في حالات كثيرة، يُؤدّي ضعفُ الوعي الحقوقي بقضايا الإعاقة- رغم الإيمان بها- إلى ممارسات مغلوطة تُفضي لنتائج عكسية؛ وحين تترافق هذه الممارسات مع التطبيق الحرفي لنصوص القانون، بعيدًا عن روحه، فإنّنا لا نناصر حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بل نُمعِن في إقصائهم.

ورغم قطع مسافة مُقدَّرة في سنّ التشريعات والقوانين الخاصة بحماية الأشخاص ذوي الإعاقة وإدماجهم، في المنطقة العربية وفلسطين، التي تتواءم بنسب متفاوتة مع الاتفاقية الدولية، يرى حقوقيون أن الأزمة لا تكمن فقط في هذه النصوص، بل في كيف نُطبّقها، إلى جانب اعتماد سياسات تنعكس سلبًا على  واقع الأشخاص ذوي الإعاقة وتهدِر جهودًا كبيرة تُبذل في سياق شمولهم، باعتباره من أهم مُتطلّبات التنمية المستدامة للمجتمعات.

وتُعرّف المادة (19) من الاتفاقية الدولية الإدماج بأنّه "حق الأشخاص ذوي الإعاقة في العيش بالمجتمع، بخيارات مُساوية لخيارات الآخرين، مع اتخاذ تدابير فعالة ومناسبة لتيسير تمتّعهم الكامل بحقهم وإدماجهم ومشاركتهم الكاملة بالمجتمع".

وممّا يشمله الإدماج، بحسب الاتفاقية، استفادة الأشخاص ذوي الإعاقة من الخدمات والمرافق المجتمعية المتاحة لعامة الناس، وضمان استجابة هذه الخدمات لاحتياجاتهم، بما يتطلّبه هذا من توفير تدابير دعم فردية فعالة تسمح بتحقيق أقصى قدر من النمو الأكاديمي والاجتماعي.

وفي فلسطين، تأتي "اللائحة التنفيذية للقانون رقم (4) لسنة 1999م بشأن حقوق المعوقين"، لتُلزِم- في المادة (12)- جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية باستيعاب أشخاص ذوي إعاقة، بما لا يقل عن 5% من عدد العاملين بها، على أن يتناسب هذا العدد مع طبيعة العمل في تلك المؤسسات، والنسبة ذاتها معتمدة في غالبية الدول العربية.

ما يتم تنفيذه من هذه القوانين، لا يزال محدودًا؛ وتُحيط به تساؤلات عدّة، منها: هل يبقى الأشخاص ذوو الإعاقة محصورين في الصورة النمطيّة والمجالات المهنّية التي يُقرّرها لهم المجتمع؟ في الوقت الذي نمتلك فيه طاقات حقيقية ومُبدِعة تنتظر فرصة عملٍ وإشراكٍ حقيقي؛ فتجميد الكفاءات ضمن رقم شكلي، دون تطبيق روح ودواعي التشريع، يهدر الطاقات، بدلًا من استثمارها لإغناء المجتمع.

في هذا الإطار، يقول رئيس اتحاد الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة، ناجي ناجي، لـ"آخر قصة": "حين نتحدّث عن الأشخاص ذوي الإعاقة، نتجاهل قضية مهمة، وهي الإقصاء من المجالات الأكاديمية والمهنية، ثم تقديم هذا الإقصاء نفسه وكأنّه نجاحٌ وتمكين".

ويُفسر ذلك بقوله: "لا تكمن المشكلة في الحرف والفنون بحد ذاتها، مثل التطريز والنسيج والرسم والنحت والرسم على الزجاج وغيرها، فهي مجالات فيها إبداع وقيمة، لكن عندما تتحوّل هذه المجالات لتكون المساحة شبه الوحيدة المّتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة، وكأن خياراتهم وطموحاتهم محصورة فيها، هنا يكمن الخلل".

ويُدلّل على هذا الواقع، باستعراض تجربة مركز "إرادة"، التابع للجامعة الإسلامية في قطاع غزة، والذي كان في بداياته، بحسب ناجي يتّجه نحو الجانب المهني والأكاديمي، وكانت فيه مساحةٌ للتعلّم والدراسة، لكن مع الوقت أصبح التركيز فيه أكبر على الجانب المهني والحرف والصناعات.

