يجلس نبيل الأيوبي، مبتور القدمين، على كرسيه المتحرك المتهالك، تحت أشعة الشمس الحارقة. يخرج من منزله المتضرر بشدة من أثر القذائف الإسرائيلي الكائن في شارع 8 بمنطقة تل الهوا، جنوب غربي مدينة غزة، لقضاء مشوار قصير، لكنه يحتاج أولًا إلى الوصول إلى نقطة يمكن أن تمر منها سيارة أو عربة تجرها دابة.
الطريق أمام منزله لم يعد كما كان قبل الحرب؛ أجزاء منه تضررت بفعل العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتغطيه الرمال والحصى والركام، ما يجعل الحركة عليه صعبة، خصوصًا بالنسبة إلى كرسي متحرك. وبينما تبدو وجهته قريبة نسبيًا، فإن الوصول إليها يتحول إلى رحلة شاقة.
تدفع زوجته كرسيه بيديها عبر الطريق الوعر، بحثًا عن نقطة يمكن أن تصل إليها السيارات أو العربات. مع كل دفعة، تصطدم عجلات الكرسي بالحصى وتغوص في الرمال، فيما تلفح الشمس وجهيهما وتزيد إرهاقهما.
بعد وصولهما إلى المكان الذي قد تمرّ منه وسيلة نقل، ينتظران أكثر من عشرين دقيقة. تمر الدقائق بطيئة وسط الحر، فلا سيارة قادمة ولا وسيلة بديلة. حتى يتوقف رجل بسيارته الخاصة ويعرض توصيلهما، فيقبلان خدمته على استحياء.
يقول الأيوبي: "أسكن في منطقة مقطوعة وبعيدة عن المواصلات في تل الهوا، وتحديدًا شارع 8، وكلما خرجت من المنزل أواجه صعوبة في التنقل في الشوارع الوعرة. لذلك أصبحت أتعب نفسيًا كلما خرجت، فأحاول تقليل مشاويري. كنت سابقًا أمشي ولا يهمني، لكن اليوم أردتني الحرب بلا أطراف".

بين الركام والمواصلات
ما يواجهه الأيوبي لا يقتصر على حالته وحدها؛ فالحرب خلّفت آلاف الأشخاص الذين أصبحت الحركة والوصول إلى المواصلات أكثر صعوبة بالنسبة إليهم بعد فقدان أطرافهم أو تعرضهم لإصابات بالغة. ووفق تقديرات منظمة الصحة العالمية حتى أبريل 2026، فقد أكثر من 5 آلاف شخص في غزة أطرافهم منذ بدء الحرب، فيما يُقدّر أن نحو 43 ألف مصاب تعرضوا لإصابات قد تغيّر حياتهم وتحتاج إلى تأهيل طويل الأمد.
لا تتعلق المشكلة هنا بصعوبة التنقل عبر الطرق الرئيسية، بقدر ما تتعلق بالوصول من الأحياء والشوارع الفرعية إلى نقاط المواصلات. فهذه الطرق، التي كانت السيارات تصل إليها بسهولة قبل الحرب، تعرضت لأضرار واسعة بفعل الدمار والركام، ما جعل المسافة القصيرة بين المنزل وأقرب نقطة للمواصلات طريقًا شاقًا. وتزداد صعوبتها على كبار السن وذوي الإعاقة والمصابين، الذين قد لا يستطيعون قطعها سيرًا أو دفع كرسي متحرك فوق الرمال والحصى.
وبلغة الأرقام، رصدت خدمة الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) تدمير نحو 1511 كيلومترًا من الطرقات في قطاع غزة، فيما بلغت نسبة شبكة الطرق المتضررة بمختلف درجات الضرر نحو 77%. كما أفادت وزارة النقل والمواصلات في غزة بأن معدل الدمار في قطاع المواصلات بلغ نحو 85%، فيما تراوحت نسبة المركبات المدمرة بين 70 و75%.

