بعد مَهمّة إنقاذ استمرت يوميْن متتاليْن، يعود الشاب عبد الله المجدلاوي (26 عامًا) مُتعَبًا إلى منزله، بردائه البرتقالي المُهترئ، وشعرِه الذي تحوّل لونه للأبيض بسبب غُبار الرّكام. تلاحقه أصوات الجرحى العالقين بين طبقات الإسمنت ومشاهد الجثامين، ويرافقها سؤال يتكرر كل صباح: متى موعد صرف الرّواتب؟

مرّ على آخر راتبٍ تقاضاه عبد الله أكثر من شهريْن. يقول مُختصرًا المأساة: "عُدتُ إلى بيتي وعائلتي لا يملأ جيوبي سوى الرّمل وفُتات الحجارة، أُفكّرُ كيف يُمكن أن أتدبّر أمري وأُلبّي احتياجات المنزل بقية الشهر!"

ويسرُد، بصوتٍ يخنقه الحُزن، ما وصفه بانهيار الراتب: "كان دخلي الشهري قبل الحرب 2000 شيكل، تكفيني وتفيض وأدّخر منها، فالأسعار كانت في المتناول، لكن اليوم صار 1000 شيكل مُهترئة أتقاضاها كلّ ثلاثة أشهر أو أكثر. ولا تكفينا أسبوعًا واحدًا، في ظلّ الغلاء"

الصدمة التي يعيشها المجدلاوي مرآةٌ لما يواجهه مئات آلاف الموظّفين والعاملين في غزة منذ أكتوبر 2023، وفق شهاداتٍ رصدناها: زلزالٌ هيكلي ضرب كُتلة الأجور، فتبخّرت القيمة الشرائية للدّخل وتهاوت مُقوّمات السوق المحلي.

من هنا نتتبّع هذا الانهيار في قصة مدفوعة بالبيانات تُجيب عن سؤال واحد: كم يبقى من الراتب أمام كُلفة المعيشة؟ نستند إلى إحصاءات رسمية وآراء خبراء ورصدٍ ميداني أجرته "آخر قصة" لشهادات موظفين وعمال، اخترناها نماذج لا تُمثّل بالضرورة جميع أفراد فئاتها، فالأجر يختلف داخل الفئة الواحدة.

1000 شيكل كل ثلاثة أشهر

عبد الله واحدٌ من نحو 50 ألف موظف حكومي، بحسب خليل حمادة من نقابة الموظفين العموميين في غزة، يعيشون أزمة خانقة جذورها أقدم من الحرب، حين كان يُصرَف لهم 60% من الراتب الأصلي. ومع اندلاعها تقرَّر صرف راتب موحّد، فانهارت الأجور إلى 1000 شيكل كل 3 أشهر أو أكثر، أي 330 شيكلًا للشهر الواحد في أفضل الأحوال، وهو 18% مما كان يُصرَف قبل الأحداث.

وفي التفاصيل، يُضيف حمادة: "لم يتلقّ هؤلاء الموظفون رواتبهم خلال الأشهر السبعة الأولى من هذا العام، سوى بسُلف مالية، لا تكفي لتغطية احتياجات عائلاتهم في ظلّ ارتفاع الأسعار" وبذلك تعيش عشرات آلاف الأسر على سُلَفٍ متفرقة تسدّ جزءًا يسيرًا من الشهر.

بموازاة ذلك، يعصف انهيار الأجور بنحو 35 ألفًا من موظفي السلطة الفلسطينية بغزة، نتيجة احتجاز إسرائيل أموال المقاصة، التي تشكل ثُلثيْ الإيرادات. والاقتطاع الذي شرعنته إسرائيل قبل الحرب بسنوات تصاعد خلال الأحداث حتى بلغ الاحتجاز الكامل لما يزيد على 15 شهرًا. وبحسب وزير المالية، تحتاج الحكومة إلى نحو 1.5 مليار شيكل شهريًا، ولا يتوافر من احتياجاتها المالية سوى نحو النصف، بين 800 و850 مليونًا.

