يحسب الفتى عدنان أحمد الوقت بعدد السنوات التي توقّف فيها عن تلقّي تعليمه المدرسي؛ فمنذ إنهائه الصف الرابع الأساسي مرّت ثلاث سنوات حُرم خلالها من استكمال دراسته، وربما تصبح أربعًا، في ظل عوائق عديدة تحول دون عودته إلى التعلّم، ولا يبدو أنها ستتلاشى قريبًا.
وُلِد عدنان -13 عامًا- بشللٍ دماغيّ تسبّب له بإعاقةٍ حركية دون التأثير على وظائفه الإدراكية، وكان قبل أكتوبر 2023 مُنتظم الحضور في مدرسته الحكومية، يقطعُ المسافة إليها على كرسيه المتحرّك بلا عوائق تُذكَر، لكنه الآن حبيسَ خيمة النزوح.
يقول والده: "انقطع طفلي عن الدراسة بسبب النزوح، ولأن النقاط التعليمية الموجودة حاليًا بعيدة عنّا، ولا توجد فيها رعاية مناسبة لمن لديهم إعاقة، لم يستكمل تعليمه". يُتابع الأب وهو ينظر طفلَه: "يخبرني دومًا بأنّه يتمنى إكمالَ تعليمه، والعودة إلى أصدقائه مثل بقية إخوته، لكن الأمر مُكلف ماديًا فلا يُوجد لديّ دخلٌ ثابت".
حكاية عدنان ليست انقطاعًا فرديًا، بل انعكاس لأزمة يواجهها آلاف الأطفال ذوي الإعاقة، بعدما حوّل تدمير مرافق التربية الخاصة المدارسَ الدامجة إلى بدائل ميدانية طارئة تفتقر إلى مقومات الدمج.
وهُنا يبرز التساؤل الأهم: إلى أين يذهب من يحتاجون أكثرَ من خيمة ليتعلّموا؟ وما المُتاح أمام الطلبة ذوي الإعاقة إن كانت الخيارات البديلة عاجزة عن الوصول إليهم؟ ولا هُم يستطيعون الوصول إليها؟
وتتتبّع القصة هذه السلسلة السببية، من تدمير مرافق التربية الخاصة وانهيار خدمات الإرشاد والتأهيل والأجهزة المساعدة، إلى عجز البدائل الطارئة عن استيعاب الأطفال ذوي الإعاقة وإقصائهم عن التعليم.
تدمير البنية التحتية للتعليم
عند معاينة إحدى نقاط التعلّم الميدانية، تتكشّف الفجوة بين أعداد الطلبة المستفيدين التي تعلنها الوزارة وبين قدرة هذه النقاط على استيعاب الطلبة ذوي الإعاقة؛ إذ غاب هؤلاء عن الخيام التي عايناها، وهو ما يضع الأرقام التالية في سياقها الميداني.
أسفرت الحرب بغزة عن تدمير 277 مدرسة كليًا وجزئيًا، من أصل 584 مدرسة، بما فيها 23 مبنىً لمدارس التربية الخاصة، دُمِّر غالبيتها بالكامل أو تضرّرت بشدّة، وما بقيَ من هذه المدارس، تحوّل لمراكز إيواء.
انهيار الخدمات المساندة
أدّى انهيار البنية التحتية، بما فيها مرافق التربية الخاصة، إلى تراجع خدمات الإرشاد بنسبة 82% عام 2026 مقارنة بـ2023، مع عجز بلغ 30% في كوادر الإرشاد والتربية، وفق وزارة التربية والتعليم، قالت فيه إنّ الفاقد في خدمات الإرشاد والتربية "يعكس اتّساع الفجوة بين الاحتياج المُتصاعد والقدرة الفعلية على الاستجابة". وبالتوازي، تراجعت خدمات التأهيل بنسبة 62%، ولم يبقَ أي مركز تأهيل يعمل بكامل طاقته، فيما استشهد نحو 42 مختصًا بالعلاج الطبيعي والوظيفي، وفق الجهاز المركزي للإحصاء.