ويُتابع: "هذا النموذج، على أهمّيته، يعكس تحدّيًا أكبر: لماذا كلّما تحدّثنا عن الأشخاص ذوي الإعاقة، نذهب بهم مباشرة إلى التدريب المهني والحرف؟ لماذا لا يكون الطريق الطبيعي أمامهم أيضًا هو الجامعة، والتخصّص الأكاديمي، وسوق العمل في مختلف المجالات التي يرغبون في خوضها؟".

وفي التفاصيل، يقول ناجي: "كُنّا نرى في بعض المعارض التي تُقام في غزة، زاوية لالأشخاص ذوي الإعاقة، يُقدَّم فيها الشخص على أنّه صاحب موهبة: هذا يرسم، وذاك يُطرّز، وهذا يعمل بالنسيج، وغيره ينحت أو يرسم على الزجاج؛ جميل، لكن يجب ألّا يشغلنا هذا عن السؤال الأهم بالطرح، وهو: ماذا لو أُعطِيَ كل واحدٍ من هؤلاء الأشخاص الفرصة الحقيقية ليدرس، ما يُريده، سواء الطب أو الهندسة أو القانون أو الاقتصاد أو العلوم؟ ولماذا لا نرى نفس الحماس لتقديمه كطبيب أو مهندس أو أستاذ جامعة أو باحث؟".

ويُضيف أنّ المشكلة تكمن في حصر الأشخاص ذوي الإعاقة في جوانب معينة فقط، كالحرف والفنون والمواهب، ثم تقديم هذا الحصر- الذي هو خللٌ فعليًا- باعتباره دمجًا.

أمّا عن واقع الجامعات في قطاع غزة، ومدى مواءمتها وإدماجها للأشخاص ذوي الإعاقة، يُشير ناجي إلى أنها "لم تكن مهيأة بالشكل الكافي لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة، وإن كانت هناك أحيانًا مبادرات محدودة، مثل توفير طابعة أو وسيلة مساعدة هنا أو هناك، كان يتم إظهارها والحديث عنها وكأنها إنجازٌ كبير، رغم أنّها حق، بل الحد الأدنى من هذا الحق".

ويُكمل: "المطلوب كان ولا يزال، مواءمة شاملة ومنهجيّة، في المجتمع ككتلة واحدة، ابتداءً من مواءمة المكان والطريق والخدمة، وصولًا إلى الوعي الشمولي الحقيقي، يشمل هذا مواءمة المباني، والمناهج، وطُرق التدريس، والتقييم، والتكنولوجيا والوسائل المُساعِدة، ومواءمة الاتجاهات والمفاهيم، داخل المؤسسة التعليمية، والمِرفق الخدماتي، وفي الشارع وفي الإعلام".

ويختم بالقول "الدمج الحقيقي هو أن تكون أمام الشخص ذي الإعاقة خيارات واسعة، مثل أيّ إنسان آخر، ليختار هو طريقه بناءً على قدراته وطموحه، لا على ما يُقرّر المجتمع أنه (مناسب لإعاقته). ومن المهم إدراك أنّ حصر الشخص في مجالات محددة، يُؤدّي إلى هدر الطاقات، وخسارة المجتمع طبيبًا أو مهندسًا أو عالمًا أو اقتصاديًا أو أستاذ جامعة، كان من الممكن أن يكون إضافة حقيقية".

تجدر الإشارة إلى أنّ آخر إحصائية رسمية شاملة، للأشخاص ذوي الإعاقة المُسجّلين في فلسطين، بلغت، نهاية ديسمبر 2023، ما مجموعه 115 ألف فرد (2.1% من السكان)، بواقع حوالي 59 ألفًا في الضفة الغربية (1.8% من سكان الضفة)، ونحو 58 ألفًا في غزة (2.6% من سكان القطاع)، وقد زادت هذه الأرقام بصورة كبيرة منذ أحداث أكتوبر 2023، نتيجة وقوع آلاف الإصابات التي خلّفت إعاقات دائمة، إلى جانب الدمار الهائل الذي طال مراكز التأهيل والخدمات، دون القدرة على إجراء تعداد ميداني دقيق ومحدّث، في ظلّ استمرار النزاع.