ومن هؤلاء آمال سالم (48 عامًا)، الموظفة الإدارية التي انخفض راتبها من نسبة 80% كانت تتقاضاها قبل الحرب بصورة شبه منتظمة إلى 50% الآن، أي من نحو 3200 شيكل شهريًا إلى 2000. وتضيف: "تتأخّر رواتبا لعدة أشهر، ويتسبب هذا بإزاحة شهورٍ وضياعها علينا لتُرحَّل إلى المستحقات التي لا نعلم متى نُحصّلها"

وتبيّن عند فحص شهادتها أن آخر راتبٍ تقاضاه موظفو السلطة كان نهاية سبتمبر عن شهر حزيران، فتتآكل الأجور بتأخّرها فوق الخصومات. وتتباين نسب الصرف؛ فـوزير المالية يقول إن أكثر من 51% منهم يتقاضون اليوم 80% فأكثر، فيما تذكر آمال أن نسبتها 50%. وبذلك يصير نصف الراتب حدًّا أدنى معلنًا، يتبعه تأخيرٌ يُرحّل شهورًا إلى مستحقات بلا موعد.

وتختصر آمال أثر انهيار الدخل على أسرتها، إذ غيّر خطط العائلة وأعاد تشكيل خريطة الإنفاق. تقول بمرارة: "كنت على وشك تأمين نفقات لتزويج ابني الأكبر، لكن مع اندلاع الحرب وتردّي الوضع المعيشي لم تعُد الفكرة تراودني، فالأولوية صارت تقتصر على تأمين المتطلبات الأساسية".

رواتب بالدّولار.. لم تسلَم

لا يختلف حالُ آمال عن حالِ المعلّمة إيمان أحمد (52 عامًا)، اسمٌ مستعار فضّلته خشيةَ تبعاتٍ إدارية، تعمل لدى "الأونروا" وتعيل سبعة أبناء، التحق اثنان منهم بالجامعة خلال الحرب. تراجع راتبها من 1200 دولار قبل الحرب إلى ألفٍ تقريبًا بعد قرار وقف احتساب فرق العملة في بداية الأحداث، ثم إلى 800 في يناير الماضي. وهو راتب يبدو جيّدًا مقارنة بالقطاع العام، لكن نصفه يذهب لأجرة المنزل، والباقي أقل من حاجة الطعام والغاز والدواء والملابس والمواصلات، فتضطّر للاستدانة.

وتُتابع ساخطةً: "رغم ما نعانيه، نتفاجأ كل فترة بقرار خصم وتقليص جديد من الوكالة، فبعد قرار وقف احتسابهم فرق العملة، أبلغونا بقرار تقليص الرواتب" في إشارة لقرار الأونروا بتخفيض أجور عامليها بغزة 20%.

وبصوتٍ يختنق بالبكاء، تخبرنا أن حالتها النفسية انعكست على صحتها؛ فقد كانت موظفة في منظمة دولية بوضع يُحسَد عليه، وصارت ترفض كثيرًا من طلبات أطفالها وتعتمد في أغلب الأيام على طعام التكية.

وتُبرّر إدارة الوكالة قرارات التقليص بالعجز المالي الذي تعانيه، وفق نائب مدير عملياتها بغزة سام روز، في تصريح أعقبَ القرار: "نعجز عن دفع رواتب موظفينا بفعل الأزمة المالية، وقد بذلنا كل جهد ممكن لتوفير وتأمين الأموال اللازمة لكن لم نتمكن من ذلك".

ويعكس تراجع رواتب موظفي الأونروا عمقَ أزمة طالت منظّمات دولية بحجم الوكالة. فهذه الفئة، بحسب الخبير الاقتصادي محمد أبو جيّاب، كانت تتمتع قبل الحرب بدخلٍ أعلى نسبيًا وأكثر استقرارًا، وصارت اليوم هشّة ماليًا، ما أضعف جزءًا مهمًّا من القوة الشرائية المُعتمدة على سيولتها.

أجور المياومة

عصفت الحرب كذلك بأرزاق شريحة واسعة من عمال المياومة والعاملين بالقطاع الخاص، فوجد مئات آلاف العمال أنفسهم في مهبّ البطالة والفقر، اللذين قفزت معدّلاتهما بصورة مرعبة بفعل انهيار اقتصاد غزة. وانعكس ذلك انعدامًا حادًا للأمن الغذائي تقدّره "يونيسيف" بنسبة 67% من السكان.

خلف الأرقام المفزعة تختبئ قصصٌ لأجسادٍ ووجوه هزيلة، منها قصة أحمد الفرّا (32 عامًا)، الأعزب الذي يُعيل والديه المسنّيْن. كان مُحاسبًا يعمل باليومية في مطعم بأجرٍ يصل إلى 1200 شيكلٍ شهريًا، وصار يركض بين أعمالٍ شاقة، إن وجدَها، لتحصيل مبالغ زهيدة بالكاد تكفي للطعام والشراب.

