يقف عائد البطنيجي (50 عامًا) إلى جوار ما تبقى من مواشيه، يتفقد خروفًا ونعجتين حاملتين، في حي الزيتون شرق مدينة غزة. بدأ تربية المواشي عام 2000، وكانت مصدر رزقه الأساسي، وامتلك مزرعتين تمتدان على مساحة 4000 متر مربع. لكن الحرب الإسرائيلية دفعته إلى النزوح رفقة 87 عجلًا و350 خروفًا، ومع تكرار عمليات النزوح وصعوبة توفير الأعلاف والأدوية والرعاية، نفق جزء من القطيع واضطر إلى بيع جزء آخر، حتى لم يتبقَّ لديه سوى عدد قليل يضعها لدى أحد أصدقائه.
يقول البطنيجي: "اليوم كل شيء بات أكثر صعوبة، الغلاء يزداد من كل النواحي". فتكلفة الأعلاف ارتفعت، والأدوية والإبر البيطرية غير متوفرة، حتى بات عاجزًا عن تربية خمسة خرفان معًا. ويقول إن قيمة المواشي القليلة التي يربيها حاليًا تبلغ نحو 16 ألف شيكل، وهو المبلغ الذي كان يستطيع قبل الحرب شراء 120 رأس غنم به، ما يعكس، بحسبه، حجم الارتفاع في أسعار المواشي.
ولا يرى مربي المواشي البطنيجي أن المشكلة تقتصر على كلفة التربية؛ فغياب التحصينات والأدوية يهدد ما تبقى من قطيعه بالنفوق. ويقول إنه حاول التواصل مع المؤسسات المعنية للحصول على دعم يساعده في مواصلة تربية المواشي، لكن من دون جدوى، مؤكدًا أن المربين يحتاجون إلى إدخال المواشي إلى غزة حتى يتمكنوا من مواصلة مهنتهم التي لا يعرفون غيرها.
بالنسبة إلى البطنيجي، لم تعد العودة إلى تربية المواشي مرتبطة بامتلاك القطيع وحده، بل بالقدرة على توفير ما يحميه من المرض ويضمن استمرار إنتاجه. وبين قطيع فقد معظمه ومواشٍ قليلة يحاول إبقاءها على قيد الحياة، يخشى أن يخسر ما تبقى إذا استمر غياب الأدوية والتحصينات.
قطيع يتقلص
ما يواجهه البطنيجي لا يتوقف عند حدود مزرعته؛ يشتكي مربو المواشي من أنّ كلفة التربية ترتفع، والقطعان تتقلص، فيما تهدد الأمراض ما تبقى منها في ظل شح الأدوية والتحصينات البيطرية. في النصيرات، كان عبد الرحمن أبو زور (45 عامًا) يدير مزرعتين، تضم كل منهما نحو 250 رأسًا، ولم يتبقَّ لديه اليوم سوى سبعة رؤوس من الخراف والجديان والحملان.
يقول أبو زور إن سعر الرأس الواحد الذي كان يتراوح قبل الحرب بين 1500 و2200 شيكل، ويكلف إطعامه نحو 150 شيكلًا، يصل اليوم إلى 20 ألف شيكل، فيما تجاوزت تكلفة إطعامه 1500 شيكل شهريًا. ويضيف: "تضاعف سعر الماشية بالعموم بكل الأنواع بشكل مهول، وهذا كله جعل السير في طريق تربية الماشية صعبًا جدًا". ويؤكد أنه لم يحصل على أي مساعدة لمساندة ما تبقى لديه.
ولا يقتصر قلق أبو زور على الكلفة؛ إذ يقول إن الجدري والطاعون والتسمم المعوي من أبرز الأمراض المنتشرة حاليًا، وهي تحتاج إلى التطعيمات، بينما تُعالج أمراض أخرى بطرق بدائية بسبب شح الأدوية والمستلزمات البيطرية. ويضع ذلك المربين أمام خطر خسارة ما تبقى من قطعانهم، حتى بعد أن نجا بعضها من آثار الحرب.
