تركض إيناس حجازي في الشارع وهي تضع يدها على قلبها خوفًا على صغيرتها سيدرا، المحاصرة تحت وقع الانفجارات وإطلاق النار داخل روضتها، التي لم تمضِ أسابيع على التحاقها بها وفرحتها برفاقها وحقيبتها الجديدة. ومع كل انفجار، تنهمر دموع إيناس أكثر وهي تسأل: هل فقدت ابنتي؟ وتردد برعب: "ابنتي لديها فوبيا شديدة من أصوات الغارات والانفجارات. هل سيحتمل قلبها كل هذه الأصوات؟".

ساعة كاملة من الرصاص والغارات على منطقة الكتيبة في غزة في الأول من سبتمبر الحالي، فيما كانت الصغيرة عالقة داخل الروضة. تقول الأم: "مرت الساعة عليّ وكأنها أعوام، ما بين الشائعات التي انتشرت عن أماكن انتقال كل الأطفال في الروضة. وبعد عناء وجدنا الأطفال وطاقم الروضة في أمان بعيدًا عن القصف، لأعانق ابنتي التي كانت تبكي من صدمتها".

تكمل حديثها وهي تعدد مرات نجاتهم من الموت: "تعاني طفلتي من خوف شديد، وتسأل أسئلة لا أعرف إجابتها. بالكادّ استطعت إقناعها أن تذهب إلى الروضة وحدها. في البيت لا تتركني خوفًا من أن يصيبها صاروخ أو رصاصة. تحلم بكوابيس ليلية بأصوات القصف".

وكان مقتل خالتها إسلام، في سيارتها، من أكثر الأحداث تأثيرًا فيها. كانت إسلام مديرة لمؤسسة شفاء فلسطين. تقول إيناس: "تسألني هي وشقيقها الأكبر كيف اخترقها الرصاص، ويصرّان على رؤيتها".

في غزة، يكبر الأطفال في ظل حرب تدخل عامها الثالث من دون أن تمنحهم فرصة للتعافي. فرغم إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، استمر القصف والقتل بأشكال مختلفة حتى اليوم، لتبقى الصدمات جزءًا من حياتهم اليومية. وبينما يحتاج الطفل إلى الأمان والوقت ليستوعب ما عاشه، قد يواجه قصفًا جديدًا قبل أن يتجاوز سابقه. فكيف يمكنه التعافي، ومصدر الخوف لا يزال حاضرًا؟

تعيش منة زقوت تجربة مشابهة مع طفلها براء، البالغ عشرة أعوام. إذ ترتفع حرارته كلما سمع صوت انفجار، أو شعر بأنهم على وشك النزوح، حتى من أحاديث الأطفال في الشارع.

تحاول والدته طمأنته بأن الحرب انتهت، لكنه يسألها في كل مرة: كيف انتهت وقد قُصف منزل صديقي قبل أيام؟

تقول بأسى: "في إحدى الفترات انخفض وزن ابني كثيرًا، وعانى من فقدان الشهية والنوم المتقطع، الذي تتخلله كوابيس بأنه تحت الركام. يسأل عن الموت، وعن شعور من يموت وقت نزول الصاروخ عليه. حاولت البحث عن مختصة نفسية، لكنني لم أعرف إلى أين أتوجه. تحسن قليلًا بمجهودي معه، لكن مع كل قصف جديد تسوء حالته أكثر".

وتضيف: "بمرور الأشهر، صار ابني الهادئ أكثر عنفًا. يضرب إخوته بعنف شديد. تغير سلوكه بشكل ملحوظ للجميع، وصار أكثر انطوائية. وكلما سمع صوت طائرة عالٍ، أو رصاص أو انفجار، تغير لون وجهه وبدأ يرتجف بشدة، ويتبول لا إراديًا".

أما نسرين الزين، فأم لطفلين، أكبرهما عشرة أعوام وأصغرهما خمسة. فقد الطفلان والدهما خلال الأحداث، إلى جانب ثلاثة من أخوالهما وأجدادهما. يعيشون في خيمة في دير البلح وسط قطاع غزة.

تعاني نسرين من تعلق طفليها الشديد بها. لا يجلسان في مكان من دونها، لشدة خوفهما. ويسألانها عن الموت باستمرار، ويخشيان أن تموت وتتركهما.

تقول وهي تمسح على شعر صغيرها النائم على قدميها: "لم يتعافَ أطفالي حتى اليوم، لأن الحرب لم تنتهِ. كل يوم تتجدد الصدمة، فكيف سيشفون وهي في منتصف الحريق؟ ومن أصعب المواقف عليّ أن ابني الأكبر طلب مني ذات يوم ألا أذهب إلى عملي، وقال لي: رأيتك في حلمي، استُشهدت. لم أذهب يومها إلى العمل حتى لا يرتعب لساعات".

