تجلس أسماء مطير (30 عامًا) أمام مرآة صغيرة مكسورة، ثبّتتها بشريط لاصق على عمود خشبي داخل خيمتها في مخيم للنازحين في حي النصر، غرب مدينة غزة. تنظر إلى وجهها للحظات، قبل أن تعود إلى يومها الذي يبدأ داخل الخيمة وينتهي فيها، بين حرارة الشمس، ودخان النار المستخدمة للطهي، ومياه شحيحة ومالحة لا تساعدها على العناية بشعرها وبشرتها كما كانت تفعل قبل الحرب.

أسماء، وهي أم لثلاثة أطفال، لم تكن تفكر في الطحين أو المياه عندما سألها أحد العاملين في الإغاثة عن أكثر ما تحتاج إليه. أجابت ببساطة: "أنا بدي مكياج".

لم تكن تقصد أنها تريد العودة إلى حياة طبيعية وكأن الحرب لم تحدث، بل كانت تتحدث عن شيء صغير اعتادت أن يكون جزءًا من يومها. كانت العناية ببشرتها وشعرها جزءًا من روتينها قبل الحرب؛ تضع أشياء بسيطة على وجهها، قبل أن تجعل الشمس والمياه وظروف المعيشة هذه التفاصيل أكثر صعوبة. فقد أثرت الشمس في بشرتها، وتأثر شعرها بظروف المعيشة والمياه، ولم تعد تملك الإمكانات نفسها التي كانت لديها سابقًا.

طلبها للمكياج لم يكن بحثًا عن مناسبة أو ترف، بل رغبة في أن ترى نفسها في المرآة كما كانت من قبل، لا أن ترى التعب والنزوح فقط.

في خيمتها، أصبحت المرآة الصغيرة واحدة من الأشياء القليلة التي تمنحها لحظة تتوقف فيها أمام نفسها. لكن الوجه الذي تراه فيها تغيّر مع شهور الحرب والنزوح: تعب يظهر في العينين، وبشرة تعرضت للشمس، وشعر تأثر بظروف الحياة اليومية.

تقول: "النساء لا يحتجن إلى الطعام والماء فقط، رغم أنهما في مقدمة الأولويات، بل يحتجن أيضًا إلى أشياء خاصة بهن، مثل الكريم والشامبو والعطر والمكياج؛ أشياء بسيطة، لكنها تمنح المرأة شعورًا بأنها ما زالت تحتفظ بجزء من نفسها".

ولم تكن المرآة وحدها التي تذكّر أسماء بما فقدته. فلكل امرأة تقريبًا تفصيل شخصي غاب عنها مع الحرب والنزوح، وقد يبدو هذا التفصيل عاديًا في الحياة اليومية، لكنه يحمل بالنسبة لصاحبته معنى يتجاوز قيمته المادية.

تفاصيل غائبة

بسملة الكفارنة (25 عامًا) تفتقد زجاجة عطرها المفضل. بالنسبة لها، لم يكن العطر مجرد رائحة تضعها قبل الخروج من المنزل، بل جزءًا من روتين اعتادت عليه، وتفصيلًا صغيرًا يمنحها شعورًا بالراحة والاهتمام بنفسها.

وسط روائح دخان الحطب والبلاستيك المحترق ورطوبة الشوادر، تفتقد بسملة رائحة عطرها؛ رشتان كانت تضعهما في الصباح على معصمها وياقة قميصها، فتشعر بالنظافة والاستعداد لبدء يومها.

ومع النزوح، تغيرت تفاصيل أخرى في حياتها، من طريقة غسل الملابس بالمياه المتاحة إلى صعوبة الحصول على مستحضرات العناية الشخصية. بالنسبة للكفارنة، العطر ليس مجرد كمالية، بل شيء يذكّرها بالفتاة التي كانت قبل الحرب، والتي كانت تهتم بتفاصيل حياتها.

لكن ما تفتقده النساء لا يرتبط دائمًا بمنتج محدد. أحيانًا يصبح الحصول على أبسط الاحتياجات الشخصية مؤجلًا أمام أعباء المعيشة وتكاليف النزوح.

أماني أبو هربيد (35 عامًا)، موظفة في مؤسسات المجتمع المدني، تعيش نازحة في شقة مستأجرة في حي تل الهوا جنوب المدينة. يذهب الجزء الأكبر من دخل الأسرة إلى الإيجار ومصاريف الحياة اليومية، تاركًا مساحة ضيقة لما كانت تعتبره احتياجات شخصية.

كانت أماني تخصص جزءًا من مصروفها لشراء كريم الترطيب وصبغة الشعر، لكنها أصبحت اليوم تفكر أكثر من مرة قبل شراء أي من هذه الأشياء.

تروي: "إن مبلغًا بسيطًا قد تنفقه على غسول للوجه يمكن أن يذهب بدلًا من ذلك إلى الخبز والخضار لأطفالها، ولذلك اضطرت إلى حذف كثير من احتياجاتها الشخصية من قائمة المشتريات".

تختلف تجربة أماني عن أسماء التي طلبت المكياج، وعن بسملة التي تفتقد عطرها المفضل، لكن الحالات الثلاث تلتقي عند نقطة واحدة: الحرب لم تغيّر فقط ما تملكه النساء، بل غيّرت أيضًا ما يستطعن شراءه، وما يضطررن إلى وضعه في آخر قائمة أولوياتهن.

قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة أمام قائمة طويلة من احتياجات النزوح، لكنها تكشف جانبًا آخر من حياة النساء؛ احتياجات لا تختفي مع الحرب، حتى عندما تضطر النساء إلى تأجيلها أو التخلي عنها.

