فرضت الحرب في قطاع غزة على مئات آلاف النساء والفتيات العودة إلى الغسيل اليدوي، بعد انهيار شبكات الكهرباء وتعطل الغسالات. وبينما انشغلت الأسر بتأمين المياه والطعام والعلاج، أصبح هذا العمل اليومي الشاق تحول إلى عبء إضافي يعرّض النساء لمخاطر صحية متزايدة.
على امتداد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب في غزة، كانت ولا تزال أجساد النساء والأمهات البديل الحي لكل آلات العصر؛ إذ يقضين ساعاتٍ طوالًا منحنيات فوق أحواض بلاستيكية بدائية أو أوعية صغيرة، يدعكن ملابس العائلة بالمياه الشحيحة. وخلال هذه السنوات، تجاوز الغسيل اليدوي كونه عملًا شاقًا ومجهدًا، إذ إن التعرض القسري والمطول للمواد الكيميائية الموجودة في مساحيق الغسيل، إلى جانب المياه الملوثة، يُشكِّل استنزافًا إضافيًا لصحة النساء وأجسادهنّ.
خطر المساحيق غير المخصصة للغسيل اليدوي
في الظروف الطبيعية، صُممت مساحيق الغسالات الآلية أو المركبات الكيميائية التجارية لتؤدي دورها داخل الآلة، معتمدة على تقنيات إزالة الدهون وإنتاج رغوة كثيفة بمساعدة الحرارة والتقليب الميكانيكي. لكن في حالة الغسل اليدوي، تؤدي الملامسة المباشرة وطويلة الأمد للمواد الفعالة داخل تلك المساحيق (مثل كبريتات لوريل الصوديوم وغيرها من المُذيبات) إلى تدمير الطبقة الدهنية الواقية للجلد، وإضعاف حاجز البشرة الطبيعي.
وتشير المعلومات الطبية إلى أن التعرض المتكرر للمنظفات القوية يسبب تآكلًا تدريجيًا لخلايا الجلد، وهو ما يؤدي إلى الإصابة بحالات التهاب الجلد التلامسي والإكزيما الحادة، وتبدأ الأعراض بحكة شديدة واحمرار، وتتطور بمرور الوقت إلى تشققات مؤلمة وجروح مفتوحة، إذ تفقد الأنسجة مناعتها. وحين يتكرر هذا الاستنزاف يومًا بعد يوم دون توقف، تتحول أيدي النساء إلى مساحات ملتهبة تتداخل فيها آلام الحروق الكيميائية مع الإنهاك البدني في استنزاف صحي صامت لا يقل قسوة عن أثقال الحرب ذاتها.
يقترن خطر الغسيل اليدوي القسري باستخدام المساحيق المخصصة للغسالات الآلية، لكن يتضاعف الخطر في حال كانت المياه المستعملة للغسيل ملوثة. وفي غزة، بفعل شح المياه وانهيار الشبكات وتدمير محطات التحلية، تضطر النساء في الغالب لاستخدام مياه آبار أو مياه معقمة بنسب عالية جدًا من الكلور والمركبات المعقِّمة الأخرى، لمواجهة التلوث والأمراض.
وتكمن الخطورة حين يتداخل الكلور الحر الموجود في الماء مع المواد القوية والتركيبات الكيميائية للمساحيق غير المخصصة للغسيل اليدوي، أو مع المساحيق المصنوعة محليًا في ورش غير مرخصة وبدون رقابة، تحدث تفاعلات خطيرة، إذ تعتمد هذه المساحيق المحلية المصنوعة بطرق بدائية على أحماض مركزة ومواد مجهولة المصدر لتعويض نقص الجودة، وينتج عن ذلك:
أبخرة سامة تهيّج الجهاز التنفسي: يتصاعد غاز الكلور والأبخرة الكيميائية الناتجة عن التفاعل مباشرة في وجوه النساء وهنّ منحنيات فوق أحواض الغسيل لساعات، مسببة تهيجًا حادًا في الأغشية المخاطية، نوبات سعال مزمنة، وتفاقم أمراض الجهاز التنفسي كالربو.
