"ابنتي تموت أمام عينيّ ولا أستطيع فعل شيء لها"، بهذه الكلمات الثقيلة يصف بسيم الكرد حال طفلته دلال -11 عامًا- التي تتمدّد بجسدها الهزيل على سرير متواضع في مكان نزوحهم بمدينة غزة. فمنذ إصابتها عام 2024 بشظية اخترقت كبدها ومزّقت أحشاءها، خضعت لعدة عمليات جراحية، إلّا أنها لا تزال بحاجة عاجلة لجراحةٍ دقيقة تتطلّب طبيبًا مُتخصصًا لم يعد موجودًا في قطاع غزة. 

تتفاقم المضاعفات الصحية عند دلال، التي يقول والدها إنه تمكّن من استصدار تحويلة طبية لها، لكنها "حبرٌ على ورق في ظل استمرار إغلاق المعابر". بينما لا تملك الطفلة التي يتضاءل جسدها يومًا بعد آخر ترف الانتظار، فوظائفها الحيوية تتراجع، وعيناها تزداد اصفرارًا؛ أمام أعين ذويها الذين يقفون أمامها عاجزين، ويُراقبون تدهور حالة صغيرتهم دون القدرة على فعل شيء يُنهي معاناتها.

حالةُ الطفلة دلال تُجسّد مأساةً يعيشها المرضى في قطاع غزة؛ حيث تحول النقص في الأطباء ونُدرة أطباء التخصّصات الدقيقة إلى حكمٍ بالموت البطيء داخل المستشفيات وخارجها، دون تشخيص، ومع وقف كامل لعمليّات نوعية، وطوابير وقوائم طويلة من المرضى ينتظرون دورهم للفحص أو العلاج الذي قد يتأخر لأسابيع أو أشهر، وربّما لا يحدث بالمُطلق لعدم وجود الطبيب المنشود.

تناقص تدريجي في أعداد الأطباء

تُشير البيانات التي جمعناها من مصادر عديدة إلى أنّ أزمة نقص الأطباء في قطاع غزة، لم تبدأ في أكتوبر 2023، إنّما هي نتاجٌ لمسارٍ متصاعدٍ من الاستنزاف الممنهج، والممتد على مدار سنوات الحصار- منذ 2007- والهجمات الإسرائيلية المتكررة، وصولًا إلى الوضع الحالي الذي أفرزته الحرب المستمرة للسنة الثالثة على التوالي، في ظلّ الانهيار الهيكلي الشامل للمنظومة الصحية.

ولتوضيح ملامح هذا المسار، نعود إلى ما قبل الحرب، وتحديدًا إلى صفحات التقرير السنوي للعام 2022، الصادر عن وزارة الصحة الفلسطينية بغزة، في إبريل 2023. وبتأمّلٍ دقيقٍ لمعطياته، نجد أن إجمالي عدد الأطباء العاملين في القطاع- عام صدور التقرير- بلغ 3,478 طبيبًا، منهم 1,565 طبيبَ اختصاص، فيما سجّل مؤشر الأطباء لكل 10,000 نسمة 15.8، أي ما يعادل طبيبًا واحدًا لكل 632 نسمة تقريبًا.

بمقارنة هذا المؤشر بالمُعدل العالمي لكفاية الأطباء، الذي تحدّده منظمة الصحة العالمية بحوالي 23 طبيبًا كحدّ أدنى، لكل 10 آلاف نسمة، يظهر جليًا العجز في العدد الكلّي لأطباء غزة، مقارنة بعدد السكان الذي كان في حينه 2,196,407 مواطنين. أمّا مؤشر أطباء الاختصاص، في العام نفسه فيهبط إلى 7 (باحتساب عدد أطباء الاختصاص ÷ عدد السكان × 10,000)؛ أي طبيبُ اختصاصٍ واحد لكل 1,403 نسمة.

يُؤكّد هذه المعطيات تقريرٌ حقوقي، صادر في العام نفسه، عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، يذكر أنّ المنظومة الصحية عانت بغزة من هشاشة مزمنة جراء سنوات الحصار، شملت إلى جانب العجز في الأرصدة الدوائية والإمكانات والأجهزة "نقصًا حادًا في الكوادر الطبية المتخصصة ذات الكفاءة العالية".

