يضعه إلى جانب قضبان أخرى سبق أن استخرجها من الموقع، ثم يعود إلى الركام بحثًا عن المزيد.
قبل الحرب، كان تكسير الركام واستخراج الحجارة والحديد مهنة أحمد الأساسية. وبعد نحو عامين ونصف العام من الحرب، ومع إغلاق المعابر وصعوبة دخول مواد البناء إلى قطاع غزة، عاد إلى المهنة ذاتها، لكن الركام هذه المرة لم يعد مجرد مخلفات حرب؛ صار مصدرًا للعمل والدخل، ومادة تدخل في دورة اقتصادية فرضتها الحاجة.
يقول حلس إن عودته إلى تكسير ركام المنازل واستخراج الحديد جاءت من محاولة الاستفادة مما بقي داخل المباني المدمرة، وخصوصًا الحديد الموجود في الأعمدة والأساسات. وفي إحدى الحالات، اتفق مع صاحب منزل مدمر على إزالة الركام واستخراج الحديد الموجود داخله، على أن يحصل العمال على الحديد بدلًا من أجر مالي. استمر العمل نحو شهر، بمشاركة ستة عمال آخرين، وتمكن الفريق من استخراج نحو ثلاثة أطنان من الحديد من أحد المواقع. أما آخر منزل عمل فيه حلس، فيقدّر أنه وفّر له نحو طن ونصف الطن.
لكن الحديد لا يغادر الركام ليذهب مباشرة إلى السوق. بعد انتزاعه من الخرسانة، يجري تعديله وتجهيزه، ثم يُباع إلى المحال التجارية والتجار والشركات والأفراد الذين وجدوا بدورهم استخدامات لمادة أصبح الحصول عليها جديدة أكثر صعوبة وكلفة.
بحسب حلس، كان سعر الطن، وقت إجراء المقابلة، نحو 3200 شيكل. وعلى هذا الأساس، قدّر قيمة طن ونصف الطن استخرجه من آخر منزل بنحو 4800 شيكل. غير أن الرقم لا يمثل دخله الصافي؛ فقد أنفق نحو 2500 شيكل على العمال والنقل والمعدات، ليبقى له نحو 2300 شيكل تقريبًا. ويحتفظ بجزء من الحديد أحيانًا بدل بيعه، مستخدمًا إياه في احتياجاته اليومية؛ ففي ظل ارتفاع أسعار الحديد الجديد، استعان ببعض القضبان في تعديل سياج الخيمة التي يسكن فيها.
بالنسبة إلى حلس، كان الركام مكانًا للعمل. أما بالنسبة إلى أصحاب المنازل المدمرة، فقد يكون الحديد الموجود تحته ثمنًا اضطراريًا للتخلص منه.

في حي تل الهوا غرب مدينة غزة، لم يكن أسامة عاشور (55 عامًا) يبحث، منذ تدمير منزله، عن إعادة بناء البيت بقدر ما كان يبحث عن مساحة صغيرة يستطيع أن يجلس فيها مع أولاده. على مدار شهر، حاول، برفقة أبنائه، تنظيف نحو 100 متر من الركام حتى يوفر مكانًا للإقامة. كان لا يزال نازحًا في جنوب القطاع، ولم يجد في مدينة غزة مكانًا يستطيع العودة إليه.
تردد عاشور إلى المدينة بحثًا عن ذلك المكان. ارتفاع أسعار الإيجارات وعدم توفر أماكن مناسبة دفعاه إلى البحث عن حل آخر، إلى أن علم بوجود عمال يزيلون ركام المنازل مقابل الحصول على الحديد الموجود فيها.
حين سأل عن تكلفة إزالة الركام، أخبره العمال أنهم لا يتقاضون أجرًا ماليًا، وإنما يحصلون على الحديد المستخرج مقابل عملهم. وافق عاشور، لأنه لم يكن يملك المال اللازم لإزالة الركام. كان الاتفاق أن ينظف العمال مساحة محددة خلال مدة لا تزيد على أسبوعين، مقابل حصولهم على كامل الحديد الموجود في المنزل من دون أجر إضافي.
