تتزايد شكاوى الأهالي في المناطق التي تشهد توترًا أو أحداثًا طارئة من سلوكيات عدوانية وعنيفة تصدر عن أطفالهم، وخاصة المراهقين، بصورة مفاجئة، ولم تكن جزءًا من طباعهم المعتادة قبل وقوع تلك الأحداث. ويصبح السؤال الملح: كيف يمكن التعامل مع الطفل الذي يظهر سلوكًا عنيفًا، قبل أن تكبر معه هذه التصرفات وتصبح جزءًا من سلوكه؟

وبحسب منظمة إنقاذ الطفولة الدولية، عاش أكثر من 473 مليون طفل في مناطق متأثرة بالنزاعات عام 2023، أي نحو 19% من أطفال العالم، أو قرابة طفل واحد من كل خمسة. ويكبر هؤلاء الأطفال في ظروف شديدة الخطورة، من بينها انعدام الأمن والتعرض للعنف.

وتشير المنظمة إلى أن التعرض المطوّل للحرب والخوف من المجهول يمكن أن يسبب مستويات مرتفعة من الضغط النفسي لدى الأطفال، فيما يواجه أطفال في مناطق نزاع مختلفة، مثل غزة وسوريا واليمن، تجارب متشابهة من الفقدان والدمار، قد تترك آثارًا طويلة الأمد على صحتهم النفسية والجسدية.

يتعرض الأطفال في مناطق النزاع للقصف والنزوح وفقدان أفراد من عائلاتهم ومحيطهم، إلى جانب تدمير المنازل والمدارس وتعطل الوصول إلى الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، ما قد يؤثر في شعورهم بالأمان ويترك آثارًا نفسية وسلوكية مختلفة.

تأثير الحرب

تؤثر الأحداث المؤلمة في الصحة النفسية والعاطفية للأطفال في مناطق النزاع بطرق مختلفة، وقد تترك آثارًا طويلة الأمد إذا لم يحصل الأطفال على الدعم المناسب.

وتظهر هذه الآثار في صور متعددة، من بينها:

القلق والخوف

ترتفع مؤشرات الاضطرابات النفسية بين الأطفال والشباب في سياقات الحرب. ووفق بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان، يشعر 96% من أطفال غزة بأن الموت وشيك، فيما يعاني 61% من المراهقين من اضطراب ما بعد الصدمة، و38% من الاكتئاب، و41% من القلق.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الخوف والضغط النفسي الذي يواجهه الأطفال والمراهقون في القطاع.

الانسحاب العاطفي

قد يؤدي التعرض المتكرر للعنف ومصادر الضغط إلى ظهور الحزن والانسحاب ومشكلات في التفاعل مع المحيط. كما يمكن أن يتأثر سلوك الطفل بما يراه من عنف، خصوصًا عندما يتكرر أمامه ويصبح جزءًا من البيئة التي يعيش فيها.

وفي تقييم مشترك في مجال حماية الطفل أُجري في غزة خلال سبتمبر/أيلول 2025، ظهر السلوك العدواني لدى 93% من الأطفال الذين شملهم التقييم، فيما أظهر 86% منهم الحزن والانسحاب، وعانى 79% من اضطرابات النوم. كما أظهر التقييم سلوكًا عنيفًا تجاه أطفال أصغر سنًا لدى 90% من الأطفال الذين شملهم.

أعراض متعددة

وفق إفادات أطفال وعاملين في المجال الإنساني في سوريا واليمن، قد يترجم التوتر المرتفع لدى الطفل إلى أعراض جسدية، مثل آلام الرأس والصدر والأطراف وصعوبة التنفس. كما قد يلجأ بعض الأطفال، في ظل الضغوط الشديدة، إلى سلوكيات مؤذية لأنفسهم أو آليات تكيف خطرة.

السلوكيات العدوانية

قد يبدأ الأطفال بالشجار مع أصدقائهم، أو الصراخ عليهم، أو التنمر على أطفال آخرين. ويشير التقييم المشترك المشار إليه سابقًا إلى ارتفاع نسبة السلوك العدواني بين الأطفال في غزة.

