الحياة في ظروف النزوح تفرض واقعًا قاسيًا، يفتقر لأبسط مقوّمات الراحة والاستقرار، فتضطر العائلة للعيش مساحةٍ ضيقة، لا تتعدّى بضعة أمتار داخل خيمة أو مكان النزوح، الذي عادة ما يكون مُكدَّسًا بالأغراض والمستلزمات الخاصة بجميع أفراد العائلة، مع صعوبة تنظيمها، خاصةً مع شحّ الموارد وغياب الحلول المعتادة والجاهزة، وارتفاع الأسعار.

وفي قطاع غزة، تُشير التقارير الرسمية إلى أنّ عدد النازحين بسبب الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة بلغ 2.15 مليونًا، بواقع حوالي 509 آلاف عائلة نازحة، يُقيم منهم حوالي مليون في مراكز الإيواء، و1.1 مليون خارجها، منهم نحو 867 ألفًا يعيشون في خيام بسيطة.

وما يجمع هذه الأرقام معًا هو الظروف الإنسانية القاهرة التي يعيشها النازحون في مختلف المناطق، منذ قرابة 3 سنوات من الحرب، في ظلّ ارتفاع معدّل الفقر الذي وصل إلى 93%، ومعدّل البطالة الذي تجاوز 80%، بالتزامن مع فقدان أكثر من 250 ألف عاملٍ لوظائفهم بشكل دائم.

هذا الشكل الجديد والقسري للحياة يضع العائلات أمام تحدّيات يومية لتأمين مساحة معيشية آمنة ومستقرة، ممّا يجعل التفكير في أبسط تفاصيل المعيشة أمرًا يتطلب صبرًا مضاعفًا، ومهارات حياتية جديدة، لتجاوز قسوة الظروف.

وكما يُقال، فالحاجة أم الاختراع، لذا تدفع هذه الظروف كثيرًا من الأفراد، وخاصة الأمّهات والأشخاص الذين باتوا مسؤولين عن عائلاتهم، إلى ابتكار حلول وطرق لتلبية احتياجات مهمة في مكان النزوح.

اقتصاد وراحة

تقول ربا عبد الرحمن، وهي أم لطفلتيْن، ونازحة من شمال القطاع إلى وسطِه: "نحاول تطويع خامات بسيطة للاستفادة منها، وبدون استغلالها كانت هذه الخامات والمواد ستُهدَر، لكن بإعادة تدويرها نصنع مشغولاتٍ تُلبّي بعضًا من الاحتياج من جهة، ومن الجهة الأخرى نُوفّر المال الذي يلزمنا لأمور أكثر أهمية كالطعام وماء الشرب وشراء الحليب والحفاضات للأطفال".

في خيمة أو مكان النزوح، تُصبح إعادة التدوير أكثر من ممارسة هواية أو فنّ لاستثمار المواد بدلًا من هدرها، لتغدو حاجةً عمليّة مُلحّة، يرى فيها النازحون حلولًا اقتصادية، لمشكلات قائمة، كصُنع مطبخ داخل الخيمة من أخشاب مُهمَلة، أو ترتيب الملابس والأدوات المبعثرة، باستغلال الكراتين والمعلّبات.

تُخبرنا ربا، بينما تُعلّق قطعة ملابس على مسمارٍ مُثبت على عامودٍ داخل الخيمة، على شكل خُطّاف: "هكذا نُعلّق الملابس ليبقى شكل المكان مرتبًا، وبقية الملابس نضعها هناك في الكراتين، التي جعلناها خزانة للثياب".

الكراتين التي تتحدث عنها ربا، هي كراتين الطرود والمساعدات الإنسانية، التي يجد فيها النازحون خامة جيّدة لا يُمكن هدرها.

ولصناعة خزانة من كراتين المساعدات، تُوضع فوق بعضها بشكل عامودي، مع لصق الأطراف معًا، لترتيب الملابس فيها، كما تستعرض صانعة المحتوى لمى العمور، من غزة. ويُفضّل وضع قطعة خشبية أسفل هذه "الخزانة"، لحماية الجزء الأرضي منها من الرطوبة أو تسرّب المياه.

يبدو شكل الخيمة أكثر اتساعًا وترتيبًا، بفعل استغلال المساحة الضيقة وتنظيم الأغراض في الكراتين والعُلب، وتعليق ما يُمكن تعليقه في الخطافات المثبتة على أوتاد الخيمة، فلا أدوات وملابس مبعثرة في المكان ولا أكياس مكدّسة في الزوايا، وينعكس تأثير هذا التنظيم على أفراد العائلة بمشاعر ارتياح وسكينة نفسية.

وفي هذا السياق، يُشير تقرير إلى أنّ دراسات عديدة تربط بين درجة تنظيم وترتيب المكان ومؤشرات نفسية لدى الأفراد، فكلّما كان المحيط منظّمًا ومرتّبًا تنخفض معدّلات التوتر والقلق، ويزداد الشعور بالاستقرار والسيطرة، كما تتحسّن معدلات التركيز والتحكم الجيّد بالعواطف. 

كما تتضاعف أهمية هذه الفوائد إذا كنّا نتحدث عن واقع النزوح القسري، الذي يسلب من الشخص إحساسه بالسيطرة ويضعه في مواجهة دوّامات لا تتوقف من مشاعر القلق والخوف وترقّب المجهول.

