في ملعب فلسطين وسط مدينة غزة، يتجمع لاعبو فريق كرة قدم في دائرة صغيرة قبل بدء التمرين. قمصانهم البيضاء موحّدة، وعكازاتهم المعدنية تستند إلى أجساد أنهكتها الحرب، بينما تحاصر الملعب مبانٍ مدمّرة بنوافذ خاوية وجدران مثقوبة بالشظايا، كشاهد دائم على واقع لم يغادره القصف. المشهد لا يشبه تدريبًا رياضيًا بقدر ما يبدو محاولة للتمسك بما تبقّى من حياة طبيعية وسط الخراب.

الملعب، وهو من المساحات القليلة الصالحة للاستخدام في غزة، تحوّل إلى نقطة التقاء نادرة لهؤلاء اللاعبين، الذين يجتمعون مرة واحدة أسبوعيًا في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الرياضة. لا مدرجات، ولا غرف تبديل، ولا تجهيزات كافية، بل أرضية صناعية متآكلة، وأدوات تدريب محدودة، وصمت ثقيل تقطعه أحيانًا أصوات الطائرات أو الانفجارات البعيدة.

يعتمد اللاعبون على عكازاتهم بوصفها جزءًا من اللعبة نفسها، لا مجرد وسيلة للحركة. هنا لا مكان للحديث عن بطولات أو نتائج، إذ ينصبّ التركيز على الحضور ذاته: التمرير، الجري بما تسمح به الأجساد، واستعادة إحساس قديم بالقدرة على الفعل رغم الفقد.

بالنسبة لهؤلاء اللاعبين، لا يُختصر التدريب في كونه نشاطًا رياضيًا، بل يتجاوز ذلك ليصبح فعل مقاومة يومي. مقاومة للعجز، ولذاكرة الإصابة، ولحرب أعادت تشكيل حياتهم وأجسادهم. في هذا الملعب المحاط بالدمار، تتحوّل كرة القدم إلى مساحة مؤقتة للبقاء، ونقطة بداية لحياة مختلفة تُدار بإرادة صلبة، حتى وإن لُعبت على عكازين.

في زاوية من الملعب، يقف اللاعب حسام أبو سلطان، يشرح كيف صارت تفاصيل الحياة اليومية أحيانًا أثقل من تمرين كرة القدم نفسها: "الأكل والشرب، تأمين احتياجات البيت… في زمن الحرب هذه العوائق باتت جزءًا من تدريبنا. نأتي إلى هنا رغم أن معظم ملاعبنا قد دُمّرت وتدمير الأدوات أعاقنا كثيرًا".

تُشكِّل عكازات أبو سلطان وأصدقائه رمزًا لحياتهم اليومية؛ هي ليست مجرد أداة تدريب، بل لغة مقاومة وأداة صمود. وبينما يشرع اللاعبون بالتدريب، يُذكّر مشهدهم بصعوبة الواقع في غزة: الملاعب المدمّرة، والعزل الطويل عن البطولات الخارجية، والانقطاع عن الجداول الرياضية المتعارف عليها.

في الجانب الآخر من الملعب، يشارك عبد الرحمن الخضري قصته بحرارةٍ أعمق، مستعيدًا زمن ما قبل الحرب: "كنت لاعب كرة القدم قبل الحرب. ثم جاءت الحرب وأخذت قدمي. أُصبت في 10 نوفمبر 2023 بعد قصف مستشفى الشفاء بقذيفة مباشرة. رغم ذلك، لم أنسَ حلمي".

حلمه أن يمثّل منتخب فلسطين لكرة القدم البتر في الخارج، مع أنه لم يتمكن مع الفريق من السفر إلى التصفيات المؤهلة لكأس العالم بسبب إغلاق المعابر والحصار.

يقول الخضري: "نتمرّن هنا بإمكانات بسيطة. نملك ملعبًا واحدًا فقط، ولا يوجد تدريب آخر. لكننا لا نستسلم – الإرادة تهدّ الجبال".

بعيدًا عن لاعبي الميدان، تأتي صرخات المنظّمين والمسؤولين الرياضيين في غزة لنفس القضية: الرياضة ليست ترفًا، بل ضرورة إنسانية وثقافية. يقول مصطفى صيام منسّق مركز تدريب كرة القدم في قطاع غزة الذي افتتحه الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، إن ما يجري في غزة منذ اندلاع الحرب شكّل ضربة قاسية للحياة الرياضية، لا تقل أثرًا عن بقية القطاعات الحيوية. فبحسب الاتحاد، أدى القصف الواسع وتدمير البنية التحتية إلى خروج معظم الملاعب والمنشآت الرياضية في القطاع عن الخدمة، وتعليق النشاط الكروي بشكل شبه كامل منذ أواخر عام 2023.

ويشير صيام إلى أنّ مئات اللاعبين، من مختلف الفئات العمرية، حُرموا من التدريب والمنافسة، فيما فقد آخرون أطرافهم أو حياتهم خلال الحرب، الأمر الذي جعل استمرارية أي نشاط رياضي تحديًا يوميًا. ورغم ذلك، يؤكد أن مبادرات مثل تدريبات فرق كرة القدم لذوي البتر في غزة تمثل "محاولة حقيقية للحفاظ على الحد الأدنى من الحياة الرياضية، وحق الفلسطينيين في الرياضة حتى في أكثر الظروف قسوة".

ويضيف صيام أن تعطّل السفر وإغلاق المعابر حال دون مشاركة الفِرق الفلسطينية، بما فيها فرق كرة القدم البتر، في بطولات إقليمية ودولية كانت مقررة خلال عامي 2024 و2025، ما عمّق عزلة الرياضيين في غزة، وقطعهم عن مسارات التطور والتأهيل الخارجي.

قبل الحرب، كانت كرة القدم في غزة جزءًا من النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتاريخ السياسي في المنطقة منذ عشرات السنين؛ إلا أنه منذ أكتوبر 2023، شهدت الرياضة الفلسطينية تراجعًا وانقطاعًا شبه كامل للنشاط، بعد أن استُهدفت المنشآت الرياضية بشكل أثر على الحياة الرياضية بأكملها. 

أثناء النزاع، عُلّق الدوري المحلي، وتوقّف النشاط الرياضي في غزة لأكثر من عامين، بينما أكثر من 1,000 رياضي قُتلوا، منهم لاعبو ومدربون وكوادر، مما مثل ضربة قاسية لقطاعٍ كان يعتبر الرياضة فيه متنفسًا ورافدًا اجتماعيًا. 

في ديسمبر 2025، حاول الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم إعادة الحراك الرياضي بإطلاق مركز تدريب في غزة بدعم من اتحادات دولية، لتدريب الأطفال والشباب، وكخطوة رمزية لاستعادة الحياة الرياضية حتى في ظلّ الحرب. 

بالرغم من الدمار والنزوح وفقدان الحياة اليومية الطبيعية، يستمر الرياضيون في غزة باعتناق الرياضة كرسالة أمل. يؤمنون أن كل تمرين، مهما كان بسيطًا، هو مقاومة صغيرة للدمار والحرمان، ويذكّرون العالم بأن الرياضة، لا سيما كرة القدم هنا، تحمل أكثر من مجرد لعبة: إنها لغة إنسانية تتحدى الحرب وتؤكد الوجود.