لم يكن محمود الأدهمي (29 عامًا)، وهو أب لثلاثة أطفال، يتوقع أن تنتهي يومية عمله في إزالة الركام بإصابة تبعده عن العمل مدة شهرين، وتتركه في مواجهة تكاليف العلاج وفقدان مصدر دخله. ففي أغسطس الماضي، وبينما كان يعمل في تكسير الخرسانة وإزالة ركام مبنى مدمّر، سقطت قطعة من السقف على ساقه اليمنى، وأصابته شظايا في كتفه.
من السابعة صباحًا حتى السابعة مساءً، كان الأدهمي يقضي يومه بين الركام، عاملًا لدى مقاول فرعي مقابل 70 شيكلًا يوميًا، بموجب اتفاق شفهي، ومن دون معدات حماية مناسبة. لكن الإصابة، بحسب روايته، غيّرت كل شيء؛ فلم يعد قادرًا على مواصلة العمل، ولا يزال يتلقى العلاج حتى الآن.
ثم جاءت توصية الطبيب بالتوقف عن العمل لتجنّب تفاقم الإصابة، فانقطع الدخل الذي كان يعيل به أطفاله الثلاثة. ولم تقف خسارته عند الأجر؛ إذ اضطر إلى مراجعة طبيب في عيادته الخاصة على نفقته، في ظل صعوبة الحصول على العلاج الذي يحتاج إليه في المستشفيات الحكومية، وتحمّل تكاليف الكشفية والعلاج والمواصلات.
وحين حلّ موعد الحساب لم يجد الأدهمي أجرًا ينتظره؛ فقد كان يتقاضى أجره كل أسبوعين، لكنه أُصيب قبل موعد قبضه، فلم يحصل على مستحقاته عن الأيام التي عملها. وبعد إصابته، حاول التواصل مع المقاول للمطالبة بأجره والمساعدة في تكاليف العلاج، لكنه لم يتلقَّ، بحسب روايته، أي مبلغ حتى الآن، فيما يتهرب المقاول من الدفع مستندًا إلى عدم وجود اتفاق مكتوب بينهما.
أجرٌ منقوص
وعلى الطرف الآخر، لا يحتاج عامل المياومة إلى إصابة تعطّل حياته حتى يخسر حقه؛ فبالنسبة إلى بلال محمد (34 عامًا)، بدأت المعاناة عندما انتهى أسبوع العمل وحان موعد قبض الأجر.
ستة أيام قضاها بلال في تحميل البضائع وتنزيلها وترتيبها داخل مستودع لتجارة المواد الغذائية، وكان يبدأ عمله عند السادسة صباحًا، وقد يستمر حتى المساء إذا تأخرت الشاحنات، مقابل أجر يومي اتفق عليه شفهيًا مع التاجر، قدره 80 شيكلًا، لكن عندما جاء موعد الحساب، لم يحصل على المبلغ الذي انتظره طوال الأسبوع.
تحت أشعة الشمس وخلال ساعات عمل طويلة، كان بلال يحمل أكياس الطحين والسكر، التي يصل وزن الواحد منها إلى 50 كيلوغرامًا، وينقلها من الشاحنات إلى المستودع، وأحيانًا عبر الدرج. وكان الاتفاق، بحسب روايته، أن يتقاضى أجره مساء الخميس عن أيام العمل التي أنجزها.
ومع انتهاء العمل، توجّه بلال مع عاملين آخرين إلى التاجر مطالبين بأجر ستة أيام، أي 480 شيكلًا لكل واحد منهم، إلا أن التاجر دفع لكل منهم 200 شيكل فقط. وعندما سألوه عن المبلغ المتبقي، برّر ذلك بضعف حركة السوق وعدم بيع البضاعة.
ولم تنتهِ المشكلة عند هذا الحد؛ إذ عاد بلال، بحسب روايته، مع أحد زملائه إلى المستودع يوم السبت للمطالبة ببقية الأجر، لكن التاجر أنكر الاتفاق على اليومية، وادّعى أنه خصم تكاليف الطعام والشراب، كما هدّدهما إذا واصلا المطالبة بحقوقهما.
ولا يملك بلال عقد عمل مكتوبًا، لكنه يمتلك، بحسب إفادته، رسائل عبر واتساب تتضمن موقع المستودع وطلبات الحضور عند وصول الشاحنات، إلى جانب سجلات اتصالات وشاهدين عملا معه خلال الأيام نفسها.
وحاول بلال، بحسب إفادته، اللجوء إلى مكتب العمل للاستفسار عن تقديم شكوى، لكنه شعر بأن غياب العقد والبيانات الرسمية للمنشأة سيصعّب عليه إثبات حقه. وعاد من دون أن يسترد بقية أجره، فيما تتراكم عليه الديون التي يلجأ إليها لتغطية احتياجات أسرته.

وإذا كان بلال يواجه صعوبة في تحصيل أجره بعد إنكار الاتفاق معه، فإن ربا كميل تواجه شكلًا آخر من هشاشة العمل اليومي؛ إذ تقول إن الخصومات المتكررة تقلّص أجرها، فيما تضطر إلى الوقوف لساعات طويلة داخل محل لبيع الملابس والأحذية النسائية، خشية خسارة مصدر دخلها.
