تثبّت مرح عطالله (26 عامًا) المقيمة في مدينة غزة نظرها على ساعتها كل مساء، تحسب الوقت الذي يفصلها عن خطيبها المقيم في تركيا، وعن معبر للسفر لا يُفتح، وعن بيت تشاركه اليوم مع أختها بعدما تحوّل بيت عائلتها في جباليا شمالي قطاع غزة إلى ركام. تقول: "أنا في أقسى مراحل اليأس، متعبة من انتظارات لا تنتهي".

حالة مرح ليست استثناءً؛ إنّها واحدة من صور "متلازمة انتظار بدء الحياة"، وهي حالة نفسية يشعر فيها الإنسان بأن حياته الحقيقية لم تبدأ بعد، فيظل معلّقًا في ترقّب دائم لحدث ما يظن أنه بعده سيبدأ العيش الفعلي، بينما تمر الأعوام وهو في مكانه لم يتحرك. وفي غزة، لا يتعلق الانتظار برفاهيات أو أحلام بعيدة، بل بأبسط الحقوق الآدمية، وهو واقع يعيشه اليوم نحو مليوني نازح اقتلعتهم الحرب من بيوتهم ليعلقوا بين ركام بيتٍ أو خيمة لا تقيهم البرد وبيت لم يعد قائمًا.

قبل الحرب الإسرائيلية المندلعة منذ أكتوبر 2023، كانت عطالله تجتهد كغيرها من شابات غزة للظفر بمنحة دراسية أو عمل ثابت، لكن الحرب حوّلت انتظارها القديم إلى دوامة أعمق: "ارتبطت بشاب مقيم في تركيا وأنتظر فتح المعبر لأسافر إليه، أعيش في بيت أختي وأنتظر أن يكون لنا بيت من جديد، عائلتنا مقسّمة: أنا وأمي في بيت شقيقتي، وأبي وأخي على ركام بيتنا في جباليا".

وتضيف: "العالم يتطور ونحن متجمدون في أماكننا، أتمنى أن تنتهي متلازمة انتظار بدء الحياة من حياتي، أم كُتب علينا أن نعيش هكذا مدى العمر؟".

يتشارك مئات الآلاف من سكان قطاع غزة مع مرح المصير ذاته، بعد تضرر أو تدمير مئات آلاف الوحدات السكنية في القطاع بفعل الحرب. وفي الوقت نفسه تعيش الكثير من الفتيات المرتبطات بشباب مقيمين خارج غزة أزمة انتظار فتح المعبر وتسهيلات السفر؛ ما يختصر واقع آلاف الشابات اللواتي أصبح الزواج نفسه، ذلك القرار البسيط، رهينة تصريح عبور لا موعد ثابتًا له.

وتعيش نحو 830 زوجة عالقة في قطاع غزة بعيدًا عن أزواجهن المقيمين خارجه، بينهن أمهات لنحو 1500 طفل، في انتظار فتح المعابر ولمّ شمل أسرهن.

أملُ الخلاص

فاطمة بشير (29 عامًا) عرفت متلازمة الانتظار بوجهها الأقسى بعدما خسرت عملها كمديرة قسم الأخبار والتدريب في مؤسسة إعلامية، إثر تفكيكها بالكامل من رئيس مجلس إدارتها المغترب.

لم يتوقف الأمر عند فقدان مصدر رزقها؛ إذ كان مقررًا أن تبني أسرة مع خطيبها المصري قبل اندلاع الحرب، فتأجل الزواج عامًا كاملًا قبل أن يقررا عقد قرانهما دون انتظار نهاية الحرب. واليوم تنتظر إجلاءها من غزة لتلتحق به: "من ثلاثة أعوام أنتظر النجاة والخلاص، أريد أن أبني أسرتي وأكون أمًا قبل أن يجري بي قطار العمر. طُلب مني 30 ألف دولار مقابل خروجي من غزة، ويأسي يزيد في كل مرة".

تمثّل فاطمة شريحة واسعة من الكفاءات المهنية التي تبخّرت فرصها دفعة واحدة، ضمن انهيار شبه كامل لسوق العمل طال عشرات آلاف الموظفين والمهنيين في القطاع؛ إذ فقد نحو 201 ألف عامل في غزة وظائفهم، فيما بلغت نسبة من فقدوا أعمالهم وأصبحوا عاطلين أو خرجوا من قوة العمل 74%، بينما ارتفعت البطالة إلى نحو 80%. وحين يتحول "الخروج من غزة" إلى ثمن مادي باهظ لا تملكه غالبية العائلات، تتحول الأحلام إلى معادلة مالية مستحيلة قبل أن تكون معادلة أمنية.

قلقُ الأبوّة

عند بعض الآباء، يأخذ الانتظار شكلًا أشد قسوة؛ فهم لا ينتظرون لأنفسهم بل لأطفالهم: غرفة نظيفة، مكان للعب، مدرسة آمنة، وحياة كريمة. أحمد زقوت، أب وصحفي، كان قبل الحرب يخطط لمستقبله بتفاصيله، ويضع لحياته ولأطفاله ما يكفي من الخطط والأهداف. أما اليوم، فقد تبدّل إيقاع الحياة نفسها؛ من التفكير في الغد إلى الركض خلف المياه والطعام ومستلزمات المعيشة، ومحاولة تأمين يوم آخر في ظروف لا تتيح مساحة للتخطيط.