حين تصبح العودة مكلفة
أما أنور أبو جزر، فقد انتهت علاقته بمزرعته في خانيونس جنوبي القطاع؛ فقدها ونفقت مواشيه، وبقيت الديون التي ترتبت عليه من دون سداد، ليجد نفسه عاطلًا عن العمل قبل أن يبدأ بيع الخضروات على بسطة صغيرة.
فكر أبو جزر في العودة إلى مهنته، لكنه تراجع بعدما حسب كلفة شراء المواشي والأعلاف والعلاج، فوجدها تفوق قدرته. يقول: "فكرت أن أجلب عددًا من المواشي وأربيها وأعود إلى مهنتي التي أعرفها، لكن غلاء سعر رأس الماشية، سواء خراف أو غيرها، جعلني أتراجع، عدا عن ارتفاع سعر الأعلاف وانعدام الأدوية كلها بلا استثناء. حسبت تكلفة التربية فوجدتها مضاعفة، ففضلت أن أفتتح بسطة لبيع الخضروات".
خسر أبو جزر مع مزرعته الماشية ورأس المال والمهنة التي عرفها لسنوات، وحين حاول التفكير في استعادة نشاطه اصطدم بكلفة العودة، فاختار بيع الخضروات بحثًا عن مصدر دخل بديل.

دعم محدود
في المقابل، لا يبدو الدعم المتاح للمربين متناسبًا مع حجم الخسائر التي لحقت بالقطاع. يقول عضو الغرفة التجارية حسام الحويطي إن الغرفة تولي أهمية لمربي المواشي، وإنها قدمت دعمًا لعدد محدود من أصحاب المشاريع الصغيرة، شمل جلب بعض الحيوانات لهم لتربيتها إلى جانب ما لديهم، لكنه يقر بأن أعداد المربين كبيرة ولا يمكن تغطية الجميع.
ويرى الحويطي أن ما يحتاجه القطاع الحيواني الآن هو إدخال المواشي بمختلف أنواعها إلى غزة، للبدء في إعادة بناء القطاع المدمر.
كما يؤكد أن الغرفة التجارية تواصل متابعة أوضاع القطاع الزراعي ومربي المواشي، وترصد أبرز التحديات التي تواجههم، بهدف المساهمة في توفير قاعدة معلوماتية موحدة ودقيقة تشمل أنواع الأنشطة، وأعداد المربين والحيوانات، وحجم الضرر، للتنسيق بين الجهات الحكومية والمنظمات الدولية والجهات الزراعية ومؤسسات القطاع الخاص.
لكن بناء قاعدة بيانات، رغم أهميته، لا يجيب وحده عن السؤال الأكثر إلحاحًا لدى المربين: ماذا يحدث للقطيع الذي بقي حيًا اليوم إذا استمر نقص الأعلاف والأدوية والتحصينات غدًا؟
فالقطاع لا يحتاج إلى المواشي وحدها، وإنما إلى منظومة كاملة تحافظ على قدرته الإنتاجية؛ من الأعلاف والحبوب ومستلزمات التربية، إلى الخدمات البيطرية والأدوية واللقاحات، ثم النقل والتسويق والبيع بالتجزئة والعمالة المرتبطة بالمزارع والحظائر.
ويشدد الحويطي على أن الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تكون لدعم المربين الحاليين الذين ما زالوا يمتلكون مقومات العمل، معتبرًا أن دعمهم أكثر فعالية من انتظار انهيار مشاريعهم بالكامل ثم إعادة إنشائها من الصفر.
ويضيف أن برامج توفير الأعلاف والمستلزمات البيطرية والدعم النقدي يمكن أن تسهم في الحفاظ على ما تبقى من القطاع.
