لم يكن تعارف خالد البردويل (29 عامًا) على ابنة عمه هديل سرًّا يخفيه عن العائلة، لكنه كان ارتباطًا مؤجَّلًا، ينتظر الوقت المناسب وفق العادات التقليدية: شقة جاهزة، وظيفة مستقرة، وحياة تبدو آمنة بما يكفي لبداية جديدة. لكن الحرب جاءت لتقلب كل هذه الحسابات، وتضع علاقتهما أمام اختبار قاسٍ.

في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، حيث لا تترك الغارات متسعًا للتفكير الطويل، استشهد والد هديل في قصف جوي استهدف بجوار منزلهم، ليجد خالد نفسه لا يبحث عن كلمات تعزية جاهزة، بل عن معنى لما تبقّى.

يتذكر البردويل بصوتٍ يختلط فيه الحزن: "لطالما شعرت باتصال معها، لكنني كنت أؤجل الخطوة حتى أقدم لها حياة مثالية. بعد استشهاد عمي، أدركت أن الوعود المؤجلة في وقت الحرب ضائعة، وهديل تحتاج إلى سند الآن".

ويضيف: "لم تكن الخطوبة فعل شفقة أو واجبًا عائليًا كما قد يراها البعض، بل لحظة اعتراف صريحة بمشاعر ارتباط، نكون فيها معًا في مواجهة الصعوبات".

الارتباط بالنسبة له لم تخلقه الحرب، لكنها أزاحت الخوف من اتخاذ القرار. يتابع: "علمتنا الحرب أن العمر لحظة، وأن تأجيل العلاقة مخاطرة حقيقية في غزة، فقد لا يكون الغد مضمونًا".

ولم تكن قصة خالد وهديل حالة معزولة. فالحرب لم تُسقط فقط شروط الارتباط التقليدية، بل أعادت تشكيل الخريطة الاجتماعية في غزة. وهما جزء من آلاف الحالات التي تشير إليها الأرقام؛ فقد بلغ عدد المعاملات الشرعية في المحاكم، بما في ذلك عقود الزواج، نحو 82,126 معاملة بين أكتوبر 2023 ويونيو 2025، وفق القاضي الشرعي في غزة، ما يعكس استمرار الأفراد في تأسيس أسر حتى وسط الدمار.

واليوم، وبعد مرور مئات الأيام من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لم تعد قصص تعارف الأزواج بعد الحرب تُروى بوصفها لحظات شاعرية، بل كمساحات لترميم النفس في واقع مكسور، وسط الفقدان والخوف وعدم اليقين. في هذه الظروف، يصبح الارتباط فعل تمسّك بالحياة، ومحاولة إنسانية لاستعادة الأمان والأمل والكرامة، حتى وإن كان الغد بلا ضمانات.

مع موجات النزوح القسري من شمال القطاع إلى جنوبه، التقيا عمر وسارة الصفدي في مدرسة إيواء بمدينة دير البلح وسط القطاع، في مكان ضيّق مكتظ بالنازحين. يروي عمر: "لولا النزوح، ما كان ممكن نلتقي. الحرب فرّقتنا عن بيوتنا، لكنها جمعتنا ببعض".

يردف: "بدايتنا لم تكن قصة علاقة تقليدية، بل أحاديث طويلة عن الخوف، عن البيوت التي تركناها خلفنا، وعن ليالٍ مثقلة بالذكريات. استمر الحال على هذا النحو قرابة شهرين، بدأت خلالها أشعر أن سارة تفهمني وتسندني شيئًا فشيئًا، وأصبحت مصدر أمان لي".

تنظر سارة إلى عمر وتبتسم على خجل، قائلة: "كنا نحكي لنخفف عن بعض، ما كان هناك خطط مسبقة، لكن فجأة صار في حد يسمعك ويفهمك. حد بحس حالي أقدر أركن عليه".

ولم تتوقع لينا كريمة (21 عامًا) أن تبدأ قصتها في مكان مثقل بالألم مثل مستشفى شهداء الأقصى وسط القطاع، كونها كانت متطوعة ضمن الطواقم الطبية المساندة. هناك التقت بخطيبها للمرة الأولى في ممرات مزدحمة بالجرحى والقلق. تشرح: "تعرفت على خطيبي أيهم في المستشفى ونحن نتطوع. لم يكن هناك وقت للتعارف الطويل أو التردد، كنا سريعين بكل التفاصيل والإجراءات، خوفًا من الحرب والموت".