وعليه، أدّى هذا الانهيار إلى تعطّل التعليم النظامي ثلاثة أعوام متتالية لنحو 626 ألف طفلٍ في سنّ المدرسة بغزة، بينهم عشرات الآلاف من الطلبة ذوي الإعاقة، الذين فقدوا خدمات الإرشاد والتربية والتأهيل التي كانت تدعم بقاءهم داخل المنظومة التعليمية.
البدائل الطارئة تعجز عن تعويض الفراغ
لجأت الوزارة، نهاية 2025، إلى بدائل مؤقتة، بإنشاء نقاط ومساحات تعلّم ميدانية، 54% منها خيام وشوادر، وسط نقص حاد في اللوجستيات، وقيود إسرائيلية على إدخال المواد الإنشائية، واستفاد من هذه البدائل 399,888 طالبًا/ةً، من إجمالي 619 ألف طالبٍ/ةٍ، متوقع تسجيلهم للعام الجديد. يُضاف إليهم 178 ألفًا، مُسجلين في 153 نقطة تعلّم تابعة لليونيسف والأونروا.
تكشف المؤشرات مسارًا متوازيًا لانكماش الخدمات التعليمية والتأهيلية المقدمة للأطفال ذوي الإعاقة منذ 2023؛ إذ تراجع الدمج والأجهزة المساعدة وخدمات الإرشاد والتأهيل بدرجات متفاوتة، كما يوضح الرسم أدناه.
وبينما تُقرّ الوزارة بوجود حوالي 128 ألف طفلٍ بغزة لا يزال خارج التعليم، تُشير أيضًا إلى تراجع القدرة على ضمان تعليم دامج للطلبة ذوي الإعاقة، الذين بلغ عدد المدمجين منهم في المدارس الحكومية 1,884 طالبًا/ة فقط عام 2026، من أصل 3,445 عام 2023 -أي أن معدل الدمج تراجع إلى النصف تقريبًا خلال ثلاث سنوات فقط، في مسار تنازلي مستمر لا يظهر أي علامة على الاستقرار.
وفي تفسير مشهد خلوّ الخيام التعليمية من الطلبة ذوي الإعاقة، يُوضّح مدير البرامج التأهيلية بجمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية بغزة، مصطفى عابد: "أنّ هذه الخيام جاءت كاستجابة طارئة لسد الفراغ الناتج عن تدمير المدارس، وليس كنموذج تعليمي مصمم منذ البداية وفق مبادئ الشمول والدمج، لذا فهي لا تُلبّي الاحتياج، من ممرّات ومداخل، وأرضيّات، وأماكن جلوس، ودورات المياه، وإضاءة، ووسائل والأجهزة المُساندة".
ويُبيّن أنّ "المشكلة ليست في الخيمة بحد ذاتها؛ بل في أنّ الاستجابة لم تدمَج فيها الإعاقة بصورة منهجية منذ مرحلة التخطيط؛ وهنا لا نتحدّث عن نقص تجهيز، بل حواجز تحول دون ممارسة حق أساسي للطفل وهو التعليم".

لماذا تتضارب أرقام الإعاقة في غزة؟
خلال البحث، وجدنا فجوة كبيرة بين الأرقام الرسمية وتقديرات الخبراء حول نسبة الإعاقة في غزة، فيما يكشف هذا التباين أزمة أعمق تتجاوز مجرد اختلاف إحصائيّ.
مصدر الرقم الأول (الرسمي): يستقرّ التقدير الرسمي عند نحو 100 ألف شخص، تضم 58 ألفًا مسجلين قبل 2023 (وفق بيانات وكالة وفا الرسمية)، مضافًا إليهم نحو 42 ألف إصابة جديدة في 2026 (وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني).
بينما تُقدر دراسة تحليلية صادرة في يوليو 2026 نسبة الإعاقة في غزة بين 10 إلى 15% من إجمالي السكان، بواقع 201 إلى 250 ألف شخص. وتُعيد الدراسة هذا التباين إلى عدم وجود قاعدة بيانات وطنيّة موحدة ومحدّثة، وبالتالي تعدد جهات جمع البيانات وضعف أنظمة التسجيل.