طبيب واحد لكلّ 5000 مواطن

ولمعرفة حجم النزيف في الكوادر الطبية، وكيف تغيّرت هذه الأرقام بين العامين 2022 و2026، تحدّثنا إلى مدير الشؤون الإدارية في وزارة الصحة الفلسطينية بغزة، محمود حماد، الذي أدلى بمعطيات صادمة، فالعدد الحالي للأطباء المتواجدين على رأس عملهم في قطاع غزة تراجع من 3,478 إلى 1,434 طبيبًا فقط، وأطباء الاختصاص تناقصوا حتى وصل عددهم إلى 413 طبيبًا، من أصل 1,565 طبيب اختصاص.

 

وبتحليل التمثيل البياني أعلاه، نستنتج انهيار مؤشر الأطباء بغزة للعام 2026 (تبعًا لعدد سكان القطاع البالغ نحو 2.13 مليون نسمة) ليصل إلى نحو 6.7 طبيبًا فقط لكل 10,000 نسمة؛ أي ما يعادل طبيبًا واحدًا لكل نحو 1,485 نسمة، ومؤشر أطباء الاختصاص الذي ينحدر إلى نحو 1.9 طبيب اختصاص لكل 10,000 نسمة فقط؛ ما يعادل طبيب اختصاص واحد لكل 5,157 نسمة تقريبًا.

وفي تفسير أسباب الفاقد في الأطباء، يُوضّح حماد أنّ وزارة الصحة وحدها فقدت منذ أكتوبر 2023 حوالي 181 طبيبًا من برامج الاختصاص المختلفة، منهم 48 طبيبًا استشهدوا خلال الأحداث، وأكثر من 40 طبيبًا معتقلًا في سجون الاحتلال، فيما فقدنا العدد الأكبر بمغادرته قطاع غزة تحت وطأة الحرب المستمرة. 

ويشير حماد أنّ هذا الرقم يخصّ تحديدًا الأطباء المعيّنين مباشرة في صفوف وزارة الصحة، لا إجمالي أطباء الاختصاص العاملين في القطاع من كل الجهات، وهو ما يُفسّر الفارق بينه وبين رقم التراجع الكلي في أعداد الاختصاصيين المذكور آنفًا.

وكما تُبيّن الأرقام، تتجاوز الأزمة النقص العادي إلى العجز الهيكلي الخطير. ورغم العجز السابق في أعداد الأطباء كانت إدارات القطاع الصحي، ممثلةً بوزارة الصحة، تُوزّعهم على المستشفيات والعيادات في محاولة للتكيّف مع النقص الموجود، لكن تدمير البنية التحتية الطبية وإجبار الكوادر على النزوح المتكرر، وتهديد حياتهم بشكل مُباشر بالقتل والاعتقال، أدّى إلى تقلّص تدريجي أوصل أعداد الأطباء، العامّين والمتخصصين إلى أرقام خطيرة، حتى تحوّلت المراكز الصحية إلى محطات انتظار لأطباء لن يأتوا.

لكن في أقسام الطوارئ، تختلف الصورة، ويُصبح الانتظار سباقًا خاسرًا مع الوقت، يروي تفاصيله رئيس قسم الطوارئ في مستشفى شهداء الأقصى، الطبيب جمال الحرازين، ويقول إنّ: "النقص الحاد في الكوادر الطبية المتخصصة والاستشاريين تحديدًا أثّر بصورة سلبية فادحة على جودة الرعاية الصحية المقدّمة للمرضى في المستشفيات، خاصة عند التعامل مع الإصابات الحرجة في أقسام الطوارئ". 

خارطة التخصصات الطبية المفقودة

بملامح أنهكها الوجع، وجسد يصارع آلامه بصمت، تقضي سناء الوادية (55 عامًا) أيامها معلقة بين رجاء الشفاء وقسوة الانتظار، بينما تدور في داخلها معركة قاسية مع ورمٍ خبيث يُسيطر على جهازها الهضمي، ولم تُفلِح سلسلة العمليات التي خضعت لها بوقف تآكل المعدة والكبد والكلى والأمعاء لديها، حتى اضطّر الأطباء لتركيب فتحة إخراج جانبية لها.