وتتابع: "كنا نشعر أن الموت قريب، وهذا جعلنا نكون واضحين مع بعض من البداية، بدون وقت طويل ولا حسابات".

وبينما فقد زين الوادية (28 عامًا) منزله بالكامل شمال قطاع غزة، وتحول شقا عمره إلى ركام تحت قصف الطائرات، اضطر للنزوح إلى جنوب القطاع، حيث التقى بآية خلال عمله في منظمة أطباء بلا حدود. وكان اللقاء نقطة تحول في حياته.

يستعيد الوادية لحظات الضياع الأولى: "عندما تفقد بيتك، تشعر أنك فقدت هويتك وجذورك، لكن لقائي بأية غيّر كل شيء. كنا نجلس ونتحدث لساعات، لا عن الواقع المرير فحسب، بل عن ذكرياتنا القديمة وأحلامنا المؤجلة. وفجأة، وسط تلك الأحاديث، أصبحت أرى فيها السند".

اللقاء بينهما لم يكن مجرد صدفة، بل أصبح مساحة لترميم نفسي. فالعلاقة هنا لم تكن ترفًا، بل قرارًا بالاستمرار رغم انعدام المقومات المادية، وتجسيدًا لفعل صمود يومي.

تتابع آية حديثها: "البيت قد يُبنى من جديد، لكن الروح إذا انكسرت يصعب جبرها. علاقتنا كانت الجبر لقلوبنا. اليوم اهتماماتنا تغيرت، وخاصة في الارتباط؛ صار هدفنا أن نجد الشخص الصحيح الذي يهون كل شيء معنا، وكل شيء آخر يأتي بعد ذلك إذا كان الاختيار صحيحًا".

إذا كان زين وآية قد وجدا في العلاقة مساحة لترميم الروح بعد فقدان المكان، فإن الحرب لم تغيّر فقط دوافع الارتباط، بل أعادت أيضًا صياغة معايير الاختيار نفسها. بعد أن سقطت البيوت وتساوت الإمكانيات، لم يعد السؤال: ماذا نملك؟ بل: من يستطيع أن يصمد معنا؟

ولم تكن يارا اليازجي (24 عامًا) تتخيل أن الحرب ستعيد ترتيب أولوياتها بهذا الشكل الجذري. قبلها كانت الأسئلة المعتادة تحكم أي علاقة محتملة: أين يسكن؟ ماذا يعمل؟ هل يستطيع تأمين مستقبل مستقر؟

لكن الحرب، التي سحبت الأرض من تحت الجميع، أعادت تعريف معنى "المستقبل" ذاته. فالتقت يارا بيحيى (27 عامًا) خلال إحدى المبادرات التطوعية لدعم النازحين. لم يكن اللقاء محاطًا بإعجاب فوري أو وعود كبيرة، بل بالتخفيف النفسي عن كلاهما.

تقول اليازجي: "ما شدّني ليحيى ليس أي شيء مادي، لأنه ببساطة لا يوجد شيء مادي نتمسك به خلال الحرب؛ كل شيء ذهب. شدّني أنه يعرف يسمع، ويعرف أن يظل واقفًا حتى وهو مكسور".

أما يحيى، فيعترف أن الحرب بدّلت نظرته للاختيار بالكامل، ويضيف: "زمان كنت أفكر كيف أبني بيت، اليوم صرت أفكر مع من أقدر أن أكمل إذا انهدم كل شيء. يارا فهمت وجعي من غير شرح طويل، وهذا كان كافيًا".

ومن منظور نفسي، توضح الأخصائية النفسية والاجتماعية أن العلاقات العاطفية الجديدة بعد الحرب قد تساعد في التخفيف من آثار الصدمة عبر توفير الاحتواء والدعم العاطفي، وتقليل الشعور بالعزلة والخوف.

وتضيف أن الحرب أعادت صياغة معايير الاختيار في غزة من منظور نفسي واجتماعي، حيث يتحول الارتباط بعد الصدمة إلى أداة للبقاء النفسي والاجتماعي، تسهم في استعادة الأمل والكرامة في واقع شديد القسوة.