تقف إيمان عودة على خشبة المسرح تكتم أنفاسها كي لا تبكي، فهي تؤدي في المسرحية دورًا يحمل اسم "يوسف"، وهو اسم والدها الذي فقدته في الحرب الإسرائيلية الحالية على قطاع غزة. وكلما نودي بالاسم، تجدد شعورها بالفقد، فتستحضر مشهد استشهاده وتنهمر دموعها رغم محاولاتها كتمانها. كان كل ما حولها يستدعي الوجع؛ الاسم وحكاية المسرحية وتفاصيلها، إذ يستحضر كل ممثل تجربة عاشها وفقدًا ما زال يسكنه، ليُروى على الخشبة في بضعة مشاهد تمثيلية.

بدأت علاقة الشابة عودة بالمسرح منذ سنوات ما قبل الحرب، ثم انقطعت خلالها، لتعود بعد ثلاثة أعوام في أول عمل لها بعنوان "خمسون دقيقة في غزة"، التي تروي واقع غزة بتفاصيله. لم تتردد في قبول العودة للتمثيل، رغم أن هذه المرة كانت أشد وقعًا على قلبها، إذ جسّدت دور امرأة حامل أنجبت خلال الحرب بعد تسعة أعوام من الانتظار، لتصبح أمًا بعد سنوات عجاف.

تقول إيمان بعد صمت دام ثوانٍ: “في الحرب شاركت في مسرحية ”50 دقيقة في غزة"، كانت من أصعب المسرحيات التي شاركت بها خلال مسيرتي الفنية، لأنها كانت بداية تعافٍ من صدمة نفسية عشتها خلال الحرب، وهي فقد والدي الذي لم أستوعب رحيله حتى اللحظة".

وعند سؤالها عن المعيقات التي واجهتها، قالت بتنهيدة: "اليوم المسرح صار بعيدًا عن العيون ولا يوجد اهتمام به كما قبل الحرب على الرغم من أهميته في توثيق الرواية الفلسطينية، فكرة أن تجد مكانًا للتدريبات صعبة، بسبب تدمير كل المسارح تقريبًا، اليوم من أصعب ما يكون أن تنسق وتنفذ مسرحية، لكن العودة ضرورية وواجبة لنحكي ما عشناه بالفن".

المسارح المدمرة

قبل النزاع، ضم قطاع غزة عددًا من المسارح والمساحات الثقافية، تعرض معظمها للتدمير أو الضرر خلال الحرب، بينها المركز الثقافي العربي الأرثوذكسي ومركز رشاد الشوا الثقافي الذي دُمّر في نوفمبر 2023، إضافة إلى مسرح هوسلت.

وكان مسرح الهلال الأحمر الفلسطيني من أبرز المسارح في غزة، وتشير جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إلى أنه استوفى المعايير العالمية للصوت والإضاءة والخشبة، وشهد آلاف العروض منذ إنشائه. ودُمّر مسرح مؤسسة سعيد المسحال في قصف إسرائيلي عام 2018، فيما توقف نشاط مؤسسة أيام المسرح في مجمع جمعية الشبان المسيحية، الذي تحول خلال الحرب إلى مأوى للنازحين. وتعكس هذه الخسائر حجم الضرر الذي لحق بالبنية التحتية للمسرح والنشاط الثقافي في قطاع غزة.

أما محمد قدورة، فقد عرف المسرح منذ عام 2016، وكان أبرز عمل مسرحي شارك فيه خلال الحرب مسرحية "خمسون دقيقة في غزة"، قدّم فيها شخصية الطبيب في خمسة عروض خلال عام 2026.

وعند سؤاله كيف يصف علاقته بالمسرح اليوم بعد كل ما مرّ به، وهل تغيّر معنى الوقوف عليه، يجيب: "علاقتي بالمسرح أصبحت أعمق وأصعب في الوقت نفسه، قبل الحرب، كانت الخشبة مساحة للفن والتواصل مع الجمهور، اليوم أصبحت أيضًا مساحة للبقاء النفسي، ولحفظ الذاكرة، وللتأكيد أننا ما زلنا هنا، الوقوف على الخشبة لم يعد أداء فقط، صار مسؤولية، أشعر أنني أحمل جزءًا من أصوات الناس الذين فقدوا بيوتهم وأحبتهم وأماكنهم، وأحاول أن أقدمه باحترام وصدق".

وأوضح قدورة أن الفصل بين شخصيته والشخصية التي يؤديها قد يكون صعبًا جدًا، خصوصًا حين تخص التجربة الفنان نفسه؛ ففي دور الطبيب الذي أداه بالمسرحية، شعر بالشخصية لأن فيها خوفًا ومسؤولية وعجزًا ورغبة في إنقاذ الآخرين.

وأكد أن كل شيء تغيّر في المسرح بغزة: النصوص، والأماكن، والجمهور، وحتى معنى العرض نفسه. فالحرب أصبحت حاضرة بشكل مباشر أو غير مباشر في الأعمال، لأنها باتت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، حتى عندما لا يكون النص عن الحرب بشكل صريح، فهي موجودة في صوت الممثل وفي ذاكرته وفي نظرة الجمهور.

