تحوّل العمل عن بُعد في قطاع غزة إلى طوق نجاة لآلاف المواطنين، في ظلّ التحدّيات القاسية التي يفرضها الواقع الاقتصادي الجديد منذ سنوات الحصار وما قبل اندلاع الحرب، وحتى بعدها، في ظل سنوات الحصار وشحّ فرص العمل. ومع تجاوز معدلات البطالة 80% حاليًا وتآكل البنية التحتية للكهرباء والإنترنت، تبرز تساؤلات ملحة: كيف تُدار آليات العمل الرقمي؟ وكيف يمكن اختيار المجالات التي تُحقق الدخل وسط الهيمنة المتسارعة للذكاء الاصطناعي؟

تكمن الإجابة في التكيف مع شح الإمكانيات واتّباع استراتيجيات وحلول مرنة تتجاوز العقبات دون انتظار حلول نهائية لها، وهو أمرٌ لم يعد اختياريًا كما كان قبل الحرب. وكما يقول رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال في غزة، سامي العمصي، في تقرير صحفي؛ لم يعد العمل الحر رفاهية، بل تحوّل إلى طوق نجاة، بعد أن صار البحث عن وظيفة تقليدية داخل غزة أمرًا مستحيلًا، لهذا نشهد نزوحًا مهنيًا إلى العمل الرقمي.

لذا نقدّم هُنا دليلًا مبسطًا لتحويل مهاراتك الرقمية إلى مصدر دخل مستدام، مع تجاوز تحدّيات الذكاء الاصطناعي. ونُخاطب في هذا الدليل من يرغبون في شقّ طريقهم في عالم العمل الحُر عن بُعد، أو من يسعون للتطوّر فيه، وخاصة في التخصصات التالية، وما يُماثلها: التصميم، والتعليق الصوتي، والترجمة، وكتابة المحتوى، والبرمجة.

 

كيف أثّر الذكاء الاصطناعي على الوظائف؟

عند الحديث عن العمل الرقمي الحرّ، لا تتوقّف التحديات فيه عند العقبات التقنية كالكهرباء والإنترنت، إذ صار التحدي الأكبر الآن تراجع الطلب على الخدمات التقليدية لصالح ما توفره أدوات الذكاء الاصطناعي من مهام احترافية ومجانية، باتت تُهدد نحو 40-60% من الوظائف حول العالم، بحسب قراءة إحصائية مهمة، نشرتها شركة ALM للتسويق والتحوّل الرقمي.

وتُشير القراءة إلى أنّ الذكاء الاصطناعي سيزيح نحو 92 مليون وظيفة عالميًا بحلول عام 2030، لكن في الوقت نفسه سيستحدث نحو 170 مليون دور ووظيفة جديدة. لذا، نحن أمام واقع تنافسي شرس يتطلّب إعادة الهيكلة، واعتماد تغييرات جذرية في طبيعة الوظائف والمهارات وأساليب تقديم الخدمات.

المقصود بهذا، "إعادة تعريف جوهر المهام الوظيفية"، وتحويلها بذكاء واحترافية، من خدمات تقليدية لم تعد مطلوبة، إلى خدمات محسّنة ومطلوبة، ولا يُمكن مجاراتها من برمجيات الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال تضمينها مهارات "التفاعل البشري مع التكنولوجيا وإدارتها"، وهي مهارات دقيقة تتطلّب لمسة بشرية وعاطفية عميقة، وسياقًا - أي معنى- وهو ما لا تستطيع الآلة تقديمه أو تقليده، وهذا ما تطرحه ورقة بحثية، صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية، في إبريل 2026، تُناقش "كيف يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الطلب على المهارات".

وبحسب دراسة تحليلية صادرة في يوليو 2025 عن مؤسسة بروكينجز- The Brookings Institution (وهو مركز أبحاث أمريكي متخصص في السياسات العامة، من ضمنها الاقتصاد)، إذ يرى خبراء أنّ المهارات المعرفية العالية والمهام الإبداعية، قادرة على الصمود أكثر في وجه الصدمات التكنولوجية، ويُعتقد أن تقديم خدمات عالية الجودة قد يحمي العاملين المستقلين من فقدان وظائفهم، لصعوبة أتمتة عملهم أو محاكاته.

