أكياس دقيق فارغة تتحول إلى سدود رملية، وقضبان حديدية تُستخرج من تحت الركام الغزيّ لتسنِد خيامًا متهالكة. كانت هذه السلوكيات أكثر من مجرد محاولات بدائية للنجاة، فقد كانت خطة محلية لمواجهة الإبادة والشرائط الجغرافية الضيقة؛ اختبر فيها النازحون أدوات الإغاثة نفسها، وكشفوا بؤس المنظومة الدولية، ورفضوا الاستسلام للغرق.
كانت هناك دومًا أكياس خيش وبلاستيك أفقية مُلقاة في زوايا الخيام. حملت في أليافها المجهدة آثار دقيق "برنامج الأغذية العالمي"، وغبار الطرقات، ورائحة الخوف أثناء جلبها تحت النار.
لم تكن تلك الأكياس مجرد أوعية لحفظ الطحين؛ فقد كانت ورشة صغيرة للنازحين ومخزن أدواتهم المبدئي. كانت تجسد في حيّز مادي رمزًا للبقاء: مادة كانت أمسِ تُحضر من بين فكي الموت لسد الجوع، فتتحول اليوم إلى سد رملي يصد طوفان الشتاء. كأبناء لقطاع مُحاصر ومقصوص من خريطته، كان الشبان يعلمون أن الكيس يحمل أكثر من محتواه الرملي؛ إنه يحمل بناءً طارئًا، يؤسس لخطة دفاعية في وجه الشتاء والنزوح قسرًا.
أحمد العمري، نازح وسط قطاع غزة، يقول: "هذه أكياس الدقيق التي كنا سابقًا نحضرها من بين الموت لكي نأكل.. الآن أصبحت أكياسًا نضع داخلها الرمال لكي تكون حاجزًا لمياه الأمطار".

الحديد
في خان يونس والمواصي جنوب القطاع، لم يكن النازحون يبنون "خيامًا للجوء"، فقد كانوا يتسللون إلى البنية التحتية للموت ليعيدوا تدويرها. بين الركام الآيل للسقوط ومخلفات الحرب المتفجرة، كان محمد برهوم وأبناؤه يستخرجون قضبان الحديد من أحشاء البنايات المهدمة لتثبيت الخيمة. ولم يكن هذا مجرد حل طارئ، فقد كان استخدامًا ذكيًا للركام؛ محاولة لإعادة استخدام الأدوات ذاتها التي دمرت بيوتهم، لتصبح هي الهيكل الحامل لبقائهم.
كانت هذه التجربة دليلًا على الثغرة في نظام الحصار إبان المعركة. المنظومة الإسرائيلية وضعت مواد البناء والإيواء الصلبة ضمن قائمة "الاستخدام المزدوج" المعطلة منذ عام 2008، مانعةً دخول الأسقف ومواد التثبيت المتينة، لتترك النازحين في مواد مؤقتة لا تصمد أكثر من ستة أشهر. ومع ذلك كسر النازحون المعادلة: استخرجوا الحديد المفروض حظره من تحت أنقاضهم الصامدة، ليُدرجوا الخطر والركام كـ "أدلة صمود" في ملف معركتهم مع الشتاء.
يرى محمد برهوم وهو نازح في مخيم بمواصي خانيونس: "إنها تجربة جديدة لنرى كيف ستسير الأمور، ونأمل أن يكون الوضع أفضل مما كان عليه".

الإغلاق
من منظور المنظومات الدولية، تحوّل ما تبقى من غزة إلى "مخيم نزوح ضخم للغاية"؛ مساحة لا تتجاوز 30% من مساحة القطاع الأصلية محشورة في مناطق منخفضة معرضة للفيضانات. الأرقام هنا ليست مجرد بيانات إحصائية، بل قياس لسمك الخناق: مليونا شخص بحاجة ماسة لمساعدات الإيواء، و950 ألف نازح يعيشون في بؤر الفيضانات والشرائط المائية خطرًا، و17% فقط هي نسبة تغطية احتياجات الإيواء المتاحة حيال هذا الشتاء.
الاستجابة الدولية صُدمت بتراجع التمويل وتصاعد الصراع الإقليمي الذي يعطل المسارات التجارية، إلى جانب المفاوضات اليومية العقيمة لإدخال أبسط المواد المتينة. إن المنظومة الإغاثية الدولية باتت تعمل بـ "آلية أصابها العطل المزمن"؛ حيث تنتهي صلاحية الخيام مع كل نزوح جديد يخوضه المواطنون (والذي تكرر لأكثر من ثماني مرات لبعض العائلات).
يقول المنسق الإقليمي للأزمات في المنظمة الدولية للهجرة، كارل بيكر، "المناطق المنخفضة هي، للأسف، كل ما تبقى من مساحات يمكن لأعداد كبيرة من الناس الاستقرار فيها بانتظار التوصل إلى حلول سياسية".

الركام والتهجير
المباني التالفة نفسها (أكثر من 4000 مبنى مهدد بالإنهيار الفوري) أصبحت ساحات اختيار قاسية. العائلات التي عادت لبيوتها المدمّرة جزئيًا وضِعت أمام معادلة مستحيلة فرضه الواقع الإنساني: إما البقاء تحت سقف آيل للسقوط قد يكلفهم حياتهم، أو التراجع نحو خيمة لا تقيهم الشتاء.
وعندما بكى ذلك الرجل الغزيّ أمام ممثل الأمم المتحدة رامز الأكبروف وهو يشاهد هدم منزل عمره المتبقي، فقد كان يبكي أكثر من حجارة وسمنت، كان يشهد انتهاكًا صارخًا لحقه في بيته. لقد بنى حياته كسلسلة من الأوتاد الثابتة في وجه قوى تحاول إزاحته نهائيًا من خريطة المكان.
بدوره، يؤكد القائم بأعمال منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام، رامز الأكبروف: "لا ينبغي إجبار سكان غزة على تحمل شتاء آخر دون مأوى آمن وخدمات أساسية".
الأثر
على مدار أشهر الحرب والشتاء، لم يواجه النازحون في غزة البرد وحده. واجهوا إغاثة شحيحة لا تكفي، وسياسة معطّلة لا تفتح بابًا، وحصارًا عسكريًا يحدّد ما يدخل وما لا يدخل. وفي وجه ذلك كله، اشتغلوا بما وصلت إليه أيديهم: ملؤوا أكياس الدقيق بالرمل، وانتزعوا الحديد من بيوتهم المهدّمة.
لكن أقسى ما مرّوا به لم يكن القصف نفسه، بل النزوح المتكرر: من البيت، ثم من المنطقة، ثم من كل مكان بدأوا يشعرون فيه بشيء من الاستقرار والأمان. وقد نزحت بعض العائلات أكثر من ثماني مرات. ومع ذلك، ما زالت الأكياس تتحول إلى سدود، وما زالت قضبان الركام تتحول إلى أعمدة خيام. وفي كل مرة، يصرّ الناس على البقاء، ويرفضون أن يُمحوا من مكانهم، ويرفضون قبل كل شيء أن يغادروا.