يُخبرنا، بصوتٍ مبحوح، وهو يستعدّ لنقل حمولة عربة ركام يجرّها بيديه: "بعد أكثر من 20 يومًا قضيتها بلا عمل، وجدت هذه الفرصة؛ أقضي 10 ساعات يوميًا في تكسير وعتل الحجارة بيديّ ثم نقلها بالعربة، أتقاضى فيه نهايتها 80 شيكلًا في اليوم، لثلاثة أيام فقط، سأعود بعدها لدوامة القلق والبحث عن عمل"

أمّا زياد السيّد (27 عامًا)، الذي كان يقف عند أولى عتبات مستقبله قبيل الحرب، فيروي بحزنٍ كيف تحطمت طموحاته على صخرة الواقع: "اندلعت الحرب بعد تخرّجي بشهر، ولم أجد فرصة عمل بمجالي- الهندسة- لكن عثرت على وظيفة مبيعات في أحد المحال التجارية، وأتقاضى 700 شيكلٍ. ورغم الأجر الزهيد أحمد الله على وجود العمل لأعين به عائلتي"

وتكشف شهادتا أحمد وزياد فصلًا إضافيًا من الأزمة: غياب تطبيق الحد الأدنى للأجور المكفول بموجب قانون العمل الفلسطيني، وهو 1,880 شيكلًا شهريًا. وبذلك يعادل أجر زياد (700 شيكل) نحو 37% من الحد القانوني؛ فعلاوة على عدم تطبيقه قبل الحرب، انهار بعدها بفعل الأزمات الاقتصادية وغياب الرقابة، وهو ما وثّقه تقرير سابق لـ"آخر قصة".

نصفُ الراتب عمولة!

هذه الشهادات صورٌ مصغرة لمعاناة أوسع؛ فقد استجدّت خلال الحرب أزمات طاحنة، في مقدّمتها شحّ السيولة وارتفاع نسب العمولة. فمع تعطّل النظام المصرفي وانهيار البنى التحتية ومنع الاحتلال إدخال النقد، تفاقم الشحّ في ظل سياسات إسرائيلية متعمّدة لتجفيف السيولة، منها إعدام الثقة بفئة العشرة شواكل المعدنية، ورفض تصريف العملات الورقية المهترئة وتداولها بلا بدائل، ما أخرج نسبة كبيرة من السيولة عن الخدمة.

لكن السؤال الأهم: كم يصل من الراتب إلى يد صاحبه بعد أن تأخذ الصرافة حصتها؟ فقد ظهرت أزمة العمولة، إذ تُستَوفى نسب مرتفعة على النقد المسحوب من الأرصدة البنكية، وهو ما عُرِفَ بـ"التكييش". ومن نسبة 10% في الشهور الأولى للحرب، تصاعدت حتى تجاوزت 50% في الشهور الوسطية للعام 2025، لتهبط لاحقًا إلى نحو 35%–37% في أغسطس وسبتمبر 2025، ثم واصلت الهبوط بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر من العام نفسه وتحوّل غالبية التعاملات المالية عبر المحافظ والتطبيقات البنكية. ولا تتوافر بيانات دقيقة لنسبة كل شهر، فقد تذبذبت العمولة وتباينت بين المناطق ومن صرّافٍ لآخر.

وبذلك يتجاوز نزيف الأجور التراجع الاسمي إلى فخّ التكييش القسري، إذ ابتلعت عمولات الصرافة مبالغ هائلة من أموال الموظفين والعمّال قبل أن تلامس أيديهم. ولتقريب الصورة نحتسب ما تقضمه العمولة من راتبيْ آمال وإيمان اللتين كانتا تتسلّمان راتبيهما نقدًا من صرّافين، ونستبعد باقي الحالات: فعبد الله، كسائر موظفي الحكومة، يتسلّم راتبه نقدًا فلا يخسر بالعمولة وإن خسر باهتراء العملة، وأجرا أحمد وزياد متغيّران وكذلك طريقة استلامهما.