ولا يعكس هذا الفارق الشاسع مجرد هامش خطأ إحصائي، بل يكشف ضعف منظومة الرصد والتسجيل، بما يحدّ من قدرة الاستجابة على تقدير حجم الاحتياج الحقيقي. فالفجوة في العد تنعكس فجوة في الاستجابة.
يُضاف إلى ما سبق، أكثر من 10 آلاف طفلِ بإعاقة، خلّفتها الحرب، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء. وفي تصريحٍ مُشابه، وصادِم، لليونسيف، يفقد 10 أطفال بالمتوسط إحدى ساقيهم أو كلتيهما، يوميًا منذ بداية الحرب.
أمّا عدد الأطفال ذوي الإعاقة، في سنّ المدرسة، حاليًا، فيُقدّره رئيس الاتحاد الفلسطيني للأشخاص ذوي الإعاقة، حسن الزعلان، بنحو 35-40 ألف طفل، من إجمالي عدد الطلبة بغزة. وبمقارنة العدد الإجمالي للطلبة ذوي الإعاقة، والمُدمَج منهم في التعليم قبل الحرب وبعدها (3,5 و1,8 ألفًا على الترتيب)، تظهر فجوة ساحقة يُبيّنها التمثيل البصري أدناه، وهو ما يُعطي سؤال "أين حق عشرات الأطفال ذوي الإعاقة في التعلّم الشمولي الدامج؟" أبعادًا أكثر إلحاحًا.
حواجز مادّية ومكانية عززت الإقصاء
محمّد، ونضال، وميار (7 سنوات)، وهم ثلاثة توائمَ، منهم ولدٌ وبنتٌ مصابان بشللٍ دماغيّ خلّف لديهم إعاقة حركية وأخرى بصريّة، وولدٌ لديه ثقب في القلب وصعوبات بالنطق، وفي الوضع الطبيعي، يُفترض أن يكونوا أنهوا تعليمهم التمهيديّ في رياض الأطفال ليبدأوا عامهم الدراسي الجديد بالصف الأول الأساسي، لكن لا شيء من هذا حدث.
يقول والدهم عُمر -اسم مستعار بناءً على طلبه-: "إدارة الرّوضة القريبة منّا رفضت تسجيل أطفالي بسبب الإعاقة، وبعد محاولاتٍ عدة لإقناعهم، قبِلوا وهُم يتمنّنون علينا، ووضعوا شرطَ وجود مرافقِ معهم (شخص متخصص)، لكن وضعي المادي لا يحتمل كل هذه التكاليف".
لا يتوقّف الرفض هنا، فكلّما توجّه الأب لروضةٍ خاصة، طالبوه بدفع الرسوم مُسبقًا، وهو ما يعجز عنه كونهم ثلاثة أطفال وليس واحدًا، وفي الوقت نفسه يقول إنّه لا يستطيع تسجيلهم بمكانٍ عام خشية تعرّضهم للتجريح، كما أنّهم بحاجة لكوادر مؤهلة، وهو ما لا يتوافر في النقاط التعليمية، بحسب الأب، وهو ما تأكّدنا منه خلال معاينة عددٍ من الخيام الميدانية.
ورغم صغر أعمارهم، يتسلل هذا الرفض المتكرر إلى الأطفال كظلٍ ثقيل، لترتطم أمنياتهم البسيطة بجدار وقسوة الواقع؛ فلا يملك ثلاثتهم سوى التنهّد بحسرةٍ يعبرون عنها لأبيهم بالكلمات: "ليتنا كنا نستطيع المشي، لتذهب إلى المدرسة".

يتحدث عمر، بحيرة العاجِز، أنّه كان يتدبّر أمره قبل الحرب، لكن الآن لا يستطيع، بسبب التكاليف المالية الباهظة؛ فعلاوة على صعوبة توفير كرسيين مُتحرّكين للطفليْن (تصل تكلفة الكرسي الواحد إلى 3000$)، هُما بحاجةٍ إلى نظارة طبية كل 6 شهور، بتكلفة 350 شيكلًا، وفوقها كشفية طبيب، ومواصلات تتجاوز 100 شيكل.