اليوم، تقف السيدة سناء على حافة هاوية، لا تعرف كم تبقّى لها من الوقت لتعيشه مع عائلتها قبل أن يستسلم جسدها للمرض؛ بعد أنّ أخبرها الأطباء أن لا أمل للعلاج في غزة، وأنّ وضعها الصحي وصل مرحلةً حرجة، وبحاجة لعملية جراحية دقيقة لا يُمكن إجراؤها في غزة لعدم وجود طبيب متخصص فيها. حتى اضطرّت العائلة لنشر مناشدة إنسانية لتحويلها للعلاج خارج القطاع. 

وحالة الوادية، هي واحدة من حوالي 11 ألف مريض سرطان في غزة والتقديرات الأحدث لمنظمة الصحة العالمية ترفع عددهم إلى 12,500، بينما يُحذر الأطباء أنفسهم من أن الرقم الفعلي قد يكون أعلى بسبب انهيار قدرة التشخيص، فيما  يُفاقم معاناتهم العجز الكبير في أدوية السرطان وامراض الدم، بنسبة 61%، فضلًا عن التوقّف التام للفحوص المخبرية الخاصة بالأورام.

تبدو هذه الحقائق صادمة، لكن ما يصدم أكثر هو ربطها بشهادة مدير الشؤون الإدارية في وزارة الصحة محمود حماد، يقول فيها إنّ العدد المُتبقّي من أطباء الأورام في قطاع غزة، هو طبيب واحد أو اثنان، بمعنى أن الفاقد في أطباء الاورام يسجّل، وفق تقدير الوزارة 100% تقريبًا.

ويشرح أنّ تخصّص الأورام كان يشهد عجزًا في الأطباء من قبل 2023، لكن الوزارة كانت تُدير الأزمة بالكوادر الموجودة، وتُحاول الحد منها بتحويل حالات للعلاج بالخارج، وهي وحدها من كانت تتولى هذا الملف لارتفاع تكلفته، لكن الآن من كان يتواجد من تلك الكوادر غادر غزة بسبب الحرب، وفي الوقت نفسه يواصل الاحتلال القيود على سفر مرضى السرطان، ولا يسمح إلا بخروج عدد ضئيل جدًا منهم.

ويمتدّ نقص الأطبّاء لتخصصات أخرى، سُجِّلت في مجالات: الجراحة العامة، والأطفال، والباطنة العامة، والنساء والتوليد. بحسب حمدا، الذي يُشير إلى طبقة إضافية من الأزمة تتجاوز النقص العددي في التخصصات، وهو ما يُمكن تعويضه بالأطباء الجُدد، لكنّ المعضلة الأكبر هي في "عناوين الطبّ والاستشاريين، وأصحاب الخبرات الطويلة التي تمتد لعشرات السنوات في التخصصات الدقيقة، فلا يُمكن تعويض هؤلاء في وقت قصير".

يُفسّر حماد هذا بقوله: "أقل اختصاص طبّي يحتاج 5 سنوات وأكثر، من التدريب والممارسة، لنكون أمام طبيب متخصص معتمَد، وبالتالي القطاع الصحي بغزة بحاجة إلى 5-7 سنوات كحد أدنى، لتعويض ما فقدناه من أطباء الاختصاص".

هذا العجز المرعب في هرم الكوادر المتخصصة والاستشارية ينعكس بصورة قاسية في أقسام الطوارئ وغرف العمليات، فيغدو غياب الطبيب المُتخصص صاحب الخبرة، الفارق بين الحياة والموت. وفي هذا السياق بالتحديد، يوثّق الطبيب جمال الحرازين، المشهد في قسم الطوارئ بمستشفى شهداء الأقصى الذي بات، كغيره من مستشفيات القطاع، يفتقر تمامًا لتخصصات دقيقة وحيوية لا يُمكن إتمام أيّ تدخل جراحي طارئ دونها.