وباحتساب العمولة على حدّيها، الأدنى 10% بداية الأزمة والأقصى نحو 50% (تقدير متحفظ) في الذروة، كانت آمال، التي يصل راتبها نحو 2000 شيكل بعد الخصم الحكومي، تخسر 200 شيكل بداية الأزمة و1000 في ذروتها. أمّا إيمان، التي كان راتبها خلال الحرب نحو ألف دولار، فكانت تفقد منه 100 دولار في البداية و500 في الذروة، فلا يتبقى معها سوى نصف راتبها قبل أن تشتري طعامًا أو تدفع أجرة منزلها.

ويضاف إلى ذلك فاقد اهتراء العملة التي تفقد جزءًا من قيمتها عند التداول، وهو ما تحدّث عنه عبد الله، مع صعوبة احتسابه لتغيّره بين الشهور ومن بائعٍ لآخر. وللمُفارقة يقول: "أحيانًا أتمنى فقط أن أتقاضى راتبًا كاش، حتى لو سأدفع نصفه عمولة، فالواقع أسوأ من هذا حتى" ويشرح أن الباعة والصرّافين يرفضون العملات المهترئة، وموظفو حكومة غزة جميعهم يتقاضون رواتبهم بها، فلديه مبالغ بأكملها مركونة لا يستطيع الشراء بها ولا تصريفها.

غلاءٌ يلتهم ما تبقى

يقرأ الخبير الاقتصادي أبو جيّاب هذه المنعطفات انطلاقًا من اقتصاد غزة قبل الحرب: بطالة وفقر وأجور متدنّية، لكن بسوق عمل أكثر انتظامًا ومصادر دخل متعددة، قبل أن تنفجر معدلات البطالة والفقر. ويقول إنّ هذا الانهيار أنتجَ خارطة أجور شديدة الاستقطاب: أقلية بأجور منتظمة كالمؤسسات الدولية، وغالبية ساحقة تنقسم بين موظفي الحكومة بأجور غير منتظمة ومتآكلة، وعمال المياومة بأجور زهيدة وعمل متقطّع، وفئة بلا رواتب تعتمد على المساعدات الإنسانية.

وبينما تحاول الفئة الأولى التكيف مع الغلاء، تغرق الفئة الأوسع في العوز والديون. فالمشكلة، وفق أبو جيّاب، تمتد من مستوى الأجر إلى تكلفة الوصول للنقد، إذ تلتهم العمولة جزءًا من القوة الشرائية قبل أن يصل الراتب إلى صاحبه. وانخفض الاستهلاك بنحو 81% خلال 2025 مقارنة بعام 2023، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء، ما يعني أن الأسر صارت تشتري أقل بكثير، وأن الأثر تجاوز تأخّر الراتب إلى انهيار القيمة الشرائية.

ولقياس ما يغطّيه الراتب من السلّة بعد فاقد العمولة (لآمال وإيمان اللتين تدفعان عمولة)، اعتمدنا نقطتيْن زمنيتيْن عند أدنى العمولة وأقصاها، تبعًا لأرقام جهاز الإحصاء وسلة الحد الأدنى للإنفاق الصادرة عن برنامج الأغذية العالمي، مع أن كلفة السلة لم تثبت خلال أشهر الحرب. بلغت السلة قبل الحرب 1717 شيكلًا، وارتفعت بداية الأحداث إلى نحو 1920 شيكلًا، وقفزت وقت ذروة العمولة إلى 11,984 شيكلًا. والمعادلة: (الراتب بعد خصم العمولة ÷ قيمة السلة × 100). وللمقارنة، كان راتب عبد الله قبل الحرب (2000 شيكل) يغطي نحو 116% من سلة ما قبل الحرب، وراتب آمال (3200 شيكل) نحو 186%.

فقد كان راتب آمال بعد خصم العمولة يغطي 94% من السلّة في بداية الأزمة و8% في ذروتها (باعتماد راتبها الحالي، 2000 شيكل، في النقطتين، وهو أقل مما كانت تتقاضاه في بدايتها، فالنسبة الفعلية لتلك الفترة أعلى). أمّا إيمان، فبتحويل المتبقّي من راتبها إلى شيكل بسعر الصرف في كل فترة، كان المتبقي بعد العمولة 900 دولار (3,570 شيكلًا) بداية الأحداث، يغطّي 186% من السلّة، وصار 500 دولار (نحو 1,675 شيكلًا) في الذروة، يغطّي 14% فقط.