ويقول، وهو يُمسك نظارة طفلته ميار: "بالكاد تمكّنت من شراء هذه النظارة للبنت، بينما لا يزال شقيقها حتى الآن بلا نظارة".
حاول الأب، كحلٍّ بديل، إحضار مُعلمة لتأسيس الأطفال في المنزل، لكن يقول: "إنّها كانت غير متخصصة للتعامل مع أطفال ذوي إعاقة، ولم تستطع ضبطهم، فاستغنيت عنها".
ويختم ساخطًا: "تواصلنا مع جهات عدّة لتوفير كراسي متحركة ونظارات، لكن ولا مؤسسة استجابت، كلّهم يأخذون البيانات ولا يُقدّمون لنا شيئًا، أطفالي الثلاثة أذكياء جدًا، أتمنّى أن تتوفر مؤسسات تعليمية مجانية، مؤهلة للتعامل معهم، لأتمكّن من تعليمهم".
تكشف قصة التوائم الثلاثة أن نقص الأجهزة المساعدة لا يظل رقمًا في السجلات؛ بل يتحول إلى عائق مباشر أمام الوصول إلى التعليم.
وما انتهى الأب إلى قوله يعكس اتساع الفجوة في الدعم الحكومي والمؤسساتي المقدّم للأطفال ذوي الإعاقة، ولا سيما الأجهزة والأدوات المساعدة. ولا يقتصر أثر هذا النقص على توفير الأدوات، بل يمتد إلى قدرة الطلبة على الوصول إلى الخيام التعليمية والتفاعل والتواصل داخلها، ما يزيد من عوائق تعلّمهم ويعمّق إقصاءهم عن بيئة تعليمية شمولية ودامجة.
كيف يُؤثّر فقدان الجهاز أو الأداة المُساعدة، على الطفل ذي الإعاقة، من الناحية التعليمية والتفاعلية؟ يُجيب عابد بأنّ "الجهاز التعويضي أو المساعد للطفل ليس رفاهية، بل الوسيلة التي تمكّنه أصلًا من الوصول للتعليم، فالطفل الذي فقد كرسيه المتحرك قد يصبح غير قادر على قطع المسافة للخيمة التعليمية. والطفل ذو الإعاقة البصرية الذي فقد عصاه يواجه عائقًا مُضاعفًا، وكذلك الطفل ذو الإعاقة السمعية الذي يحتاج جهازًا سمعيًا؛ لذا، توفير الأجهزة المُساندة هو جزء من الاستجابة التعليمية نفسها وليس ملفًا منفصلًا".
ويُشير إلى حالات كثيرة لكبار وصغار من ذوي الإعاقة فقدوا أجهزتهم المُساعِدة أو دُمِّرت أثناء الهجمات أو الإخلاء، بالتزامن مع صعوبات أمام إدخال أجهزة وأدوات جديدة للقطاع.
واستعرض عابد ما أسماه "سلسلة العوائق" أمام الدمج، والتي تبدأ من فقدان الجهاز الذي يؤدي لانخفاض القدرة الوظيفية ويُسبب صعوبة الحركة أو التواصل، مرورًا بصعوبة الوصول للخيمة التعليمية والانقطاع عن الدراسة، وصولًا للإقصاء الذي يُفضي للتأخّر التعليمي والاجتماعي والنفسي للطفل.
حين لا يعني الوصول دمجًا
الطفلة تالا عايش برهوم (17 عامًا)، لديها إعاقة حركيّة وكانت تعتمد على كرسيّ مُتحرّك، تذهب به للمدرسة يوميًا، لكن فقدته منذ نحو 3 أعوام، وإذا لم تعُد للدراسة هذا العام، ستُحرَم من حقّها في التعليم للعام الرابع على التوالي.
يخبرنا والدها، بمرارةٍ خنقت صوتَه: "لم يتبقّ لطفلتي سوى مساحة ضئيلة داخل خيمة النزوح، وحدود جسدها الذي لا يتحرك دون مساعدة، ممّا انعكس سلبًا على نفسيّتها وصارت تشعر بالعزلة؛ فاستقلاليّتها التي كانت تمنحها القوة اختفت".