وبحسب الحرازين ، تتصدّر قائمة الغياب والتخصصات المفقودة مجالات لا تحتمل الانتظار، في مقدمتها: جراحة الأوعية الدموية، وجراحة القلب والصدر، وجراحة الأطفال، وجراحة الأعصاب الطرفية. وكما يصف الطبيب، أصبحت الطواقم المتبقية تقف عاجزة أمام إصابات بالغة الدقة؛ كأن يصل مريضٌ يعاني من تهتّك في الأوعية الدموية أو إصابة حرجة في الصدر والقلب، فلا يجد استشاريًّا قادرًا على إجراء التدخل الجراحي العاجل والمطلوب.

ويتفق معه استشاري الباطنة والصدرية، الطبيب أحمد الربيعي، الذي قال إنّ غالبية استشاريي تخصصات القلب والصدرية غادروا قطاع غزة، ولم يتبقَّ حاليًا سوى استشاري قلب واحد، هو الوحيد الذي بإمكانه إجراء عمليات القسطرة والقلب المفتوح في غزة. وفي تخصص الصدرية، لم يتبقّ فيه من الاستشاريين سواه وطبيبين آخريْن.

الأمر ذاته ينسحب على تخصص الغدد الصمّاء، والجهاز الهضمي. بحسب الطبيب، الذي يُشير إلى أنّ نقص التخصصات الدقيقة يضطّر ما تبقّى من الأطباء لمتابعة حالات مرضى من تخصصات مختلفة.

بمعنى أنّ الأطباء أصبحوا أمام متابعة اضطّرارية لحالات مرضيّة لا تقع ضمن اختصاصهم  الدقيق، ويقول الربيعي عن هذا "كنا نضطر للقراءة عنها أو سؤال أطباء آخرين داخل وخارج القطاع، لنعرف كيفية التعامل معها".

وفي توثيقٍ لتجربة الأطباء الذين غادروا غزة، يروي لنا استشاري المسالك البولية بمجمع الشفاء الطبي -سابقًا- الطبيب فايز زيدان، فصلًا أليمًا من الاستنزاف الذي تعرّضت له كوادر وزارة الصحة خلال ذروة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة المندلعة منذ أكتوبر 2023 حتى الآن؛ فبعد شهرين من الحصار داخل المجمّع، نزح قسرًا مع عائلته لوسط القطاع، ليصطدم بعدم استيعابه في المستشفيات هناك لوجود عدد كافٍ من الأطباء. ومع تفاقم ظروف الحرب القاسية التي تزامت مع ظروف عائلية خاصة، كان القرار بمغادرة غزة نحو روسيا لإنقاذ عائلته. مؤكدًا أن العديد من زملائه خرجوا بحثًا عن النجاة بعد إنهاكهم بين نزوح ومجاعة وقصف. 

 

مضاعفات ووفيّات غير مسبوقة

ينعكس هذا الفَقد ومعطياته المعقّدة، على أجساد المرضى التي تتفاقم أوجاعهم، دون تشخيص دقيق يُجلي مسار التدخّل الطبي، أو يوضّح العلاج المناسب، وهو ما يعيشه الشاب محمد العمور (25 عامًا)، منذ شهرٍ كامل، بعد أن أُصيب بنزيف دمويّ مفاجئ من أصابع قدمه. يروي لنا محمّد فصولًا من الخوف والانتظار والإرهاق المستمر، دون الحصول على تشخيص لحالته.

يقول العمور عن رحلة التخبّط والبحث في المستشفيات عن طبيب أوعية دموية لفحصه: "توجّهت للمستشفى الكويتي، فأخبروني أنني بحاجة لطبيب أوعية دموية، لكن الطبيب الوحيد المتوفر كان يحتاج 3 ساعات ليصل، وحالتي لم تكن تحتمل الانتظار، فالنزيف لا يتوقف. اضطررت للذهاب إلى مستشفى ناصر في خانيونس جنوب القطاع، ليخبروني هناك أن حالتي لا تستدعي طبيب أوعية، واكتفوا بلفّ قدمي وتحويلي لطبيب عظام ثم طبيب صفائح ثم طبيب الأوعية من جديد".

ويُتابع الشاب بمرارة: "كل طبيب كان يعطيني تشخيصًا مختلفًا؛ ولم يتمكن أحد منهم حتى الآن من تشخيص ما يحدث لي". ولا يزال سبب النزيف عند محمد مجهول، ويُعطّله عن ممارسة عمله ومهامه منذ أكثر من 3 أسابيع.