في الخامسة والعشرين من عمرها، وجدت كميل نفسها تعمل في مجال المبيعات، رغم حصولها على دبلوم في السكرتاريا وإدارة المكاتب، وعدم تمكّنها من العثور على وظيفة في تخصصها.
وتعمل في محل يقع في حي الرمال وسط مدينة غزة، مقابل 40 شيكلًا يوميًا، بموجب اتفاق شفهي مع صاحب المحل، ويبدأ دوامها عند التاسعة صباحًا وينتهي عند السابعة مساءً، وقد يمتد في مواسم البيع أو عند وصول بضاعة جديدة حتى الثامنة والنصف أو التاسعة ليلًا، من دون أجر إضافي، وفق روايتها.
لا مكان للجلوس، ولا فرصة كافية للاستراحة طوال ساعات العمل. هكذا يمضي يوم كميل، بحسب روايتها، بين ترتيب الرفوف وحمل صناديق البضائع وأكياس الملابس وتنظيف واجهات المحل والشارع أمامه. أما تناول الطعام وأداء الصلاة، فتضطر إلى تدبيرهما خلال فترات قصيرة بين الزبائن، فيما تلجأ أحيانًا إلى المحال المجاورة لاستخدام مرافقها الصحية، لعدم وجود حمام خاص بالعاملات في مكان العمل.
ثم تأتي الخصومات؛ فصاحب المحل، بحسب روايتها، يخصم من يوميتها عشرة شواكل إذا كانت حركة السوق غير نشطة، كما يحمّلها ثمن بعض قطع الملابس التي تتسخ أثناء قياسها أو تتضرر، محتسبًا قيمتها بسعر البيع.
في أحد الأسابيع عملت كميل سبعة أيام، وكان من المفترض أن تحصل على 280 شيكلًا، لكنها تسلّمت 180 شيكلًا فقط. وعندما سألت عن المبلغ المتبقي، برّر صاحب المحل الخصومات، بحسب روايتها، بوجود عجز في الجرد، إلى جانب خصم ساعات تأخير، رغم أن التأخير الذي تشير إليه لم يتجاوز ربع ساعة في أحد الأيام، بعد أن تأخرت في الطريق.
أما اللجوء إلى الجهات المختصة، فتتردد كميل في الإقدام عليه بسبب غياب العقد المكتوب، وخشيتها من خسارة عملها والتأثير في فرص توظيفها مستقبلًا؛ إذ ترى أن حاجتها إلى الدخل تجعل الاعتراض على ظروف العمل والخصومات مخاطرة يصعب عليها تحمّلها.
وتختلف تفاصيل ما يواجهه محمود وبلال وربا، لكن الحالات الثلاث تلتقي عند نقطة واحدة: علاقات عمل لا تستند إلى اتفاقات مكتوبة تحفظ الحقوق، ما يترك العمال في مواجهة أصحاب العمل عند وقوع الخلاف. لكن إلى أي مدى يستطيع العامل إثبات حقه عندما يكون الاتفاق شفهيًا؟ وما الذي تفعله الجهات المعنية عندما لا يُدفع الأجر أو تقع إصابة في مكان العمل؟
أرقام وشهادات
وتعكس المؤشرات حجم الأزمة التي يعمل في ظلها عمال المياومة في قطاع غزة؛ إذ تجاوز معدل البطالة في القطاع 80% خلال الربع الثاني من عام 2026، وفق تصريحات وزيرة العمل في الحكومة الفلسطينية في رام الله، إيناس العطاري.
وفي سياق منفصل، ذكرت وزارة العمل في قطاع غزة، في بيان صدر في 30 أبريل/نيسان الماضي، أن أكثر من 250 ألف عامل فقدوا وظائفهم في القطاع بشكل دائم.
وفي محاولة لفهم واقع حماية عمال المياومة في قطاع غزة، يوضح رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في المحافظات الجنوبية، طارق الهندي، أن الحرب وتدمير المنشآت الاقتصادية وتعطّل سلاسل الإنتاج والتوريد فاقمت المخاطر التي يواجهها العمال، بما في ذلك عدم دفع الأجور أو تأخيرها، وغياب إجراءات السلامة المهنية، وعدم تعويض المصابين عن الأضرار التي تلحق بهم أثناء العمل.
وفي مواجهة حجة غياب العقد المكتوب التي يتمسك بها المقاول، يرى الهندي أن هذا الغياب لا يعني بالضرورة سقوط حق العامل في أجره، مشيرًا إلى إمكانية الاستعانة بالرسائل وسجلات الاتصال وشهادات الشهود وغيرها من الأدلة والقرائن لإثبات علاقة العمل.
وعن القضايا التي تابعها الاتحاد، أفاد الهندي بأنه جرى حل 38 شكوى خلال أكتوبر 2026، تخص عاملين مفصولين من شركة الاتصالات "جوال"، وقال إنهم حصلوا على حقوقهم وفق قانون العمل الفلسطيني.