وتضيف بمرارة: "أما ابني الأصغر، ذو الخمس سنوات، فحين يسأل عن شخص ما، فأول سؤال يسأله: هو عايش ولا ميت؟ لأنه فقد كل من عرفه. صار الموت عنده احتمالًا واردًا بنفس وزن الحياة".

وتوضح الزين أن الطفلين يتحدثان عن الموت أكثر من أي طفل في عمرهما. أحلامهما، حين تأتي، تدور دائمًا حول القصف والنجاة. ويعانيان من فقدان الشهية واضطرابات النوم، ومن خوف مفاجئ من أصوات لا علاقة لها بالقصف.

تحاول نسرين الوصول بهما إلى بر الأمان ليتمكنا من التعافي، لكن القصف لا يزال قائم، ومسبب الصدمة حاضر.

ويعيش في غزة نحو مليون طفل، فيما تشير اليونيسف إلى أن نحو تسعة من كل عشرة أطفال استشارتهم المنظمة يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي. وكانت اليونيسف قد قالت في يوليو/تموز 2025 إن جميع أطفال غزة باتوا بحاجة إلى هذا النوع من الدعم، بعدما كان نحو نصفهم يحتاجون إليه حتى قبل النزاع.

هذه التجارب المتكررة لا تمر على الأطفال من دون أثر. قد تترك انعكاسات عميقة على صحتهم النفسية، وعلى طريقة استجابتهم للخوف والضغط. ومع استمرار الحرب، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث للطفل حين تتكرر الصدمات قبل أن تتاح له فرصة لاستيعاب ما عاشه أو التعافي منه؟ وهل يمكن التعافي ومسبب الصدمة قائم؟ وكيف يمكن التعامل مع آثارها الجسدية والنفسية؟

تقول المختصة النفسية نورا أبو عيطة: "إن الطفل في بيئة الخطر المستمر لا يحتاج فقط إلى علاج أعراض الصدمة، بل يحتاج قبل كل شيء إلى الأمان والاستقرار وروتين يساعده على استعادة إحساسه بالسيطرة والطمأنينة".

وتوضح أن عودة القصف تعيد تنشيط مشاعر الخوف والتهديد لدى الطفل، وتوقظ ذكريات الصدمات السابقة. عندها قد تظهر مجددًا أعراض مثل الكوابيس والتعلق والخوف وصعوبة النوم.

وعن تفسير عودة هذه الأعراض، وهل تعكس انتكاسة أم صدمة جديدة، تقول أبو عيطة: "قد تكون صدمة جديدة تضاف إلى الصدمات السابقة، وقد تؤدي في الوقت نفسه إلى عودة بعض الأعراض القديمة. لذلك، لا يعني ظهور الأعراض مجددًا أن العلاج فشل. يظل الجهاز العصبي في حالة تأهب مستمر لأنه لا يحصل على فترة أمان كافية، فيصبح الطفل أكثر حساسية للأصوات والمواقف التي تذكره بالخطر".

أما عودة الكوابيس والتبول اللاإرادي والتعلق بالأم، فتفسرها أبو عيطة بأن الطفل قد يعبر عن الخوف والضغط النفسي من خلال السلوك بدلًا من الكلام. وعندما يشعر بالخطر مجددًا، قد يعود إلى سلوكيات كان قد تجاوزها بحثًا عن الأمان والاحتواء.

وتؤكد أن الدعم والعلاج النفسي ممكنان، لكن التعافي الكامل يصبح أكثر صعوبة عندما يظل الطفل معرضًا لخطر حقيقي ومستمر. والخوف والقلق بعد القصف رد فعل طبيعي، لكن الحاجة إلى متخصص تظهر عندما تستمر الأعراض أو تصبح شديدة إلى درجة تؤثر في نوم الطفل أو تعلمه أو لعبه أو علاقاته وحياته اليومية.

وتوضح أبو عيطة أن الصدمات المتكررة قد تؤثر في نمو الطفل، فتنعكس على التركيز والتعلم، وتنظيم المشاعر، وبناء العلاقات، والشعور بالأمان والثقة بالآخرين، خصوصًا إذا استمر التعرض للضغط لفترات طويلة.

وتنصح الأهالي بالحديث مع أطفالهم وتركهم يعبرون عن خوفهم، وشرح ما يحدث لهم بطريقة بسيطة ومناسبة لأعمارهم، من دون إجبارهم على الحديث. ويمكن، مثلًا، القول للطفل: "أنا عارفة إنك خايف، وأنا معك وسنفعل ما نستطيع لنكون بأمان". كما تنصح بتجنب إعطاء وعود لا يمكن ضمانها.

لا يملك الأطفال في غزة ترف أن يتركوا الحرب خلفهم كي يبدأوا التعافي النفسي منها. فالصدمة التي يحملونها لا تأتي من حدث واحد، بل من خوف يتكرر وفقد يتراكم وأمان يغيب باستمرار.

لذلك، لا يتعلق السؤال فقط بكيفية علاج آثار النزاع على الأطفال، بل بكيفية توفير الأمان الذي يجعل التعافي ممكنًا.