فيما يواجه محمد عياش (55 عامًا)، شكلًا آخر من الصراع مع الوقت، أشدّ قسوة، فهو يعاني من مرضٍ عُضال في القلب أصابه قبل الحرب، لكن تدهورت حالته في الشهور الأخيرة حتى بات بحاجةٍ عاجلة لتركيب 3 دعامات قلبية لإنقاذ حياته. وهي عملية باتت مستحيلة داخل مشافي غزة التي تفتقر لجرّاحي القلب من جهة، وللدعامات والأجهزة التي تتطلّبها العملية.

يُفكّك الطبيب الحرازين الوضع الذي وصل إليه المريض عياش بقوله إن النقص في أطباء واستشاريي طب القلب لا يتوقف عند تأخير التدخلات الفورية، مثل القسطرة القلبية لمرضى الجلطات الحادة. بل يؤدي لإرجاء أو توقف عمليات منقذة للحياة، ممّا يزيد معدل المضاعفات الخطيرة وتدهور الحالات، سواء على المرضى العاديين، أو مصابي الحوادث/ إصابات الحرب.

وبينما تُدلل حالة الشاب العمور مباشرة على تأثير أزمة غياب الطبيب المتخصصّ في أوقات الطوارئ، تزيد على هذا حالةُ المواطن عياش، بكشف تعقيدات أخرى تعصف بمرضى غزة، الذين يُتركون للمعاناة بين نُدرة الأطباء من جهة، وانهيار سائر مقومات المنظومة الطبية من الجهة الأخرى.

كما يظهر في المخطط الانسيابي أعلاه، وبحسب تقرير سابق أعدّته "آخر قصة"، يتشظّى القطاع الصحي بين أزماتٍ مركّبة، تفاقمت وازدادت تعقيدًا على مدار سنوات الحرب، بما تسببت به من دمار واسع للبنية التحتية، ونسب خطيرة للعجز الدوائي والمخبري، وعجز شديد في الإمكانيات والمستلزمات والأجهزة. وفوق هذا كله إغلاقٌ للمعابر وحرمان للمرضى من السفر للعلاج خارج غزة.

يبرهن الطبيب زيدان هذا بشهادته حول "التدمير الشامل الذي طال الأجهزة الطبية، في المستشفيات الحكومية تحديدًا، بسياسة متعمدة من الاحتلال؛ فأجهزة تفتيت الحصى، والمناظير، والدعامات المنقذة للحياة في مجمع الشفاء سُحقت تمامًا، ويقاس على هذا الأجهزة في بقية التخصصات، ولم يتبقَ في غزة حاليًا في المراكز الخاصة أيّة بدائل تضاهي ما دُمِّر في المستشفيات الحكومية".

ويوضح أن خروج مجمع الشفاء تحديدًا عن الخدمة خلال النزاع -وهو الذي كان يغطي ما يصل 70% من الخدمات- ساهم بتراجع الخدمة الطبية بالنسبة ذاتها، وسرّع انهيار المنظومة بالعموم، وعليه. ويُضيف "ربّما هذا ما جعل قرار مغادرة القطاع أقل وطأة على الأطباء، فنتيجةً للانهيار لم يعودوا قادرين على ممارسة عملهم".

وبينما تُقرّ وزارة الصحة بهذه المعطيات؛ تشير إلى أنّ هذه الأزمات المركبة، ومنها العجز الكبير في أطباء التخصصات، أثّرت بصورة كبيرة وقاسية على جودة الخدمات الطبية المقدّمة لمرضى غزة، ورفعت معدلات الوفيات والمضاعفات الحادة للإصابات والأمراض بشكل غير مسبوق، إلا أنّه يتعذّر تقديم أرقام رسمية لقياس هذا التأثير، كون المضاعفات تطال المرضى جميعهم، والوفيات تحدث داخل وخارج المستشفيات.