وفي سجل الاتحاد قضايا أخرى انتهت بإعادة الحقوق إلى أصحابها؛ فقد تابع الهندي خلال يونيو ويوليو 2026 خمس قضايا لعمال حصلوا على فرص عمل عبر صندوق التشغيل الفلسطيني، وتمكن الاتحاد، بالتعاون مع الصندوق، من حلها وإعادة حقوق العمال.
الحماية القانونية
من الناحية القانونية، يوضح المحامي حماد ضهير أن قانون العمل الفلسطيني لا يعرّف "عامل المياومة" بوصفه فئة مستقلة، ولا يفرد لهذه الفئة نظامًا قانونيًا قائمًا بذاته لمجرد تقاضيها الأجر يوميًا.
وعلى صعيد القضاء، فإنه اعتمد، بحسب ضهير، مبدأ احتساب سنوات العمل عند تحديد حقوق العامل، بغض النظر عن عدد أيام العمل في الشهر.
وأمام غياب العقد المكتوب، تقف المادة (24) من قانون العمل الفلسطيني، بحسب ضهير، إلى جانب العامل؛ إذ تجيز إبرام عقد العمل شفهيًا، ما يعني أن غياب العقد المكتوب لا ينفي، بحد ذاته، وجود علاقة عمل، فيما يمكن إثبات الحقوق بوسائل الإثبات القانونية، ومنها الشهود والرسائل، وفقًا للمادة (28) من القانون.
وإذا امتنع صاحب العمل عن دفع الأجر، فأمام العامل، وفق الإجراءات القانونية، طريق الشكوى إلى وزارة العمل والمطالبة بالتسوية، أو اللجوء إلى المحكمة المختصة إذا لم يُتوصَّل إلى اتفاق. وبحسب عرض ضهير للنصوص القانونية ذات الصلة، فإن الدعاوى العمالية، ومنها دعاوى الأجور، معفاة من الرسوم القضائية وفق المادة (4).
أما في حالات الإصابة، كما حدث مع الأدهمي، فتنظّم المواد (116–120) من قانون العمل، بحسب ضهير، حقوقًا تتعلق بالعلاج والتعويض عن العجز المؤقت أو الدائم والوفاة، وفق الشروط القانونية.
وتنص المادة (119) من القانون على أنه: "إذا حالت إصابة العمل دون أداء العامل لعمله يستحق العامل 75% من أجره اليومي عند وقوع الإصابة طيلة عجزه المؤقت بما لا يتجاوز 180 يومًا".
ولا يسقط عدم وجود عقد مكتوب أو تأمين حقوق العامل تلقائيًا، وفق ضهير، غير أن عليه، كما يشدد، أن يثبت علاقة العمل ووقوع الإصابة أثناءه والأجر ونسبة العجز، بحسب طبيعة المطالبة، وأن يحتفظ بالتقارير الطبية والشهادات وسائر الأدلة المتاحة.
ولا تقتصر العقبات، وفق ضهير، على إثبات الحقوق؛ إذ تشمل تضرر المؤسسات وأماكن العمل، وفقدان الوثائق، والنزوح، وصعوبة الوصول إلى القضاء، وضعف القدرة المالية لبعض أصحاب العمل، والخشية من فقدان فرص العمل. ويشير أيضًا إلى صعوبات تتعلق بتنفيذ الأحكام في غزة في ظل الظروف الراهنة.
وللخروج من هذه العقبات، يرى ضهير أن الأمر يتطلب تسهيل إجراءات الشكاوى، وتوفير المساعدة القانونية، وتعزيز الرقابة على مواقع العمل الخطرة، إلى جانب وضع لوائح تراعي الظروف الحالية وتنظم أوضاع عمال المياومة وتحمي حقوقهم.
وفي إطار استكمال حق الرد، تواصلت "آخر قصة" مع وزارة العمل في قطاع غزة، خلال الفترة من الخميس 22 أكتوبر حتى الأحد 25 أكتوبر 2026، للاستفسار عن آليات تلقي شكاوى عمال المياومة، والإجراءات المتاحة لاسترداد الأجور غير المدفوعة، وكيفية التعامل مع إصابات العمل في ظل غياب العقود المكتوبة أو التأمين، إضافة إلى دور الوزارة في الرقابة على مواقع العمل الخطرة. ولم تتلقَّ المنصة ردًا من الوزارة حتى موعد نشر هذا التقرير.
وبينما يواصل عمال المياومة في قطاع غزة العمل من دون ضمانات واضحة تحمي أجورهم وسلامتهم، يبقى السؤال: ما الآليات التي تملكها وزارة العمل لمتابعة الشكاوى، وإلزام أصحاب العمل بدفع المستحقات، وضمان حقوق العمال المصابين؟
ففي ظلّ اتساع العمل القائم على الاتفاقات الشفهية، لا تكفي معرفة العامل بحقوقه إذا عجز عن إثباتها أو الوصول إلى جهة تنصفه. فمن يحمي العامل حين يُنكر أجره، ومن يضمن ألا تتحول إصابته إلى خسارة لمصدر رزقه وحقه معًا؟