 يقول اليوم: "لديّ طفلان، والانتظار في وجودهما صعب، يرافقه خوف يؤرقك. إضافة إلى ذلك فأنا جربتُ انتظارًا لم يجربه العالم من حولنا؛ وأدركت أنّ ليست كل الانتظارات تُتوَّج بالظفر، فلديّ أحبة مفقودون لا أعرف عنهم شيئًا منذ أعوام".

تعكس شهادة زقوت واقع فئة كاملة من الآباء الذين تحول دورهم من التخطيط للمستقبل إلى البحث اليومي عن جودة حياة أفضل؛ فيما يكبر أبنائه في بيئة مضطربة ومحفوفة بالمخاطر.

والأطفال هم الأكثر دفعًا لثمن هذا الانتظار؛ إذ تخلّف نحو 700 ألف طفل عن التعليم، فيما توقف أكثر من 88 ألف طالب جامعي قسرًا عن مقاعد دراستهم. وهكذا لا يقتصر تعليق الحياة على جيل عاش الحرب، بل يمتد إلى جيل يتعطل تعليمه ومساره الطبيعي نحو المستقبل.

فرحٌ مؤجَّل

تختصر السيدة كاملة نصر وجهًا آخر لمتلازمة الانتظار، أكثر دفئًا لكن لا يقل قسوة: ثماني سنوات من الانتظار لتصبح أمًا. كان انتظارها انتظار طفلة تحتضنها وتربّيها، إذ كان مقررًا أن تحتضن حور العين يوم العاشر من أكتوبر 2023، الموعد الذي ظنّت كاملة أنه سيكون بداية حياتها الجديدة كأم: "ستنتهي انتظاراتي لبدء حياتي.. سأبدأ". لكن الحرب اندلعت قبله بأيام، فتغيّر معنى الانتظار نفسه.

تقول وهي تمسح على شعر الصغيرة: "حينما احتضنتها وهي بعمر العام تغيرت الحياة في عيني، وجدت نتيجة انتظاري، ولم أفكر حينها في شيء سوى فرحتي بها، لكن لاحقًا صار الانتظار بأمان لها وحياة مثالية يحيطني من كل اتجاه، أود أن أبدأ حياة جديدة معها غير ما نعيشه".

أما عن زوجها تضيف: "يعاني هو الآخر من متلازمة الانتظار، لكنه صار أكثر يأسًا، يكتفي بأن نعيش للغد، يخاف جدًا على حور من أي قصف قريب، يعيش حالة تأجيل للحياة فعليًا، لكننا معًا ننتظر فقط أمنًا وأمانًا لابنتنا المحتضنة".

ترى المختصة النفسية نورا أبو عيطة أن "متلازمة انتظار بدء الحياة" ليست مجرد شعور عابر بالملل أو التسويف، فهي آلية دفاعية يلجأ إليها العقل في بيئات الخطر المستمر؛ فحين يعجز الإنسان عن التحكم بمصيره، يعلّق تفكيره على لحظة مستقبلية وهمية كوسيلة للهروب من ثقل العجز في الحاضر، وهي آلية قد تفيد مؤقتًا لكنها تتحول إلى اضطراب حقيقي حين تمتد لسنوات دون أفق. والأخطر أن الأطفال يرثون هذا الإحساس عن آبائهم كنمط تفكير راسخ، كما يظهر في وصف أحمد زقوت لابنه الأكبر بأنه "ينتظر مثله".

ولذلك تنصح أبو عيطة بدعم نفسي متخصص يعيد بناء القدرة على التخطيط قصير المدى وسط الأزمة، كخطوة أولى لكسر حلقة الانتظار قبل أن تتحول إلى هوية دائمة.

من مرح إلى فاطمة، ومن أحمد إلى كاملة، تتكرر الكلمة ذاتها بمعانٍ مختلفة: زواج مؤجل، عمل مفقود، جثمان يُنتظر، وطفلة وُلدت في قلب النار. أربع حكايات، لكنها تختزل واقع فئات كاملة من سكان القطاع، الشباب الباحثون عن مستقبل، والمهنيون الذين خسروا أعمالهم، والآباء الذين يبحثون عن ذويهم، والأمهات اللواتي ربّين أطفالهن وسط الركام.

مليونا نازح، مئات آلاف الوظائف المفقودة، مئات آلاف الأطفال خارج مسارهم التعليمي، وسكان يتناقص عددهم بفعل القتل والنزوح ومغادرة القطاع؛ كلها أرقام تحكي بأشكال مختلفة قصة زمن معلّق، ينتظر فيه الناس استعادة أبسط شروط الحياة.

ليطرحوا جميعًا السؤال نفسه: هل تبقى الحياة انتظارًا أبديًا، أم أن هناك بداية حقيقية تنتظر أن تأتي؟