استفسر عاشور عن سعر الحديد في السوق، فعرف أن الطن يبلغ نحو 3200 شيكل. وبما أن العمال استخرجوا من منزله نحو طن ونصف الطن، بلغت القيمة التقديرية للحديد نحو 4800 شيكل. في المقابل، تلقى عرضًا لإزالة الركام مقابل أجر مالي يصل إلى نحو عشرة آلاف شيكل، فضلًا عن حاجته إلى التنسيق مع البلدية والجهات ذات الصلة لترحيل الركام.
اقتصاديًا، لم يكن الاتفاق يبدو عادلًا له. لكنه، كما يقول، لم يكن يملك خيارًا آخر. لم تكن المسألة بالنسبة إليه بيع الحديد أو التخلي عنه، وإنما العثور على مكان يستطيع أن يجلس فيه مع عائلته.
تتقاطع قصة عاشور مع قصة حلس، لكن من جهتين مختلفتين من الركام نفسه: ما يراه العامل مادة يمكن استخراجها وبيعها، يراه صاحب المنزل تكلفة لا يستطيع تحملها. وفي غياب المال اللازم لإزالة الدمار، تتحول المواد المتبقية في البيت إلى وسيلة لدفع كلفة الوصول إلى مساحة قابلة للاستخدام

ومن الركام تبدأ رحلة أخرى للحديد، هذه المرة نحو السوق. المقاول رمضان عبد العال بدأ، منذ نحو أربعة أشهر، شراء الحديد المستخرج من ركام المنازل المدمرة. يقول إن النشاط كان موجودًا قبل الحرب، لكنه شهد ارتفاعًا كبيرًا في الطلب خلالها.
يصل الحديد إلى عبد العال عبر العمال والأفراد الذين يستخرجونه من بين الركام. ومن هناك يبدأ مسار جديد: تعديله وفرده وتجهيزه باستخدام أجهزة وأدوات بدائية، قبل إعادة بيعه إلى الشركات والمقاولين والأفراد.
يتراوح سعر شراء الطن، بحسب عبد العال، بين 3000 و3500 شيكل تقريبًا، وفقًا لسعر السوق اليومي. ولا يتحدد السعر بالوزن وحده؛ فقوة الحديد وحالته ونسبة الهالك فيه تدخل أيضًا في تحديد قيمته. وبعد شرائه، يخضع الحديد للتعديل والفرد قبل طرحه للبيع مرة أخرى.
لكن زبائن هذا الحديد لا يبحثون عنه بالضرورة لبناء منشآت كبيرة. كثير منهم يحتاج إلى كميات محدودة لإصلاحات بسيطة في المنازل، أو لتعديل جدار، أو لتجهيز وتحسين خيمة. ويتقاطع ذلك مع ما يقوله حلس عن استخدام الحديد المستخرج في تفاصيل الحياة اليومية، في وقت ارتفعت فيه أسعار الحديد الجديد وأصبح الوصول إلى مواد البناء أكثر صعوبة.
أما الأرباح، فلا يضع لها عبد العال رقمًا ثابتًا. فهي تختلف من حالة إلى أخرى، بحسب طريقة الاتفاق، وحالة الحديد، وتكاليف تعديله ونقله، ولذلك لا يمكن تحديد هامش ربح موحد لكل طن.

وما يحدث في مواقع المنازل المدمرة لا يبدو، وفق هذه الشهادات، سلسلة من الصفقات المنفصلة بقدر ما يشكل سوقًا صغيرة نشأت داخل حجم هائل من الدمار. فبحسب التقييم الصادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في أبريل/نيسان 2026، دُمّر أو تضرر أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، فيما ظل أكثر من 60% من سكان غزة بلا مأوى، وقدّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار.
في هذا المشهد، يرى الاقتصادي أحمد أبو قمر ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الركام». المواد التي كانت تُعامل بوصفها مخلفات أصبحت موارد ذات قيمة اقتصادية، في وقت يعاني فيه السوق نقصًا في مواد البناء وارتفاعًا في أسعارها وتراجعًا في فرص العمل.