تآكل الأنسجة وتلف الموارد: تمتدّ أضرار هذه المساحيق إلى تلف الملابس، الشحيحة أصلاً؛ فتتآكل الأنسجة وتتمزق مبكرًا عن عمرها الافتراضي، لتجد العائلة نفسها مجبرة على شراء بدائل للملابس المهترئة بسبب المساحيق والكلور والغسل اليدوي لها.
نصائح للحدّ من الأضرار
في ظل عدم توفر البدائل، واستمرار الظروف القسرية ذاتها، هذه بعض التدابير الوقائية البسيطة التي تساهم في الحد من الإصابات الجلدية والتنفسية:
العزل الجسدي المؤقت: ارتداء أية قفازات بلاستيكية متاحة، أو حتى تغليف الأيدي بأكياس نايلون وإغلاقها بأشرطة مطاطية أثناء عملية الغسيل والدعك والعصر. هذا كفيل بمنع ملامسة المساحيق الحارقة للجلد ويحمي الطبقة الدهنية الواقية من التآكل المباشر.
الترطيب الفوري بعد الغسيل: استخدام أية زيوت منزلية متاحة (مثل زيت الزيتون) وتدليك الأيدي بها فور الانتهاء من الغسيل وجفافها، لترميم التشققات وإغلاق المسام المتضررة، إذا لم تتوفر الكريمات الطبية والمرطّبات المخصصة.
التهوية الجيدة: تجنبي تمامًا الانحناء فوق الأحواض في الأماكن المغلقة أو الضيقة خلال عملية الغسيل؛ وإتمام هذه المهمة في أماكن جيدة التهوية، أو في الهواء الطلق، لتقليل تركيز الأبخرة السامة المتصاعدة ومنع استنشاقها المباشر.
التخفيف والتخلّص من بقايا المسحوق في الملابس: غسل الملابس بالمياه النظيفة قدر الإمكان في مرحلة الشطف الأخيرة، لتقليل ترسبات الأحماض والمواد الكيميائية على الأنسجة التي تلامس بشرة الأطفال وأجساد العائلة طوال اليوم.
وفي حال حدوث حروق كيميائية أو تهيج جلدي، اغسلي المنطقة فورًا بماء جارٍ فاتر، بغزارة لمدة 15 دقيقة دون فرك، وتجنبي المواد الدهنية. أما في حالة التعرض لتهيج تنفسي جراء الأبخرة، انتقلي فورًا إلى مكان فيه تهوية جيدة، ويمكن استنشاق بخار الماء الدافئ لتهدئة الأغشية المخاطية المتضررة.
هذه الإرشادات ربما تساهم ولو بالحد الأدنى بالتخفيف من وطأة المخاطر التي يتسبب بها الغسيل اليدوي على صحة النساء. ومن المهم التذكير بأن إجبار النساء على خوض هذه المعارك البدنية والصحية اليومية ليس صمودًا أو بطولة يُحتفى بها، كما يُروَّج أحيانًا، فهو قهر قسري واستنزاف بطيء لطاقاتهن وأجسادهن في بيئات معدومة المقومات. فبين أحواض الغسيل البدائية، والمساحيق الكيميائية الحارقة، ومياه الآبار المشبعة بالكلور، تدفع نساء غزة، ومثلهن من النساء اللاتي يعِشن الظروف ذاتها في مناطق النزاع، أثمانًا مضاعفة من صحتهنّ مقابل أبسط حقوق البقاء.
وإن هذا الاستنزاف المستمر يفرض على المنظمات الإنسانية والإغاثية تحركًا عاجلًا يتجاوز تقديم المساعدات الغذائية التقليدية، لتكون هناك جهود جادة وفاعلة لإعادة إحياء وإعمار شبكات الكهرباء، وهي السبب الجذري للمشكلة، وإلى حين حلّها، يجب توفير مستلزمات النظافة الآمنة، والمساحيق المخصصة للغسيل اليدوي، ووسائل الحماية الأساسية، لرفع هذا العبء الثقيل عن كاهل النساء، وحمايتهنّ.