قوائم المساعدات

ولا تخلو الاستجابة الإنسانية في غزة من احتياجات النساء الشخصية. فحقائب الكرامة ومستلزمات إدارة الصحة الشهرية تتضمن بالفعل عددًا من أدوات النظافة والعناية الشخصية، مثل الصابون والشامبو والملابس الداخلية والفوط الصحية والمناديل وفرش الشعر.

وتقدّر خطة الاستجابة الخاصة بإدارة الصحة الشهرية في غزة وجود نحو 691,300 امرأة وفتاة في سن الحيض. وفي تقرير ورشة إدارة الصحة الشهرية المنشور في أغسطس/آب 2026، تؤكد الجهات الإنسانية استمرار النقص الحاد في مستلزمات الدورة الشهرية وضعف مرافق المياه والصرف الصحي، وتدعو إلى تعزيز إدماج هذه الاحتياجات في الاستجابة الإنسانية باعتبارها مرتبطة بالصحة والكرامة والحماية.

لكن بين ما تسجله قوائم المساعدات وما تقوله النساء عن احتياجاتهن اليومية، تبقى مساحة أخرى من التفاصيل الشخصية: العطر، والمكياج، وكريم البشرة، وصبغة الشعر أو غيرها من منتجات العناية بالمظهر. هذه الأشياء لا تظهر في النماذج الإنسانية التي راجعناها باعتبارها من الأولويات الأساسية، لكنها بالنسبة لبعض النساء ترتبط بالنظافة والراحة والصورة أمام المرآة، وبالإحساس بأن جزءًا من حياتهن السابقة ما زال موجودًا.

يكشف سوق مستحضرات التجميل جانبًا آخر من هذه الفجوة؛ فارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية جعلا شراء هذه المنتجات أكثر صعوبة بالنسبة للنساء. ويقدّر أيمن جبريل، مالك معرض جبريل كوزمتكس، أن الإقبال على مستحضرات التجميل والعناية الشخصية تراجع بنحو 70 في المئة خلال الأشهر الستة الأخيرة.

ارتفعت أسعار هذه المنتجات بشكل ملحوظ، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، بينما بات الزبائن يكتفون بكميات محدودة ومنتجات أساسية، بدلًا من المشتريات التي كانت معتادة قبل الحرب.

كما يشير جبريل إلى أنّ المنتجات التي تدخل إلى سوق غزة تصل بأسعار مرتفعة، ما ينعكس على سعرها للمستهلك. ومع تراجع القدرة على الإنفاق، أصبحت النساء يؤجلن شراء منتجات مثل المكياج والعطور والعناية بالبشرة والشعر، أو يبحثن عن بدائل أقل سعرًا.

لكن ما تكشفه هذه التجارب لا يتعلق بالقدرة على الشراء وحدها؛ فهو يطرح سؤالًا أوسع حول ما تعنيه "الكرامة" للنساء في ظروف الحرب، وما إذا كانت الاستجابة الإنسانية تلتقط فعلًا كل ما تحتاجه المرأة للحفاظ على حياتها اليومية.

معنى الكرامة

لا يقتصر مفهوم الكرامة في الاستجابة الإنسانية على توفير الاحتياجات الأساسية، بل يشمل أيضًا شعور المرأة بذاتها وقدرتها على الحفاظ على بعض تفاصيل حياتها الشخصية، بحسب مختصة الحماية هناء السلوت.

الحرب والنزوح، بما يرافقهما من فقدان للخصوصية وظروف معيشية قاسية، يؤثران على النساء نفسيًا وجسديًا؛ لذلك لا ينبغي النظر إلى العناية الشخصية باعتبارها ترفًا في كل الحالات.

ومن هذا المنظور، توضح السلوت أنّ الاستجابة تصبح أكثر ارتباطًا بواقع النساء عندما تبدأ من الاستماع إليهن وفهم ما يعتبرنه احتياجًا مهمًا، بدل الاكتفاء بالقوائم الجاهزة.

ولا تقف أهمية هذه التفاصيل عند حدود المظهر، فالعناية بالنفس قد ترتبط أيضًا بالحالة النفسية للمرأة، خاصة في ظروف الحرب والنزوح. للعناية بالنفس في هذه الظروف بعدٌ يتجاوز المظهر؛ فقد تصبح وسيلة للحفاظ على شعور المرأة بذاتها، في وقت تفقد فيه السيطرة على كثير من جوانب حياتها اليومية، وفق المختصة النفسية والاجتماعية هديل ياغي.

الأمان، والبيت، والدخل، وحتى الخصوصية؛ كلها جوانب قد تفقد المرأة السيطرة عليها خلال الحرب والنزوح. في المقابل، قد تصبح العناية بالوجه، أو وضع لمسة من المكياج، أو استخدام عطر مألوف، من التفاصيل القليلة التي ما زالت قادرة على اختيارها لنفسها.

وتؤكد ياغي أنّ هذه التفاصيل قد تساعد المرأة على استعادة جزء من روتينها وشعورها بذاتها، وألا ترى نفسها فقط كنازحة أو كرقم ضمن قوائم المساعدات، بل كإنسانة تحتفظ بجزء من صورتها وهويتها التي عرفتها قبل الحرب.

وتكتمل الدائرة في نهاية المطاف لتعود إلى تلك المرآة الصغيرة المعلقة في زاوية الخيمة، لتتكشف حقيقة تتجاهلها لغة الأرقام وقوائم الطوارئ: النساء في غزة لا يحاربن فقط من أجل البقاء على قيد الحياة، بل يحاربن أيضًا من أجل ألا تبتلع الحرب هوياتهن وإنسانيتهن.