الحديد المستخرج من المباني المدمرة، بحسب أبو قمر، يدخل في هذه الدورة؛ ينتقل من العمال الذين يستخرجونه من الركام إلى التجار والورش، ثم يعاد بيعه واستخدامه في أعمال مختلفة. هكذا تتشكل دورة اقتصادية صغيرة، لم تنشأ لأن السوق اختارتها، وإنما لأن الحرب دفعت إليها.
ويرى أبو قمر أن النشاط، رغم نشأته في ظروف اضطرارية، قد يساعد على تقليل الهدر والاستفادة من المواد المتاحة. لكنه يظل نشاطًا غير منظم، ويحتاج إلى آليات واضحة تحدد ملكية المواد المستخرجة، وكيفية تسعيرها، وشروط سلامة إعادة استخدامها.

وهنا تبدأ مشكلة أخرى، أكثر صمتًا من حركة البيع والشراء: ماذا يحدث عندما يعود الحديد ومواد البناء الأخرى إلى الاستخدام من دون التأكد من حالتها؟
المهندس المدني أحمد إسحاق يحذر من أن المواد التي تعرضت للدمار لا يمكن التعامل معها جميعًا بالطريقة نفسها. فالأسمنت الذي يتعرض للرطوبة والهواء لفترات طويلة قد يفقد جزءًا من خصائصه، بما يؤثر في قدرته على تحقيق مقاومة الضغط المطلوبة في أعمال الإنشاء.
قد تصلح بعض هذه المواد لأعمال ترميم مؤقتة أو لتثبيت الحجارة في الجدران الخفيفة، لكنها، بحسب إسحاق، لا تصلح للمنشآت الحاملة أو الأسقف أو العناصر الإنشائية التي تعتمد على معايير هندسية دقيقة ما لم تخضع للفحص والتقييم اللازم.
الخطر هنا لا يظهر بالضرورة لحظة استخدام المادة. قد يبدأ في صورة تشققات مبكرة، أو انخفاض في العمر الافتراضي للمنشأة، وقد يصل إلى فشلها أو انهيارها عند تعرضها للأحمال أو العوامل الجوية. لذلك ترتبط صلاحية إعادة الاستخدام، كما يوضح إسحاق، بحالة المادة وطبيعة الاستخدام المقصود منها.
المواد التي لا تستوفي المتطلبات الفنية يمكن توجيهها إلى استخدامات غير إنشائية، مثل الرصف وتسوية الأراضي وبعض الأعمال المؤقتة، بدل إدخالها في العناصر الحاملة التي تتطلب مواصفات وقدرات تحمل محددة.
في غزة، لا يزال الركام حاضرًا في المكان نفسه الذي يبحث فيه الناس عن بيت، ويبحث فيه العمال عن عمل، ويبحث فيه التجار عن سلعة. وبين هذه الحاجات المختلفة يتحرك الحديد المستخرج من المنازل المدمرة: من عمود كان يحمل سقفًا، إلى يد عامل تنتزعه من الخرسانة، ثم إلى تاجر يشتريه، وورشة تعدله، وأسرة تستخدمه في إصلاح جدار أو تحسين خيمة.
ومع استمرار الدمار وارتفاع تكلفة مواد البناء، يبدو أن هذا المسار لن ينتهي سريعًا. قد يبقى الركام مصدر رزق مؤقتًا لمن يبحثون عن أي عمل، وقد يصبح، إذا جرى تنظيم جمع المواد وفرزها وإعادة استخدامها وفق معايير فنية، جزءًا من عملية التعافي وإعادة الإعمار.
فالحديد الذي خرج من بيت مدمّر لا ينتهي بالضرورة مع الركام. أحيانًا يبدأ منه مسار جديد؛ مسار تحاول فيه الأسر والعمال والسوق تحويل جزء من خسارة الحرب إلى مورد يمكن الاستفادة منه.