وفي حال كنت من الأشخاص الذين لا يقنعهم دمج الذكاء الاصطناعي بمهامهم، إليك هذه الإحصائية، إذ تُشير الأرقام إلى أنّ معدلات النمو في الإنتاجية ترتفع بأربعة أضعاف لدى العاملين عن بعد الذين يدمجون أدوات الذكاء الاصطناعي كأداة مساعِدة، كما ترتفع لديهم الأجور بنسبة 25% عن نظرائهم ممن لا يدمجونها.

 

إعادة هندسة الوظائف والمهارات

 

ولنقل هذا الكلام النظري إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ، نستعرض فيما يلي كيفية إعادة هندسة مجموعة من المهارات والوظائف، التي تُعد الأكثر طلبًا في العمل الرقمي، لنُحوّل التحدي نفسه فيها إلى فرصة عمل حقيقية:

●  الكتابة: التخصص في "التوطين الثقافي" وسرد القصص الإنسانية

فكتابة المحتوى باتت من أخطر المجالات التي يهددها الذكاء الاصطناعي، مع نسب تراجع في الطلب عليها تتجاوز 50%، وهذا لأن توليد المقالات وترجمة النصوص بدقة لغوية عالية صار متاحًا ومجانيًا عبر الذكاء الاصطناعي. ينطبق هذا على وظائف التحرير والتدقيق اللغوي والترجمة. لذا لا بد من تطوير هذه المهارة لتصبح غير قابلة للمنافسة من قِبل الذكاء الاصطناعي.

ويُمكن تحقيق هذا بتقديم نفسك كمُتخصص في السرد القصصي الإنساني، و"التوطين -Localization" للنصوص المختلفة، وهو ما ينتقل من مجرّد الكتابة إلى منح النص معنى وسياقًا، وهو ما يصعب جدًا على أدوات الذكاء الاصطناعي تقديمه. لهذا عليك التركيز على كتابة حقيقية تعتمد على السياق الحيّ والمقابلات الميدانية، والمحتوى الذي يحمل روحًا بشرية وسياقًا محليًا: ثقافيًا وسياسيًا وتاريخيًا وفنيًا... إلخ، لا تستطيع الآلة تقديمه.

●  التصميم الجرافيكي: الانتقال من رسم الصورة إلى صناعة الهوية والإشراف البشري

ورغم منافسة برامج الذكاء الاصطناعي المتخصّصة في توليد الصور للمهارات البشرية في التصميم، إلا أن المنافسة حتى الآن لا تُعدّ شرسة بالكامل، خاصة عند الحديث عن المهارات المتقدمة في التصميم؛ إذ تشير الأرقام إلى تراجع الطلب على تصميم الجرافيك والنمذجة ثلاثية الأبعاد بمعدلات تُقدَّر بعشرة بالمئة فأكثر. لهذا؛ من الذكاء استباق تدهور هذه النسبة، وتعزيز مهارتك الاحترافية في هذا المجال.

عمليًا، وللخوض في مجال التصميم عن بعد، روّج لنفسك كمتخصص في تقديم خدمات بناء الهويات البصرية المتكاملة، وخدمة توجيه أدوات الذكاء الاصطناعي، خاصة في مجالات التصميم الثنائي والثلاثي الأبعاد، لتعديل وتخصيص التصاميم بما يحقق ويلبي بدقّة هوية العميل ورؤيته التسويقية. وكما تقول الدكتورة آستريد كينسينجر، رئيسة قسم التصميم الجرافيكي في جامعة فرجينيا كومنولث - فرع قطر، فهذه المجالات لا يُمكن مجاراتها من أدوات الذكاء الاصطناعي، حتى الآن، لاعتمادها على قدرات بشرية لدى المصمم، في السرد الشخصي والسياق المحلي وما راكمه من خبرات.

وهناك مجال متصل بالتصميم، يتطور باضطّراد وينصح الخبراء بخوضه، وهو التصميم المبني على البيانات، بحسب مقالة نشرتها شركة "موارد" المتخصصة في الاستشارات والتوظيف.

●  البرمجة وتطوير الويب: التركيز على "هندسة الحلول" وربط الأنظمة

مساعدات البرمجة الذكية تكتب الأكواد الأساسية وتصلح الأخطاء البسيطة بسرعة فائقة، لكنها لا تتجاوز هذا حتى الآن. وهذا يتطلّب التوقف عن الترويج لنفسك بصفتك مبرمجًا، والتوجّه لتطوير مهاراتك لتُصبح متخصصًا في حلّ المشكلات المعقدة، "هندسة الحلول"، وربط الأنظمة البرمجية المختلفة ببعضها، وإدارة مشاريع البرمجيات بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي كمساعد ينفذ المهام الروتينية بينما تتولى أنت التخطيط المعماري والتجربة البرمجية الشاملة.