منظومة منهارة

 

التراجع الحاد في الخدمة الطبية، كأحد نتائج انهيار المنظومة، وفق شهادة الطبيب زيدان مدعومةً بإفادة الوزارة، ينعكس في الرقم المعلن من قبل "الصحة" لوفاة أكثر من 1517 مريض من إجمالي 21 الفًا مُسجلين للسفر للعلاج خارج قطاع غزة. وقد تعددت أسباب الوفاة بين نقص الأدوية وشح الأجهزة ونقص الأطباء وكذلك إغلاق المعابر. ومن هذه الوفيّات، مرضى من تخصصات مفقودة أو شحيحة في غزة، وهو ما يتضمّن دلالة على أنّ تأثير نقص الأطباء تجاوز المضاعفات والتشخيص المجهول ليصل ببعض الحالات إلى الوفاة بينما تنتظر فُرصةً للعلاج.

ماذا عن أداء ومسؤولية وزارة الصحة في دعم صمود الأطباء في غزة؟ يُجيب الطبيب زيدان، الذي غادر غزة في العام الثاني للحرب، ويستقر حاليًا في نيجيريا، بأن: "الوزارة عانت من غياب تنظيمي شبه تام، وانقطاع كامل تقريبًا مع الكوادر الطبية وسط ظروف حرب الإبادة والانهيار المتسارع وغير المسبوق في المنظومة؛ إذ اختفت إدارات الوزارة تحت وطأة القصف والاستهداف المتعمّد لهم من قبل الاحتلال، وهو ما تسبب- ضمن عوامل عدة منها السعي للنجاة- بخروج أطباء من غزة". 

ويضيف أنه رغم قسوة الظروف التي فاقت قدرة أي منظومة على الصمود، واصل الأطباء حينها العمل بضمائرهم ووفق ما يتوافر من إمكانيات لخدمة المرضى، قبل أن تضطر الوزارة لاحقًا لمحاولة رأب الصدع بالسبل المتاحة.

وعلى ذكر رأب الصدع، تعمل وزارة الصحة حاليًا، كما أفاد مدير الشؤون الإدارية فيها، على تفكيك الأزمة أملًا في حلّها، عبر استقطاب عدد من أطباء الاختصاص، لإدخالهم في برامج الاختصاص المختلفة، عبر برنامج البورد الفلسطيني، بالتنسيق مع المجلس الطبّي، لبدء تعويض ما تم فقده من كوادر متخصصة. لكن لن يتأتّى هذا فور اجتياز الأطباء شهادة البورد، فهُم بحاجة للتدريب لفترة لا تقل عن 5 سنوات.

وفي إشارة إلى مدى مُساهمة الوفود الطبّية التي تعمل في الحدّ من تأثير الأزمة، يفيد حماد بوجود تقليص كبير في الوفود التي تدخل غزة حاليًا، فهذا خاضع للموافقة الأمنية من الاحتلال، ولو تواجدت فهي لا تغطّي الاحتياج، وتعمل لفترة زمنية قصيرة جدًا، ولا تُجري جراحات مثل الأورام والقلب، لعدم وجود أجهزة لا مستلزمات طبية مثل القساطر والدعامات والمستهلكات المنقذة للحياة.

وفي التفاصيل، يضيف حماد أن الوزارة: "تسعى مع شركائها في غزة والمنظمات الدولية لتوفير ولو أدوات استكشافية للتشخيص وتقديم الرعاية الطبية وإجراء العمليات وفق حالة كل مريض".

وفي نهاية المطاف، لو أردنا جمع ما سبق من بيانات، في صورةٍ واحدة، سنكون أمام مشهد لمريضٍ بلا طبيب، ولا تشخيص، ولا دواء، وساعة تتلاحق عقاربها دون توقّف، فنحن أمام نزيفٍ حقيقي للعقول والخبرات والكوادر المتخصصة.

ومع استمرار إغلاق المعابر وضعف القدرة على حماية ودعم الكوادر الطبية، يعيد نقص الأطباء رسم خريطة الموت في غزة، لتتحول المضاعفات البسيطة إلى خطرٍ محدق بالحياة، لعدم وجود طبيب متخصص، وهو ما يطرح تساؤلًا حول الحق في العلاج، الذي يكفله القانون الدولي، ولكن يغيب عن غزة، لتُترك الصغيرة دلال، وسائر المرضى لمُواجهة مصيرهم.