يختم حديثه: "من أكثر اللحظات التي لا أنساها هي صمت الجمهور في بعض المشاهد، ثم التفاعل بعد انتهاء العرض، هذا الصمت كان أقوى من التصفيق أحيانًا، لأنك تشعر أن الناس لا يشاهدون فقط، بل يستعيدون شيئًا من حياتهم وتجاربهم، عندما يصبح المسرح مكانًا يلتقي فيه الألم مع الأمل، تشعر أن العرض وصل فعلًا إلى الناس".

لم تكن تجربة الفنان تامر نجم بعيدة كثيرًا عن سابقيه، فهو عاش النزوح والفقد والنجاة من تحت الركام. أراد بعودته إلى الفن أن يكون دواءً له، يسمح له بالتعبير عن نفسه وممارسة ما يحب، حتى لا ينساه مع وطأة الحياة المرهقة.

وكلما داهمته نوبة يأس من العودة للوقوف أمام جمهور على المسرح، تذكّر ما قدّمه سابقًا، إذ شارك في العديد من المسرحيات قبل الحرب، منها مونولوجات غزة 2010، ومسرحية شقة بطالة، ومسرحية مدارس 2012، ومسرحية أمل محرز، وحاز على عدة جوائز محلية، وجال بعروض مسرح عشتار في عدد من الدول، منها بريطانيا وإيطاليا والسويد وألمانيا والنمسا وبلجيكا وفرنسا.

يقول: "كلما شعرت أنني لا أقوى على الوقوف على المسرح وتجسيد شخصية ما، استذكرت تاريخي الفني، فأواصل العمل، هنا على المسرح أصبحت علاقتي به أكثر تعقيدًا وعمقًا، خاصة عندما تتقاطع مأساة النص مع مأساة الواقع".

يضيف: "تحولت طبيعة العروض والمسرحيات التي تُنتج في غزة اليوم بشكل جذري، حيث فرضت التجربة المعاشة نفسها على كل مفاصل العمل المسرحي، بدءًا من المفهوم وصولًا إلى تفاصيل التنفيذ".

تحديات العرض

أما منسقة مسرحية "50 دقيقة في غزة"، فاطمة سحويل، فتعقّب على عودة المسرح للعمل على استحياء في غزة، قائلة إن أبرز التحديات التي واجهها المسرحيون تمثلت في فقدان المساحات المسرحية والإمكانات، ومع ذلك استمروا في تقديم عروض بسيطة تحكي الواقع الذي عاشوه، رغم فقدان بعضهم زملاء وتعرض آخرين للإصابة.

وتوضح سحويل أن الظروف انعكست على مدة العروض وشكلها؛ ففي البداية لم يكن ممكنًا تقديم عروض تتجاوز عشرين دقيقة، قبل أن يتمكن الفريق لاحقًا من تقديم عرض امتد لخمسين دقيقة، متكاملًا من حيث النص والتشكيل الحركي والدرامي. وترى أن المسرح أدى أيضًا دورًا في الدعم النفسي، عبر منح الفنانين مساحة للتعبير عن الألم وإخراجه من نطاق التجربة الشخصية إلى الجمهور.

وتستذكر إحدى المشكلات التقنية التي واجهت الفريق خلال العروض: "واجهتنا مشكلة في السماعات، ومشكلة في الإضاءة التي أصبحت تُدار يدويًا وفي وقت محدد، فأصبحنا نحفظ آخر كلمة يقولها الممثل حتى نعرف متى نشغل الموسيقى، وفي أحد العروض توقفت المسرحية بسبب مشكلة تقنية".

وتؤكد سحويل أن الفريق واصل العمل رغم ذلك، إذ عُرضت ثلاثة عروض متتالية في مسرح القطان، بحضور بلغ أقصاه نحو مئة شخص. وفي بعض المناطق، بدا مفهوم المسرحية غريبًا على الجمهور، خصوصًا الأطفال الذين كانوا يتساءلون: هل ما نراه حقيقي أم تمثيل؟ وفي إحدى المرات، أخبرت إحدى السيدات أحد الممثلين أن ما قدّمه جسّد الحالة التي عاشتها.

ومن ناحية نفسية، تقول المختصة النفسية نورا أبو عيطة: "إن الفن مساحة آمنة للتعبير عن النفس، ويمكن للتمثيل والحكاية أن يساعدا في تنظيم المشاعر من خلال إعطائها مساحة للتعبير بدل كبتها، خاصة عندما يصعب التعبير عنها بالكلمات المباشرة".

ونصحت المخرجين، من الناحية النفسية، عند تناول موضوعات الصدمة والفقد، بأن يتعاملوا معها بحساسية، وألا يعتمدوا على المشاهد القاسية أو إعادة التفاصيل المؤلمة بصورة قد تزيد المعاناة، مع التركيز على الكرامة والأمل. ففي غزة، يتجاوز المسرح كونه مساحة لعرض الفن، ليصبح أيضًا مساحة للتعبير والتفريغ النفسي واستعادة الشعور بالحياة.

في غزة، يعود المسرح بإمكانات محدودة إلى مساحات لم تعد مهيأة للعروض، فيما يحمل الفنانون إلى الخشبة تجارب الحرب التي عاشوها. وبين غياب المسارح وصعوبة توفير أبسط متطلبات العرض، يحاول المسرحيون استعادة مساحة للفن والتعبير والذاكرة.