شرق مخيم البريج وسط قطاع غزة، تقف تهاني أبو عابدة (42 عامًا) وسط بقعة خضراء صغيرة لا تتعدى مساحتها 300 متر مربع. تنحني لتلتقط حبات اليقطين الناضجة من تربة نالت منها الحرب، ثم تنقلها إلى غرفة مسقوفة بالشوادر البلاستيكية خُصصت للطهو.
في هذه المساحة الضيقة، لا يتوقف العمل عند جني الثمار؛ فهنا يُطهى المحصول ويتحول إلى هريس ومعلبات منزلية تُباع في السوق المحلي لتؤمن دخلًا لسبعة أفراد.
لم تكن هذه الرقعة مجرد حديقة منزلية، إذ تحولت إلى مصدر للغذاء والرزق معًا لسبعة أفراد، حتى عندما باغتت قذيفة إسرائيلية جزءًا من الأرض في ذروة العمل، لتنجو العائلة بأعجوبة.

درست أبو عابدة اللغة الإنجليزية لكنها لم تجد شغفها في هذا المجال؛ كان رهانها الأول على الأرض: تأكل مما تزرع، وتطبخ مما تحصد، وتبيع الفائض. ومع نجاح المشروع الصغير، وسّعت الرقعة الزراعية لتنتج كميات أكبر من الطماطم والخيار والفلفل والبطيخ والشمام والذرة والباذنجان، قبل أن تندلع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023 وتنسف كل شيء.
تتذكر تلك اللحظات وهي تجلس بجوار صندوق من الطماطم التي حصدتها: "عند بداية الأحداث كان لدي نحو دونمين مزروعين بمختلف أصناف الخضار وبعض الفواكه. تركنا كل شيء ونزحنا لمدة أربعة أشهر، تحول فيها اعتمادنا إلى المعلبات وأنا ابنة الأرض التي اعتدت أن آكل مما أزرع. وعندما قررنا العودة كانت المخاطرة بأرواحنا، لنجد كل شيء مدمرًا والأرض قد استحالت إلى سواتر رملية".
لم تضع تهاني الاستسلام ضمن حساباتها؛ فالأرض قائمة والعودة ممكنة. اتفقت مع زوجها وأولادها على استصلاح ما يمكن إنقاذه من المعدات، وشراء النواقص، وتسوية الرمال لإعادة الغرس. كان المخطط يقتصر على بيع الفائض الطازج في السوق، لكن شهور المجاعة التي فرضت على سكان القطاع فرضت مسارًا آخر؛ إذ أصيبت بالمرض وبحث زوجها عن طعام صحي في الأسواق دون جدوى، ومن هنا انطلقت فكرة التصنيع الغذائي المنزلي الخالي تمامًا من المواد الحافظة.

أطلقت العائلة على المبادرة اسم "المزرعة السعيدة" بعد حيرة في اختيار الاسم، وقُسمت المهام كالتالي: يتولى الزوج والابن أعمال الفلاحة والري، بينما تتولى تهاني وابنتها تحويل المحاصيل إلى مؤونة بشغف، مجسدة واقع مشاركة النساء في القطاع الاقتصادي غير المهيكل الذي بات يشكل ركيزة أساسية للأمن الغذائي المنزلي في ظل ارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها نساء في قطاع غزة إلى نحو 30%.
تنوع الإنتاج سريعًا ليشمل هريس القرع الأصفر واليقطين، وصنف "المختوم"، والملوخية المجففة، والفلفل الحار، ومعجون الطماطم، ومخللات الفلفل والباذنجان والخيار والقرنبيط والبندورة.
أمام الارتفاع الحاد في أسعار البذور والشتلات الزراعية الذي تجاوز 400%، لجأت تهاني إلى حلول ذاتية؛ وتقول وهي تمسك بذورًا أنتجتها بنفسها: "واجهت أزمة غلاء الشتلات الزراعية والبذور، فكان لزامًا أن أفكر في التغلب عليها، فصرت أصنع بذورًا صالحة للزراعة معدة يدويًا وبجودة عالية بشهادة كل من زرع منها".
لم تتوقف التعقيدات عند البذور؛ إذ أدى شح الأسمدة وارتفاع أسعارها بنسب تخطت 600% إلى تفشي الآفات والحشرات، وتزامن ذلك مع انتشار الجرذان والقوارض والبعوض، وارتفاع درجات الحرارة، وانقطاع الكهرباء، ما عقّد عمليات الري والتصنيع وأدى لتلف بعض المنتجات.

طوّعت العائلة ما تيسر من أدوات؛ فخزّنت البذور داخل عبوات السمنة الحديدية لحمايتها من القوارض، وجمعت العبوات البلاستيكية المستعملة لتعقيمها وتدويرها في ظل انعدام مواد التغليف. ولمواجهة انقطاع الكهرباء، اشتركت في المولدات التجارية لتأمين الطاقة لآلات التصنيع، رغم فواتيرها المرتفعة التي تضاعف الأعباء المالية، لتبقى تهاني عالقة بين مغالبة المرض وضغوط الميدان.
ظلّ التهديد المباشر حاضرًا على الدوام؛ قذائف مدفعية، شظايا مسيّرات، رصاص عشوائي من الطائرات المسيرة "كواد كابتر"، وتوغلات مستمرة للدبابات تجبرها على ترك الحقل والفرار. ورغم الدمار البليغ الذي لحق بمنزلها، واصلت إدارة المشروع منه، مع تخصيص مساحة عمل بديلة لدى والدة زوجها تحسبًا للنزوح المفاجئ.
حصل المشروع لاحقًا على دعم تمثل في دفيئة زراعية بمساحة 67 مترًا مربعًا بتمويل من الغرفة التجارية.
تعلق أبو عابدة وهي تنظر إلى الدفيئة: "سعدت جدًا بهذا الدعم، وبدعم زبائني الذين يعبرون بمجرد تذوق أي منتج عن شكرهم وامتنانهم، فكانت جملة 'أنتِ هوّنتِ علينا الحرب بمنتجاتك' الأشد تأثيرًا".
تختم حديثها بتحديد الأصناف الأكثر رواجًا: "هريس القرع والمختوم هما الأكثر طلبًا من مزرعتنا، وآمل أن نحصل على تمويل آخر يتيح لي توسيع مشروعنا، وتوفير المعدات اللازمة، وزيادة عدد الأيدي العاملة فيه".