في شمال القطاع، تعيش ولاء سلمان تجربة مختلفة مع المشي الذي لم تعتده من قبل. بدأت مؤخرًا العمل مختصة نفسية في إحدى مدارس مخيم جباليا، فأصبحت تسير يوميًا من منطقة التوام إلى دوار الصفطاوي، ومن الفالوجا إلى المخيم، للوصول إلى باص الموظفين، الذي يخبرهم كل يوم باحتمالية التوقف عن العمل بسبب شح الزيت الخاص بالسيارات.
تضع سلمان قبعة على رأسها لتحميها من الشمس الحارقة، وتقول: "هنا في مخيم جباليا الحرارة أشد، فلا مباني تحميك من الشمس ولو قليلًا. أسير كل يوم من التوام لدوار الصفطاوي، ومن الفالوجا للمعسكر، وهذا يأخذ وقت حوالي نصف ساعة وربما أكثر. أحاول البحث عن سيارات كل يوم، لكن لا يوجد، الوضع هناك مأساوي. يصادفني أحيانًا توكتوك فأركب رغم خوفي".
تضيف، وهي تتمسك بحافة التوكتوك بيد، وتمسح باليد الأخرى حبيبات العرق عن جبينها الذي حرقته الشمس: "الحياة هنا شاقة بلا مواصلات. لم أمشِ في حياتي مشيًا كهذا وسط دمار مهول من كل حدب وصوب، ولكن لقمة العيش تجبرك على المواصلات لتوفر الحد الأدنى من احتياجات أطفالك".
وبحسب المتحدث باسم وزارة النقل والمواصلات، أنيس عرفات، في حوار سابق مع "آخر قصة"، فإن عدد المركبات التي تعمل حاليًا في غزة لا يتجاوز 18 ألف مركبة بمختلف أنواعها، تشمل السيارات الملاكي والتجارية وسيارات الأجرة والشاحنات. وكانت أعداد المركبات قبل الحرب تتراوح بين 80 و90 ألف مركبة، ما يدل، وفق عرفات، على عجز في قطاع المركبات بنحو 80%.
ولا تقتصر أزمة المركبات على أعدادها، إذ تعمل المركبات المتبقية في ظروف صعبة، في ظل عدم توفر قطع الغيار وانعدام زيت السيارات والوقود.

أما عواطف سلامة (55 عامًا)، فأصيبت في قدمها بعد عام من الحرب، ومنذ ذلك الحين وهي تعرج عليها. تواجه صعوبة في العثور على سيارة عند قضاء أي مشوار يخصها، لذلك لا تخرج من المنزل كثيرًا إلا للمشاوير المهمة.
تقول وهي تستند إلى عكازها: "آخر مرة كنت أود الذهاب لمستشفى أصدقاء المريض لفحص طبي، اضطررت للسير من الميناء لهناك لأني لم أجد سيارة توصلني لهناك أو حتى عربة يجرها دواب. وكثيرًا ما أخرج ولا أجد، فأضطر للوصول لأقرب نقطة للمواصلات، إما دوار حيدر أو الاتصالات، لانتظار مواصلة، وهذا أمر مرهق جدًا، لذلك لا أخرج إلا وقت الاضطرار".
وتضيف: "كنت في بداية الأحداث أسير لمسافات طويلة، إذ لم تكن هناك سيارات في شمال غزة، حتى أُصيبت قدمي وصرت أعرج عليها. من بعدها ازداد وزني من الجلوس في البيت، وأصبحت باكتئاب أيضًا. أذكر أنه وقف لي سائق سيارة مصحوبة بعجلاة ورفض من يجلسون بالأمام النزول. وقفت أنظر لدرج العجلات ولم أقوَ على الصعود".
المسافات التي كانت تُقطع في دقائق بالسيارة أصبحت اليوم تحتاج إلى وقت وجهد مضاعفين. يسير الناس في طرق مدمرة، وينتظرون وسيلة نقل، أيًا كانت، وبعدما كان بعضهم يرفض ركوب وسائل معينة، بات يقبل بما يتوفر أمامه، سواء توكتوك، عربة يجرها حمار، أو سيارة خاصة؛ لم تعد الخيارات تُقاس بالراحة، بل بإمكانية الوصول. لكن بالنسبة إلى الجرحى وذوي الإعاقة وكبار السن، قد لا تكون المشكلة في العثور على وسيلة نقل فحسب، بل في القدرة على الوصول إليها والصعود إليها أصلًا.
وفي الشوارع الفرعية لما تبقى من مساحة سكنية في قطاع غزة، يتحول المشوار القصير إلى رحلة شاقة، لكن العبء الأكبر يقع على مبتوري الأطراف وذوي الإعاقة وكبار السن والمصابين، الذين لا يملكون دائمًا القدرة على قطع المسافات سيرًا أو الوصول إلى وسائل النقل.