تمرِر هيام البيومي أصابعها على قطع الملابس المعلّقة على رفّ حديدي، وتلك المكدّسة داخل أكياس بلاستيكية فوق أرضية خيمة مفروشة بسجادة بنّية اللون، تتفحص كل قطعة بعناية فائقة قبل أن تقف في المساحة الضيقة، تقيس تفاصيل الثياب وتُعِدّها للعرض على صفحة "متجر خيمة" عبر "إنستغرام"، حيث تسوّق بنفسها، قطعة تلو الأخرى، لكل ما اختارته بشقّ الأنفس.
البيومي، 33 عامًا، درست الإعلام لفترة وجيزة ثم انقطعت، وعادت لاحقًا لدراسة تخصص الوسائط المتعددة، لكنها لم تُكمل الطريق بسبب ظروفها المادية الصعبة. تنقّلت بعدها بين أعمال متفرقة، عاملة في متجر هدايا، ثم في مول تجاري، قبل أن تأتي الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (2023- الآن) لتنسف كل ما بنته من مصدر رزق.

بلغة الأرقام، هيام واحدة من أكثر من 250 ألف عامل فقدوا وظائفهم بشكل دائم في ظل الانهيار المعيشي والاقتصادي الذي رافق الحرب، إذ ارتفعت نسبة البطالة إلى 80%.
وهي أيضًا واحدة من نساء كثيرات باتت تعيل أسرتها بمفردها؛ إذ تفيد هيئة الأمم المتحدة للمرأة، في تقرير صدر في سبتمبر 2026، بأن نحو 86,290 أسرة في قطاع غزة تعيلها نساء حاليًا، أي ما يقارب ربع أسر القطاع، وهو ضعف العدد المسجل قبل أكتوبر 2023، فيما تشير الهيئة إلى أن نحو 7 من كل 10 أسر تعيلها نساء تفتقر إلى مأوى مناسب.
ومع اشتداد النزاع وتراجع فرص العمل، بدأت البيومي تبحث عن طريقة تضمن لها دخلًا تعيل به عائلتها. عملت ضمن فريق إغاثي يوصل المساعدات للنازحين، واستطاعت أن تدّخر مبلغًا بسيطًا، فقررت استثماره في مشروعها الخاص: "متجر خيمة" لبيع الملابس.
تقول وهي تُجهّز "الستاند" للتصوير، مرتدية الثوب الفلسطيني المعروض للبيع في متجرها: "حينما طرحت الفكرة واجهت من عارضني، وقال الجميع لديه متاجر أون لاين، فكرة مشروعك فاشلة. يئست، ثم شجعني والدي وشقيقاتي. كان والدي مريضًا في المستشفى آنذاك، فصرت أذهب للتسوق يوميًا لأجمع قطع الملابس، أضعها في الخيمة، ثم أغادر لزيارته".
تضيف بصوتٍ متحشرج: "أنشأت صفحة للتسويق عبر إنستغرام، وصورت الملابس للعرض، وفي يوم الانطلاق المعلن توفي والدي، فانهرت تمامًا وتوقفت لفترة، قبل أن أعود بإلحاح من شقيقتي حيفا المقيمة بالخارج، لأبدأ من جديد، وكل يوم أقاوم فيه رغبتي بالتوقف من الإرهاق النفسي والحزن على والدي".