●  من التعليق الصوتي إلى الأداء العاطفي والطبقات الشعورية

وهنا، لأن أصوات الذكاء الاصطناعي باتت قريبة جدًا من النبرات البشرية الطبيعية، ومع تراجع الطلب على خدمة التعليق الصوتي بنسبة 80%، بحسب تقرير، نشرته "سكاي نيوز عربية"، عن الوظائف التي قد تختفي بحلول 2050، بسبب الذكاء الاصطناعي؛ لا بد من تطوير هذه المهارة بجعلها غير قابلة للاستبدال. ويمكن تحقيق هذا بالتركيز حصرًا على التعليق الصوتي الوثائقي والإعلانات. قدّم نفسك في سيرتك الذاتية وطلبات التوظيف كمحترف في هذا السياق، وهي مجالات دقيقة تتطلب تفاعلًا عاطفيًا عميقًا، وتعبيرات صوتية دقيقة تتماشى مع المشاهد الحية والقصص الإنسانية، لا تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي تقليدها، لعجزها عن منحها البُعد الشعوري الحقيقي.

العمل عن بعد في ظروف غزة

 

بحسب تجارب عديدة من قطاع غزة، يُمكن تجاوز العقبة التقنية المتمثلة في انقطاع الكهرباء وضعف أو انقطاع الإنترنت، بالخطوات التالية:

 

-       نظام العمل غير المتزامن: الاعتماد على نظام المهام، ومواعيد التسليم المحددة مسبقًا، وليس بالدوام المباشر والمتواصل، ممّا يمنحك مرونة لتنفيذ المهام وقت توفر الإنترنت.

-       استخدم برمجيات تعمل دون إنترنت: مثل تحميل التطبيقات والأدوات وبرامج المونتاج على جهازك والعمل عليها.

-       اعتماد استراتيجية تجميع المهام: بمعنى تخصيص وقت توفر الإنترنت لكل ما يلزمه استخدام الشبكة، مثل رفع الملفات، إرسال العروض، التواصل السريع. ووقت انقطاع الكهرباء للعمل الفعلي على التصميم أو الكتابة.

-       الاعتماد على مصادر طاقة بديلة خفيفة: وهو ما بات يعتمده أهالي غزة فعليًا؛ استخدام البطاريات، لشحن الهواتف وأجهزة اللابتوب لفترات قصيرة عند الحاجة لإرسال أو تسليم العمل.

خريطة الطريق للوصول إلى العملاء

1- بناء معرض أعمال رقمي (Portfolio): لا تنتظر تطورك في العمل، أو بناء شبكة من العملاء، ابدأ على الفور بإنشاء عيّنات من أعمالك، أو اجمع أعمالك الموجودة/ المنشورة، مع ملف السيرة الذاتية، بما يتوافق مع ما سردناه من تطوير للمُسمّى والتخصص وصياغة المهارات، واجمع كل هذا في صفحة واحدة، لتكون بمثابة معرض أعمال، ويُمكنك إنشائها على منصات مجانية مثل: Clippings.me.

2- اختيار المنصة المناسبة للترويج والبحث عن عملاء: ومنها المنصّات العربية مثل مستقل، وخمسات، ومنصات دولية مثل Upwork وFiverr. وكذلك لينكد إن، الذي يُمكنك استهدافه كمنصة أساسية عبر نشر محتوى قصير يُظهر خبرتك في مجالك وكيف تتجاوز تحديات العمل.

3- صياغة الرسالة الأولى للعميل: من المهم هنا تجنّب الرسائل الجاهزة الطويلة. اجعل رسالتك مختصرة، مبنية على مشكلة يواجهها العميل، وكيف يُمكنك حلّها بسرعة وبأعلى معايير الجودة، ربطًا بما تمتلكه من مهارات.

باتباع هذه الاستراتيجيات في تطوير مهاراتك إلى "وظائف مطلوبة"، والخطوات التي تتجاوز قدر الإمكان العقبات الموجودة، لتُوصلك إلى عملائك، تتغلّب إلى حدٍ كبير على الفجوة بين الواقع الجديد الذي آل إليه العمل عن بُعد انطلاقًا من غزة، وأزمة شحّ الفرص، لتضع قدمك بثبات على أول درجة في سلم الاستقلال المالي والمهني.