وضعت فاطمة عزوم يديها فوق رأسها، ثم أنزلتهما ببطء نحو أذنيها، لتحمي نفسها من وابل الرصاص الذي انهمر بالقرب من الخط الأصفر. كانت الطلقات تتطاير من حولها، ومرّ شريط حياتها أمام عينيها. وكان صوت الرصاص يشق الهواء من حولهم، فيما يحاول السائق زيادة السرعة، ضاغطًا على دواسة الوقود بكل ما أوتي من قوة، طلبًا لنجاة محتملة.
وبعد دقائق من مواجهة الموت المحقق هدأ صوت الرصاص، وبدت أصوات قلوبهم أعلى مما ينبغي. نجوا، لكنها نجاة لم يعودوا يعرفون رقمها؛ فقد تكرر المشهد كثيرًا حتى توقفوا عن العد.
تعمل عزوم منسقةً لحملة تطعيم في وزارة الصحة الفلسطينية، وكانت ذاهبة لأداء واجبها المهني في مخيم جباليا، ولا يفصلها عن جنود الاحتلال سوى مسافة وجيزة. وبينما هي في الطريق باغتتهم الرصاصات. وحين نزلت من السيارة، مع اثنين من الممرضين، للبحث عن أطفال لم يخضعوا للتطعيم، أُطلقت عدة قذائف في المنطقة أيضًا.
تقول وهي تطلق تنهيدة طويلة وتمسح وجهها بعنف: "أنا دائمة التردد لمناطق قريبة من الخط الأصفر بحكم عملي في القطاع الصحي، فأذهب لأداء مهام في النقاط الطبية هناك، أعيش في المحافظة الوسطى بعد نزوحي وتدمير بيتي في الشمال، وفي كل مهمة لي أضع يدي على قلبي خوفًا من تكرر الحوادث التي صارت معي في كل مرة أذهب بها لهناك".
خطٌّ يتحرك
عزوم واحدة من نساء دفعهن عملهن الإنساني إلى الوصول لمناطق قريبة من الخط الأصفر، فذهبن إليها أداءً للواجب المهني والإنساني. وعلى امتداد هذا الخط، الذي يُسمّى "الأصفر"، يعيش الآلاف، بينما يتردد إليه العاملون في النقاط الطبية والتعليمية.
حُدِّد الخط بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، كحدود ميدانية، ووُضعت مكعبات صفراء لترسيم حدود المناطق. لكن الاستهداف لم يتوقف في تلك المناطق، وصار كل من يعيش هناك ويذهب لأداء عمله عرضة للخطر. ولا توجد إحصائية منفصلة بعدد الضحايا قرب الخط الأصفر؛ وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية بلغت الحصيلة في عموم القطاع منذ وقف إطلاق النار 1551 شهيدًا و5573 إصابة حتى 25 أكتوبر 2026.
ووفقًا لهذا الواقع، تسيطر "إسرائيل" على نحو 70% من مساحة قطاع غزة، بحسب تقارير حديثة، ولم يتبق للسكان سوى نحو 30% منها، أي قرابة الثلث. وتواصل تحريك الخط الأصفر وتهجير الناس من أماكنهم بعد استقرارهم في خيام متهالكة وبقايا منازل آيلة للسقوط.
وفي السياق ذاته، تقول مسؤولة الإعلام والتواصل في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في غزة، مها الحسيني، في تصريحات صحافية: "إن نحو مليوني فلسطيني، حُشروا في مساحة لا تتجاوز 120 كيلومترًا مربعًا من أصل 360 كيلومترًا مربعًا، تشكل مساحة القطاع، والمساحة التي يعيش بها السكان لا زالت تتقلص بفعل تقدم الخط الأصفر".
مدرستان على الحافة
لم تختلف قصة ولاء راشد كثيرًا عن قصة فاطمة. اتفقت المرأتان على أن مواجهة الموت المحقق كل يوم عند حدود الخط الأصفر قاسية جدًا. دفعت الحاجة المادية ولاء، لإعالة أطفالها، إلى العمل مختصةً نفسية في إحدى مدارس مخيم جباليا، المدمرة بشكل شبه كلي، بعقد عمل لمدة 6 أشهر. وفي تلك المدرسة عايشت لحظات إطلاق النار على النازحين، وشهدت إصابة العشرات.