تنظيم المطبخ

يشرح الشاب حسن (31 عامًا) من غزة، في فيديو عبر قناته على يوتيوب، كيفية صناعة مطبخ بأبسط الأدوات، مكوّنًا من طاولة وأرفف. فيما يُقدّم الشاب مؤيد الحرازين نفسَ الخطوات مع تطوير بسيط، ليصنع مطبخًا بحوض، يشبه المطبخ التقليدي.

نبقى في "مطبخ الخيمة"، وإعادة التدوير، حيث تقول صانعة المحتوى روان: "نحن في غزة نصنع من اللاشيء شيئًا، المعلبات الفارغة لا نتخلّص منها بل نُعيد تدويرها ونستفيد منها في حياتنا اليومية".

وفي التفاصيل، توضح روان، في مقاطع متنوعة عبر قناتها على يوتيوب، تصوّرها من مكان نزوحها، كيف تُحوّل علبة معدنيّة كبيرة إلى دلوٍ للمياه، والمعلّبات الصغيرة إلى حامل ملاعق، كما تستعرض كيفية صناعة أرفف للمطبخ من السِّلال البلاستيكية، وإعادة تدوير العلب والبرطمانات الزجاجية واستخدامها لحفظ المواد الغذائية الجافة كالسكّر والشاي والبهارات، أو لصناعة حصّالة.

أمّا خارج رُكن المطبخ، فيُمكن تنظيم الأدوات بصناعة حامل قماشي مُعلّق، من الملابس القديمة، أو من قماش شوالات الطحين، بخياطة قطع مستطيلة صغيرة، بالتوازي، على قطعة قماش طولية وكبيرة، لتتّخذ شكل الجيوب وتُوضَع فيها الأغراض الصغيرة، ويمكن جعله حامل أحذية أيضًا.

وعن استغلال القماش المُهمَل، تستعرض السيّدة آية محمّد أمامنا وسائد مُلوّنة، ومختلفة الأحجام، صنعتها بنفسها، وتقول عنها: "صنعتُ هذه الوسائد من الملابس القديمة، كما صنعت عددًا من الأغطية، نظرًا لشحّها، وغلاء أسعار الموجود منها في السوق".

وتُخبرنا آية، وهي نازحة في مواصي خان يونس، وأمّ لخمسة أطفال، طريقة صناعة الوسائد، فبعد إزالة الأزرار والزمامات من قطع الملابس تصنع الوجه الخارجي للوسادة على شكل مستطيل مُفرَغ من الداخل، ثمّ تحشوه بقطع قماش مقصوص.

بنفس الطريقة، يصنع النازحون ستائر لنافذة الخيمة أو مكان النزوح، من الملابس والأقمشة القديمة، أو من قماش شوالات الدقيق. كما يُمكن الاستفادة من قماش الشوالات كمفارش لحفظ الأسطح، فتكون أسهل في التنظيف، كونها مصنوعة من البلاستيك والنايلون، وتضمن بقاء الأسطح الأصلية (مثل الطاولة أو الطبليّة) نظيفة، وبعيدًا عن الماء وعوامل الاتّساخ.

لمسات جمالية

على مدار أعوام الحرب، مرّت مناسبات عديدة على النازحين، احتاجوا فيها ولو للحدّ الأدنى من الشعور الإنساني بالحياة الكريمة، والأجواء العائلية، لذا صنعوا أدوات وزينة من أبسط المواد المتوافرة، للاحتفال بعيدٍ ما، أو بحلول شهر رمضان أو بقدوم مولود جديد.

تُمسك ربا عبد الرحمن بعلبة معدنية تملؤها الثقوب من الجوانب، وتقول: "في عيد ميلاد ابنتي الرابع، لم نجد في السوق ألعاب أطفال، لذا صنعنا لها فانوس إنارة، نثقب المعلبات هكذا من الجوانب ونضع بداخلها شمعة أو سلك إضاءة ببطّارية، فيعطي إنارة لطيفة وجميلة، ويفرح به الصغار".

ومن فوانيس الإنارة إلى فوانيس زينة رمضان، التي تصنعها السيّدة ريهام شراب، من جنوب قطاع غزة، من كراتين المساعدات، إذ تقصّها وتلصقها على شكل فانوس ثم تغلّفها بقماش ملوّن.

ومن الأفكار البسيطة، التي تضفي لمسة جمالية وحيوية في مكان النزوح، حسبما جمعناه من تجارب العائلات، هي الزراعة المائية في البرطمانات الزجاجية والبلاستيكية، فتُوضَع فيها شتلات من نباتات الزينة، مع قليل من الماء وتوافر الإضاءة الطبيعية. كما يُمكن تحويل البرطمانات لمزهريّات تجمّع فيها نباتات وزهور مجففة وتوضع في زوايا المكان، أو على الأرفف، لإضفاء لمسة جمالية لطيفة.

التنظيم والترتيب لا يحتاجان إمكانيات مادية كبيرة، خاصة في واقعٍ معيشيّ قاسٍ، فقط القليل من الرغبة والإرادة، نستطيع بها أن نُحيل البساطة إلى حياة معقولة، مريحة وعملية، تُعيد ولو القليل من الشعور بالسيطرة، وفي الوقت نفسه تُقلل مشاعر القلق والتوتر.