وبدون عمولة، كونه يتقاضى راتبه نقدًا، كان راتب عبد الله يغطي نحو 17% من السلة في بداية الأحداث، وهبط إلى نحو 2.8% في ذروتها، ويغطي اليوم نحو 5.5% من السلة بمتوسطها الحالي (6 آلاف شيكل)، قبل ما يخسره باهتراء العملات.

وتقدَّر السلة الغذائية والمعيشية الأساسية الحالية بنحو 6 آلاف شيكل شهريًا بحسب المختص الاقتصادي عمر صلّوحة في تقرير سابق لـ"آخر قصة"، وهو تقدير مستقلٌ عن سلة "الأغذية العالمي" المستخدمة للفترات السابقة. ورغم انخفاض الأسعار عن ذروتها، تبقى مرتفعة كما يظهر في مرصد السوق لأغسطس الماضي، إذ تقارب الزيادة في بعض السلع الغذائية 340%، وتتجاوز 1000% في غير الغذائية، مقارنة بأسعار ما قبل الصراع.

ويبدو واقع موظّفي القطاع الخاص وعُمال اليومية أكثر قتامةً؛ فزياد، الذي يتقاضى اليوم 700 شيكل شهريًا، يغطّي أجره 11.7% فقط من السلّة بقيمتها الحالية. ولا نحتسب نسبته في الفترات السابقة لعدم توفر بيانات عمّا كان يتقاضاه، فأجره وطريقة استلامه تغيّرا مرارًا.

وبتأمّل الأرقام وتمثيلها البياني، تظهر فجوة ساحقة بين ما يتبقّى للموظف من راتبه والحجم الفعلي للاحتياج؛ فلم تُغطِّ الرواتب في الذروة سوى جزءٍ يسير من كلفة المعيشة، واقتصر الإنفاق على الضروريات.

استنزاف المدخرات

دفعت هذه الظروف موظفين، ومنهم عبد الله، إلى أشغال جانبية؛ فالشاب الذي يستعدّ للزواج ينتهي من نوبات الإنقاذ المرهقة ليتوجّه مباشرة إلى عملٍ آخر، يعوّض به ما تأكله العمولة والغلاء وتأخر الراتب.

وتمتد الآثار إلى ما بعد الراتب؛ فالعجز الحاد في القدرة الشرائية دفع الموظفين والعمال إلى صرف مدّخراتهم وبيع أصول، ثم الاستدانة. وبحسب أبو جيّاب، أصبحت ثلاثة أرباع أسر غزة مدينة. وتكمن الخطورة في تدمير رأس المال الاقتصادي للأسر؛ فالأسرة التي باعت أدوات عملها أو أرضها لتأمين الغذاء اليوم، ستجد صعوبة في العودة إلى الإنتاج غدًا.

وبتحليل ما رصدناه، يتضّح مسار انهيار الأجور كما في التمثيل أعلاه: أجور تنخفض، فقيمة فعلية تتآكل بالعمولات، ومتبقٍّ يُستنزَف سريعًا بفعل الغلاء، ثم مدخرات تُصرف وأصول تُباع وديون ترتفع، لنصل إلى أجور بلا قيمة تسلبُ العائلات قدرتَها على التعافي.

وعند العودة إلى السؤال الذي طرحناه في البداية: كم يبقى من الراتب؟ تحمل الحالات جزءًا من الجواب، لكن حساباتنا تُعد في الغالب سقفًا لما يبقى فعليًا (باستثناء تغطية آمال في بداية الأزمة، فهي أدنى من الواقع)؛ فعند تتبّع الراتب من خصمه إلى يد صاحبه اصطدمنا بما يصعُب قياسه: عملاتٌ مهترئة لا تُصرَف، ورواتب تُرحَّل أشهرًا، وعمولة تتبدّل من صرّاف لآخر، وسلّةٌ لم تثبت كُلفتها. وما يُخفيه هذا كله يوسّع الفجوة أكثر ممّا تُظهره الأرقام.

وهكذا؛ بينما يتشبّث عبد الله بحلم زفافٍ وسط غبار الرُّكام، وتُغالِب إيمان عزّةَ نفسها بعدما أنهكَها العوَز، يبقى السؤال الأهم: هل من أفقٍ قريب يُوقِف نزيف الأجور ويحفظ كرامة الموظفين والعمّال؟ أم أن اقتصاد غزة بات رهينةً لدوامة البقاء وسط المعارك اليومية لتوفير لُقمة العيش؟