تقول وهي تلتفت حولها متأهبة لأي لحظة تنهمر فيها الرصاصات أو القذائف بشكل فجائي: "كلما سمعت صوت رصاص قريب خفت جدًا، وفكرت في أطفالي الثلاثة، ماذا لو حدث لي مكروه، بالأصل خفت فور تبليغي بحصولي على عقد العمل في هذه المدرسة لكنني مضطرة لأجل لقمة العيش ومجاراة الغلاء الذي نحن فيه".
وفي الجهة المقابلة، في مدرسة مجاورة لمدرسة ولاء بالمخيم نفسه، تجلس سلوى عبدالله أمام جهاز الحاسوب لإدخال البيانات؛ فهي تعمل مدخلةَ بيانات هناك.
تقول بنبرة هادئة: "صراحة لم أتعرض بشكل مباشر لإطلاق نار ولكن شاهدت من في المحيط يتعرضون له، لكني شخصيًا لم أكن قريبة جدًا، تصيبني أصوات الرصاص بالفزع في كل مرة، حتى صارت تراودني في أحلامي فألجأ لزميلتي المختصة النفسية لأهدأ بالتفريغ، لكني مضطرة للعمل، وأتيت له من المحافظة الوسطى خصيصًا لأعيش أنا وأولادي لوحدنا في خيمة في منطقة التوام".
وتقاطعها صديقتها أمل عبد النبي، المعلمة في مدرسة سلوى نفسها: "البداية كانت صعبة ومرفوضة لعائلاتنا لكننا مضطرون لأجل إعالة أطفالنا الذين فقدوا آبائهم، نحن نتعايش فقط، ولا نعتاد، نحاول تأمين حياة أفضل لهم على الرغم من مخاطراتنا بحياتنا".

ما يفعله الخوف
ومن ناحية نفسية، تقول المختصة النفسية نورا أبو عيطة، التي عملت قرب الخط الأصفر: "تواجه النساء العاملات بالقرب من الخط الأصفر صراعًا نفسيًا يوميًا بين حاجتهن إلى العمل والوفاء بالتزاماتهن المعيشية والمهنية، وبين رغبتهن في حماية أنفسهن وتجنب الخطر، فاضطرارهن إلى مواصلة العمل في بيئة تشعر فيها بالتهديد قد يجعلها تؤدي مهامها وهي منشغلة بالخوف، حتى وإن بدت متماسكة أمام الآخرين".
وتوضح أن المعاناة تزداد عندما تضطر المرأة إلى إخفاء خوفها ومواصلة عملها بصورة طبيعية، دون توفر مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرها أو الحصول على الدعم النفسي المناسب. لذلك، من المهم توفير بيئة عمل أكثر أمانًا، ومراعاة الظروف النفسية للعاملات، وإتاحة الدعم النفسي والاجتماعي لهن.
هذا الخوف لا يرتبط بوجود خطر مباشر فقط، بحسب أبو عطية، إذ يمتد إلى القلق المستمر من احتمال وقوع أحداث مفاجئة، والخشية من الطريق إلى العمل والعودة منه، والانشغال الدائم بسلامتهن. وقد يؤدي استمرار هذا الشعور إلى التوتر، وفرط اليقظة، وصعوبة التركيز، واضطرابات النوم، والإرهاق النفسي والجسدي.
سؤال على الطريق
وبين حدود الخط الأصفر وضرورة تأمين لقمة العيش، تمضي نساء غزة إلى أعمالهن وقلوبهن معلقة باحتمالات الفقد. لا يعرفن إن كن سيعدن إلى أطفالهن مع نهاية النهار، أم ستتحول رحلة البحث عن لقمة العيش إلى مأساة جديدة تُضاف إلى سجل المآسي الممتد الذي عشنه.
عند حدود الخط الأصفر لم يعد الخوف شعورًا عابرًا تثيره أصوات الرصاص؛ لقد صار جزءًا من تفاصيل يومهن، يرافقهن في الطريق، ويثقل كاهلهن حتى في اللحظات التي يحاولن فيها مواصلة الحياة بصورة طبيعية. وبينما تفرض الظروف المعيشية عليهن الاستمرار في العمل رغم المخاطر، يعشن واقعًا باتت فيه أبسط الحقوق، كالذهاب إلى العمل والعودة منه بأمان، محض ترف.
وهنا يبرز سؤالهن: "هل سننجو أم ستضاف أسماؤنا لقوائم الشهداء أو المصابين؟".