استجابة محدودة
في 30 أبريل/نيسان 2026، أعلنت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي وحكومة أيرلندا، تقديم مساعدات نقدية مشروطة لأكثر من 2000 مربٍّ للماشية في غزة، إلى جانب دعم بيطري، في وقت تعاني فيه الأعلاف من الشح وارتفاع الأسعار، وتفتقر المواشي إلى الرعاية والمستلزمات البيطرية.
وبحسب المنظمة، نجت نحو 14,300 رأس من المجترات الصغيرة حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بما يعادل نحو ثلث أعداد الماعز و20% من الأغنام مقارنة بمستويات ما قبل الحرب. ويأتي هذا الدعم في قطاع فقد معظم قدرته الإنتاجية، إذ كان القطاع الزراعي قبل الحرب يساهم بنحو11% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما بلغت مساهمة الثروة الحيوانية 575مليون دولار، بقيمة مضافة نحو 343 مليون دولار، ووفر القطاع نحو 500 ألف فرصة عمل بصورة كلية أو جزئية.
وخلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (أكتوبر 2023- الآن)، دُمّر نحو85% من قطاع الإنتاج الحيواني، وبلغت خسائر القطاع الزراعي 3.49 مليارات دولار، كان نحو 90% منها في القطاع الحيواني، فيما دُمّرت نحو 5400 مزرعة لتربية الماشية و2300 مزرعة للدواجن، ونفقت نحو 69 ألف رأس ماشية، وفقًا للمختص الاقتصادي عمر صلوحة.
ولا تقف الخسائر عند أعداد المواشي أو الإنتاج، بل تمتد إلى الدخل وفرص العمل وسلاسل التوريد والخدمات البيطرية والأمن الغذائي، مع تراجع المعروض المحلي من اللحوم والحليب ومشتقاته. ويرى صلوحة أن التعافي يحتاج إلى خطة اقتصادية طويلة الأمد تستعيد الطاقة الإنتاجية للقطاع، وتخلق فرص العمل، وتقلل الاعتماد على الاستيراد، وتعيد للثروة الحيوانية جزءًا من دورها في الأمن الغذائي.

مَن يحمي ما تبقى؟
وتثير الأضرار التي لحقت بالمزارع والقطاع الحيواني مسؤولية الاحتلال تجاه السكان ومواردهم الغذائية وسبل عيشهم. وتحظر المادة 55 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف إحداث أضرار واسعة وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة الطبيعية، بما يمس صحة السكان أو بقاءهم، وتشمل الحماية مكوناتها البيولوجية، ومنها الحيوانات.
يؤكد مختصون أنّ تدمير المزارع والثروة الحيوانية في غزة أدى إلى إضعاف الإنتاج الغذائي وفقدان المربين مصادر دخلهم، وألحق أضرارًا مباشرة بمقومات الغذاء وسبل العيش. ويحمّل حجم هذا الدمار الاحتلال مسؤولية آثاره الاقتصادية والإنسانية، ويستدعي مساءلته عن تدمير القطاع وإضعاف قدرته على التعافي.
وهنا تتخذ الخسارة معناها الأوسع: فالمربي الذي فقد مزرعته لا يخسر حيواناته فقط، بل يخسر رأس ماله ومهنته ودخله، والسوق الذي فقد جزءًا كبيرًا من إنتاجه الحيواني يخسر مصدرًا محليًا للغذاء وفرص العمل وسلاسل التوريد المرتبطة به. أما إعادة بناء هذا القطاع، فلن تبدأ من شراء المواشي وحدها، بل من استعادة البيئة الاقتصادية والبيطرية التي تتيح للمربين الاحتفاظ بما تبقى وإعادة الإنتاج.
ويبقى السؤال الذي تفرضه هذه الخسائر: من يتحمل مسؤولية تدمير قطاع حيواني كان يشكل جزءًا من اقتصاد غزة وأمنها الغذائي، ومن يضمن ألا يتحول ما تبقى من القطعان إلى خسارة جديدة، فيما لا تزال مقومات حمايتها وإعادة إنتاجها غائبة؟