لم تكن تفاصيل العمل هيّنة بالمطلق؛ جلبت هيام الرفّ الحديدي لتعليق الملابس بمساعدة زميل لها، وجابت غزة كلها بحثًا عن "ستاند" للتصوير، لتُفاجأ بأسعار جنونية اضطرت رغمًا عنها لدفعها. كانت شقيقتها الصغرى بدرية تشاركها تصوير القطع واختيار الأفضل للعرض، إلى أن قررت هيام أن تظهر بنفسها في الفيديوهات بدل الاكتفاء بتصوير الملابس فقط.
تقول وقد أنهت للتو تصوير فيديو تعرض فيه فستانًا أسود: "كنت أقف أمام الكاميرا ولا أعرف ماذا أفعل، فكان العرض بسيطًا وعشوائيًا. لكن ما يظهر في الفيديو من ابتسامة وسهولة في الحركة مجرد شكليات، أما خلف الكواليس فالأمر أشد قسوة؛ أعمل والذباب يتطاير حولي ولا أقوى على الوقوف من شدة الحرارة. الخيمة بيئة لا تصلح للحياة، فما بالك أن تكون مضطرًا للعمل داخلها".
تجوب هيام أسواق غزة بحثًا عن الملابس التي ستعرضها في متجرها، تنتقل من بائع إلى آخر وتفاوضهم بإصرار للحصول على أفضل الأسعار، ثم تحمل ما اشترته وتعود إلى الخيمة لتواصل عملها رغم الإرهاق البادي على ملامحها، تعرض الملابس وتبتسم أمام الكاميرا، ثم تصوّر بعض القطع وتنشرها، حتى يغلبها التعب في نهاية اليوم.
وبينما تستسلم البيومي للنوم على فراشها المتواضع، إلى جوار رفّ الملابس الذي يحمل بضاعتها، تنحني شقيقتها فوق أكوام الملابس المتكدّسة وتبدأ بترتيبها قطعة تلو الأخرى، بينما تنام الأخرى الأخرى قبالة "ستاند" الملابس، إذ لا تملكان رفاهية أن يكون لكل منهما خيمة خاصة بالعمل.
تقول هيام: "أظل أفتش أنا وشقيقاتي الملابس خوفًا من اتساخها أو تلفها، وفي كل مرة قبل أن نرسلها للزبائن نتفحصها بدقة. وفي كثير من الأحيان تتسخ الملابس من الغبار، فأغسلها وأرسلها للكي وأحفظها من جديد، وهذا مكلف ماديًا أيضًا".
وتضيف: "الآن ينتهي موسم الصيف، وسأجلب ملابس الشتاء وسأحتاج لرفّ جديد لتعليق الملابس عليه، خوفًا من أن تتسرّب المياه إلى أرضية الخيمة فتتلف البضاعة".

وعلى الرغم من دوّامة الأفكار والخوف الذي يعصف بها كل ليلة، وقلّة الربح مقارنة بما توقعته، تواصل هيام العمل لأجل إعالة أسرتها التي تدعمها معنويًا. تقول وهي في طريقها لشراء بضاعة جديدة: "إلى جانب كل ما أعانيه في مشروعي من تعب، يأتي إرهاق المواصلات في المرتبة الأولى؛ أمشي لمسافات غالبًا لأصل إلى وجهتي. حاولت أن أتوقف عن الشراء من السوق المحلي وأجلب بضاعة من الخارج بالشحن من مصر، لكني صُدمت بأسعار الشحن، فلم يكن أمامي إلا أن أجوب الأسواق شبه يوميًا لأحصل على أفضل سعر وأجلب ملابس بجودة عالية".
أما توصيل الملابس المباعة فمعاناة أخرى؛ أحيانًا تضطر هيام لتوصيلها بنفسها إلى نقطة معينة للزبون، ومرات يتولى المهمة شقيقها. وتستذكر عروسًا تواصلت معها لتنتقي بعض القطع، فوضعت لها هيام عدة قطع داخل حقيبة وأرسلتها إلى بيتها لتختار منها ما تريد.
وعند سؤالها عن سبب اختيارها اسم "خيمة" للمتجر، تجيب مبتسمة: "حياتي كلها صارت في الخيمة، فكان هذا الاسم الخيار الأمثل والأصدق والأكثر تعبيرًا عن حالتي. وحتى لو تطوّر متجري يومًا، سأظل أذكر كيف بدأت وكيف كنت".
تختم حديثها بتنهيدة طويلة: "بيتنا دُمّر، وفقدت الرجل الأحب إلى قلبي، والدي، وفقدت مدينتي رفح، وها أنا نازحة في دير البلح. لكني يجب أن أنحت في الصخر لأظل واقفة وأعيل عائلتي، وكل ما أتمناه أن أستمر في طريقي، خطوة خطوة".