الأب، الذي عاين عددًا من الخيام التعليمية لفحصها ومعرفة المناسب منها لتسجيل ابنته، يشتكي من أنّ المشكلة أكبر من توفير كرسي مُتحرّك للوصول إلى الخيمة، فيقول: "الخيام نفسها غير مُهيّأة لتعليم الطلبة من دون إعاقة، فما بالك بالطلبة ذوي الإعاقة".
تُظهر حالة الطفلة تالا أن الوصول إلى الخيام التعليمية لا يعني بالضرورة بيئة دامجة؛ فقد يصل الطفل إليها دون أن يتمكّن من التفاعل والتواصل وتلقّي التعليم، كما أن غياب الأجهزة المساعدة لا يقيّد وصوله الجسدي فحسب، بل قد يسلبه استقلاليته وقدرته على التعلّم والمشاركة والإخلاء بأمان وقت الطوارئ، ليصبح وجوده في البيئة التعليمية حضورًا شكليًا بدلًا من دمج فعلي.

التبعات النفسية والتنموية طويلة الأمد
لكن، ما تبعات مرور سنوات دون تلقّي الطفل ذي الإعاقة أيّ تعليم أو تدريب؟ من منظور تأهيلي، يُوضح عابد، أنّ الانقطاع الطويل عن التدريب والحركة والتعليم يؤدي لفقدان مهارات مكتسبة، وزيادة الاعتماد على الآخرين، وتيبّس المفاصل والتشوّهات لبعض الحالات الحركية، وتراجع اللياقة والتحمل، وصعوبات بالتواصل والتعلم، وتأخّر أكبر في التطور النفسي والاجتماعي، كما أنّ تأخير تأهيل الأطفال الذين تعرّضوا حديثًا لإصابات أو بتر، يُفقِدهم فرصة التكيّف الوظيفي المُبكّر.
الأخطر، وفق المختصّ، هو أن التأهيل والتعليم مرتبطان ببعضهما، فلا يمكن أن نقول للطفل: سنؤهلك أولًا ثم نعيدك للتعليم عند انتهاء الحرب، بل المطلوب أن يسير هذا كلّه معًا: التأهيل، والأجهزة المساعدة، والتعليم الدامج، والدعم النفسي وحماية الطفل؛ للوصول لاستجابة واحدة متكاملة.
من جهتها، تؤكد الأخصائية النفسية والتربوية، سجود المدهون، أن "الخيام التعليمية تمثل للطفل أكثر من فرصة للتعلّم، إذ توفر لهم مساحات آمنة للتفاعل والاستقرار والحماية والدعم، ولا بدّ أن تكون مواءمة، ويُتاح الوصول إليها، ماديًا وجغرافيا، وتعني المواءمة تهيئة المكان وكذلك وجود كوادر متخصصة للتعامل مع الأطفال".
نفسيًا، وفق المدهون، يؤدي إقصاء الطفل ذي الإعاقة من التعليم لشعوره بالدونية والرفض من المحيط، ويُحوّله لطفلٍ مُحبـَط؛ أمّا سلوكيًا، تتولّد لديه مشاعر الغضب والعناد التي تدفعه للعزلة، ويزيد توتره وسلوكه الصدامي مع محيطه، كما تتراجع دافعته، وكذلك المهارات، لغياب التعليم والتدريب.
وتكمل: "التأثيرات تنسحب على العائلة أيضًا، فتتزايد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وشعورهم بالعجز والقلق المزمن على الطفل ومستقبله، خاصة في الظروف القاهرة، كحالة غزة".
مواجهة الحقوق والقانون بالواقع المسؤول
يكفل "قانون حقوق المعوقين رقم (4) لسنة 1999م"، في المادة (10) حق الطلبة ذوي الإعاقة في تكافؤ الفرص التعليمية، والمناهج والوسائل المناسبة، والكوادر المتخصصة، في حين تُوجِب المواد: (12، 13، 14) الجهات المختصة بتحقيق المواءمة التامة، وتُفرض على وزارة التعليم تأمين بيئة تعليمية تتناسب واحتياجات الطلبة.