وفي شهادة لعالم نفس من سوريا، وثقت منظمة إنقاذ الطفولة شهادته، يفسر الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها الطفل، إلى جانب تدمير الملاعب والمدارس وعدم وجود مساحات للعب وممارسة الرياضة، بأنها عوامل قد تسهم في زيادة الميل إلى السلوك العدواني، نتيجة غياب الفرص المناسبة لتفريغ الطاقة والتوتر.

كيف يتشكل السلوك؟

إذا تحدثنا عن قطاع غزة، تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" إلى اتساع احتياجات الأطفال إلى خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي. وتشير اليونيسف إلى أن قرابة مليون طفل في غزة يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم النفسي والاجتماعي، في ظل تعرض الأطفال للصدمات وفقدان أفراد من عائلاتهم ومنازلهم ومدارسهم.

وتُفسر الأخصائية النفسية من غزة، سجود المدهون، ذلك بأن الأطفال الذين يتعرضون للصدمات في ظروف الحرب والأزمات تتشكل لديهم حواجز داخلية تراكم مشاعر الخوف والقلق والغضب والتوتر، التي تنعكس في اضطرابات سلوكية، في مقدمتها السلوك العدواني.

وتضيف المدهون أن فقدان المؤسسات التي تعد من أهم الضوابط لسلوك الأطفال، وفي مقدمتها المدارس التي دُمرت، إلى جانب تشتت الأسر وتفككها في ظروف النزوح والفوضى، يؤثر في سلوك الأطفال وقدرتهم على التعامل مع مشاعرهم.

وتحدثت عن تأثير ظاهرة عمالة الأطفال، التي قد تدفع بعض الفتية والمراهقين إلى سلوكيات عدوانية ودفاعية، خاصة من فقدوا آباءهم واضطروا إلى تحمل مسؤوليات وأعباء عائلاتهم.

ومهما تعددت أسباب السلوك العدواني لدى الأطفال، فإنه يحتاج إلى تدخلات علاجية ومتخصصة. لكن ظروف الحرب ومحدودية الوصول إلى مراكز الإرشاد النفسي والتربوي، وتدمير المدارس، تجعل العائلات في كثير من الحالات الطرف الأقرب إلى الطفل في التعامل مع هذه السلوكيات.

سلوك أم شخصية؟

لكن، هل هناك فرق بين السلوك العدواني والشخصية العدائية لدى الطفل؟

تجيب الاستشارية التربوية من سوريا، وفا حيمور، في لقاء تلفزيوني، بأن السلوك العدواني هو ردة فعل تظهر في لحظة ما بعد موقف قاسٍ تلقاه الطفل، فيرد عليه بسلوك عدواني، إما معنويًا، كالشتائم والإهانة اللفظية، أو ماديًا، كالضرب والتكسير.

وتوضح حيمور أن السلوك العدواني سلوك مكتسب أو مقلد، ولا يولد به الطفل بالضرورة، وقد يتزايد في بيئات النزاع نتيجة تعرضه للعنف بصورة مستمرة.

أما الشخصية العدائية، فتربطها حيمور بمجموعة من السمات التي تتشكل لدى الطفل وتتأثر بعوامل متعددة، من بينها طريقة تعامل أفراد الأسرة وحالة التوتر العامة المحيطة به.

ووفق ما تذكره أستاذة علم النفس في جامعة بيليفيلد بألمانيا، كلوديا كاتاني، في مقالة لها عن الصحة النفسية للأطفال في سياق الحرب، تلعب أساليب التربية دورًا مهمًا في الصحة النفسية للأطفال، فهي قد تكون عامل خطر وعامل حماية في الوقت نفسه.

وتؤكد أن التنشئة القائمة على الدفء العاطفي والتماسك الأسري وتوفير الدعم والأمان والتواصل الإيجابي الفعال يمكن أن توفر عوامل حماية للأطفال في مواجهة آثار الصدمات والحرب.