كما تُعزز الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة -التي انضمّت إليها فلسطين في 2014- هذا الحق بفرض التزامٍ دولي بتوفير نظام تعليمي شمولي وترتيبات تيسيرية فردية.
المواد الآنفة لا تكتفي بإلزام وزارة التعليم بتأمين بيئة تعليمية مناسبة فحسب، بل تُحمّلها أيضًا مسؤولية التحقق الدوري من أن البدائل الطارئة نفسها، لا نصوص الخطط فقط، تُطبّق هذا الإلزام على أرض الواقع، في الخيام التعليمية.

وسعيًا لمساءلة الجهة المسؤولة، وجّهنا سؤالًا إلى وزارة التربية والتعليم عن آليات متابعتها مدى مواءمة نقاط التعلّم الميدانية لاحتياجات الطلبة ذوي الإعاقة، وعن وجود جدول زمني لتنفيذ ما تُعلنه من توجّهات.
وفي ردّها، أقرّت الوزارة بالفجوة بين نصوص القانون وواقع البدائل التعليمية المؤقتة، التي وصفتها بالهشّة وغير الشمولية، كونها حلولًا إسعافية لمنع الانقطاع الكامل عن التعليم، خاصة مع فقد مسارات تعليمية متخصصة كانت تمثل نافذة أساسية للدمج والحماية واكتساب المهارات. وتذكر الوزارة في تقرير يوثق واقع التعليم بين 2023-2026 أن الطلبة ذوي الإعاقة والمتأثرين بالصدمات من أكثر الفئات تأثرًا، والأكثر عرضة لأن تبقى هذه البدائل دون تلبية احتياجاتهم.
أما عن خططها لتجاوز هذه العقبات، فتحدّثت الوزارة عن توجّهات تشمل "ضمان فرص التحاق عادل وشامل للجميع، مع التركيز على دمج الطلبة ذوي الإعاقة، وتأمين المرافق الأساسية في الخيام التعليمية، وتوفير كوادر تغطي الاحتياج"، دون تحديد أفق زمني أو آليات واضحة لتنفيذها.
وهنا يبرز السؤال: متى تتحوّل هذه التوجّهات إلى خطة تنفيذية بجدول زمني محدّد؟ وهل تخضع لمتابعة أو تقييم دوري يُحاسِب الجهة المنفّذة؟ فبلا جدول زمني، تبقى التوجّهات الرسمية وعدًا مفتوحًا لا نتيجة قابلة للتحقق منها.
من جهته، يرى مصطفى عابد، الذي يعمل ضمن مؤسسة أهلية، أنّ "هناك جهودًا ومبادرات مهمة، كالتي تنفّذها أوتشا والأونروا، لكنها أقل من الاحتياج؛ والمطلوب هو الانتقال من المبادرات الجزئية إلى معيار موحّد: تهيئة وشمول كل نقطة تعليمية مؤقتة منذ التخطيط".
وبهذا، يبقى قرار إنشاء وتجهيز خيمة تعليمية مواءَمة، أو تركها كما هي، رهنًا لاجتهاد إدارة كل نقطة تعلّم على حدة، دون معيار مُلزم أو جهة تُحاسَب إن بقيت الخيمة دون ممر يصلح لكرسي متحرك، أو مقاعد مواءَمة، أو دورات مياه تلبي احتياجات الطلبة ذوي الإعاقة.
وبينما يغيب عشرات الآلاف من الطلبة ذوي الإعاقة عن التعليم، تظل البدائل الطارئة تفتقر إلى معايير إلزامية للمواءمة، فيما لا تحدد الوزارة جدولًا زمنيًا لتحويل توجهاتها إلى إجراءات قابلة للقياس. وإذا كانت هذه البدائل قد أُنشئت لمنع الانقطاع عن التعليم، يبقى السؤال مفتوحًا: لماذا لا تصل إلى جميع الطلبة؟