معالجة السلوك

تقول الاستشارية التربوية إن علاج السلوكيات العدوانية ينطلق من إدراك أنها قد تكون تعبيرًا عن مشاعر سلبية متراكمة، تخرج فجأة على شكل سلوك عدواني، وفيما يلي بعض الآليات للتعامل معها:

الحوار مع الطفل

يجب على الأهل، كخطوة أولى، فهم كيفية مساعدة الطفل على التعبير عن نفسه ومشاعره، وتفريغ هذه المشاعر السلبية بالحوار والحديث والقرب منه وقضاء الوقت معه يوميًا، للوصول إلى مخاوفه ومشاعره.

ويمكن تدعيم ذلك بكلمات وتعبيرات الحب والاحتواء والعناق، بما يساعد الطفل على الشعور بالأمان والتعبير عن مشاعره بطرق أكثر ملاءمة.

ويتوافق ذلك مع ما يطرحه الاستشاري التربوي من مصر، صالح عبد الكريم، في حديثه عن طرق التعامل مع الطفل العدواني، كما يتوافق مع ما تورده منظمة إنقاذ الطفولة في تقاريرها عن أهمية أن يشعر الأطفال الذين يعانون من الضيق بأنهم مسموعون وأن هناك من يهتم لأمرهم.

إبعاد العنف

ينبغي عدم تعريض الطفل للعنف أو ممارسة العنف عليه، خاصة داخل الأسرة، ومحاولة إبقائه بعيدًا عن مشاهد العنف والمشادات، وخصوصًا بين الوالدين.

وفي سياق الحرب، من المهم كذلك الحد، قدر الإمكان، من تعرض الأطفال لمقاطع القتل والدماء والمشاهد العنيفة، والانتباه إلى طبيعة القصص التي تُحكى أمامهم عن الموت والقصف والدمار.

النشاط البدني

يمكن تشجيع الطفل على ممارسة نوع مناسب من الرياضة، خاصة الأطفال الذين يلاحظ عليهم النشاط الحركي الزائد، لما توفره الأنشطة البدنية من فرصة للحركة وتفريغ الطاقة.

كما يمكن لبعض الأنشطة الرياضية، بما فيها رياضات الدفاع عن النفس، أن تمنح الطفل شعورًا بالثقة والقدرة على التعامل مع جسده ومحيطه، لكن لا ينبغي اعتبارها علاجًا منفردًا للخوف أو التوتر.

تجنب التنمر

ينبغي تجنب التنمر على الأطفال، وخاصة من الأهل والعائلة الممتدة، والابتعاد عن الألفاظ والصفات الجارحة التي يُنعت بها الطفل، مثل "سمين" أو "قصير" أو "فاشل".

كما يجب تجنب الاعتداء اللفظي عليهم، والانتباه إلى ما إذا كان الطفل يتعرض للتنمر في محيطه خارج المنزل، سواء في الشارع أو المدرسة أو الخيام التعليمية التي يذهب إليها.

التفاوض والتفكير

يقترح الاستشاري صالح عبد الكريم تدريب الطفل على مهارتي التفاوض والتفكير في عواقب السلوك.

وتعلمه مهارة التفاوض أن هناك سبلًا لحل الخلاف بدلًا من اللجوء إلى العدوان، بينما تساعده مهارة التفكير في العواقب على إدراك أن للسلوكيات العنيفة، المادية واللفظية، نتائج وتبعات.

يتضح من ذلك أن حماية الأطفال في مناطق النزاع تبدأ باحتواء مشاعرهم، وتوفير قدر ممكن من الأمان والدفء الأسري، ومساعدتهم على التعبير عن الخوف والغضب والتوتر بطرق أكثر أمانًا. وتظل الأسرة، إلى جانب خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، جزءًا أساسيًا من شبكة الحماية التي يحتاج إليها الطفل خلال الحرب وبعدها.