ثلاثُ ساعاتٍ من المشي تركت أثرها في صوت أيمن اسليم (41 عامًا)، العائد لتوّه من السوق بكيسٍ صغير فيه مؤونة يومين اشتراها بآخر ما معه من نقود. هذا الرجل ليس نفسه الذي كان يغادر بيته في الرمال كل صباحٍ ببدلةٍ مكويّة وحذاءٍ يلمع وعطرٍ تُفصح رائحته عن ثمنه، ويصل بسيارته الخاصة إلى مكتبه في البنك خلال دقيقتين.
كان لديه عملٌ يتقنه، وراتبٌ يصل في موعده، وبيتٌ رحبٌ أسّسه من الصفر على ذوقه وذوق زوجته، وثلاثة أطفال في مدرسة خاصة. وكان أهمّ ما في يومه بعد الدوام رحلة تسوّق مطوّلة في مول "مترو"، يعود بعدها إلى عائلته بكل ما لذّ وطاب. أما إبان الحرب فأصبح بلا عمل ولا سيارة، والبيت هيكلٌ إسمنتي مستور بشوادر النايلون.
هكذا يصوّر أيمن الفرق بين حياته قبل الحرب الإسرائيلية المستمرة وخلالها، وهو واقع يشبه في كثير من تفاصيله ما تمرّ به غالبية الأسر في قطاع غزة، التي باتت بلا مصدر دخل في ظلّ بطالةٍ بلغت 80%، وتراجعٍ في النشاط الاقتصادي وصل إلى 98%، بحسب بيان وزارة العمل في غزة. أي أنّ الدخل الذي كان يموّل مائدة البيوت ومدارس أبنائها اختفى من أغلبها دفعةً واحدة، وبقيت الحاجات وحدها.
ومثله عماد ظاهر* (43 عامًا)، صاحب الصيدلية التي كان يُشغّل فيها مساعدًا، وتدرّ عليه دخلًا يصفه بالممتاز، يؤمّن به لأبنائه الأربعة حياةً لا ينقصها شيء. وبعدما استحالت الصيدلية رمادًا وفقد منزله، غدا الرجل الذي اعتاد الناس مناداته بـ"الدكتور" عاطلًا عن العمل، يقف في طابور التكية وينتظر طرود المساعدات.
قبل الانهيار
ولفهم التحوّلات التي عصفت بسكان قطاع غزة، لا بدّ من معرفة التركيبة الطبقية التي كان عليها المجتمع قبل الحرب. يشرح ذلك الباحث في علم الاجتماع السياسي طلال أبو ركبة في ورقة بحثية صادرة في يونيو 2025، يذكر فيها أنّ مجتمع غزة كان ينقسم إلى ثلاث طبقات رئيسية: العليا (البرجوازية) المتصلة بالسلطة والنفوذ، والوسطى (الهشّة) وتتكوّن من الأكاديميين والموظفين العموميين وأصحاب المهن الحرة والحرفيين، والدنيا (الفقراء) وتمثّل الأغلبية الساحقة، وتعتمد على الإغاثة وتعيش في حالة دائمة من انعدام الأمن الغذائي والبطالة.
لم تُسفر مراجعة المصادر الرسمية عن تعريفات واضحة لطبقات المجتمع الفلسطيني أو أحجامها أو طريقة احتسابها؛ لذا تعتمد القصة على الأرقام الرسمية والدولية المتاحة، وتحليل خبراء مختصين، ودراسات منهجية، وشهادات ميدانية تُجسّد ما أصاب الطبقة الوسطى في غزة بفعل الحرب وتبعاتها.
ويُعرّف أستاذ علم الاجتماع عرفات حلّس هذه الطبقة بأنها الأوسع مساحةً في الهرم السكاني للمجتمعات، والأكثر إنتاجًا وحضورًا، ولها ارتباطٌ نشِط بالطبقتين العُليا والدُّنيا. وأضاف إلى فئات الطبقة الوسطى في تعريف أبو ركبة المهندسين والأطباء وموظفي القطاع الخاص، مؤكدًا غياب البيانات الرسمية عن حجمها في مجتمع غزة.
ماذا يعني غياب الرقم الإحصائي لحجم الطبقة الوسطى؟ يجيب حلّس بأنّ مجهولية هذا المعطى تتجاوز الفراغ الإحصائي، ويقول: "إن تحديد حجم وخصائص طبقات المجتمع، وفئاتها وحجم مُساهماتها قبل الحرب، وما تغيّر خلال الحرب، يُساعد في تقييم الحجم الحقيقي للخسائر التي حلّت بها، ومواضع الخلل، وسُبل التعافي". وبذلك تبقى الطبقة التي كانت تُدير عجلة الاقتصاد بلا رقمٍ رسمي يُحصي من كان فيها ومن بقي منها.
ولتحديد سقفٍ يُمكن القياس عليه، نستند إلى التعريف الاقتصادي للطبقة الوسطى الذي وضعته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "إسكوا" في دراسة عام 2014، ويشترط أن يقع إنفاق الفرد فوق خط الفقر، وألّا يتجاوز إنفاقه على غير الأساسيات قيمة خط الفقر نفسه. ولأنّ نسبة غير الفقراء تشمل الطبقة العليا أيضًا، فهي سقفٌ أعلى لحجم الطبقة الوسطى. وبالعودة إلى أرقام ما قبل الحرب (2023)، تجاوز معدّل الفقر 63%، أي أنّ غير الفقراء (الطبقتين العليا والوسطى وفق تعريف أبو ركبة) لا تزيد نسبتهم على 37%، كما يوضّح التمثيل أدناه.
وعن دورها الاجتماعي، يبيّن حلّس أنها صمّام أمان المجتمع وحافظة ثقافته وإنجازاته، لكونها الأكثر نشاطًا في قطاعات التعليم والتربية والإعلام والثقافة، وهي المجالات التي تُؤسس الشخصية الفلسطينية وتصقلها مدنيًا ووطنيًا في المدارس والجامعات والمعاهد ورياض الأطفال.
واقتصاديًا، كانت الطبقة الوسطى، كما يبيّن المختص الاقتصادي محمد أبو جياب، الركيزة التي تحفظ تماسك المجتمع. ورغم هشاشتها بسبب الحصار والقيود السياسية أمام التنمية، كانت قبل اندلاع الحرب طبقةً واسعة متنوعة متعلّمة نشِطة، عاش أفرادها حياة كريمة محميّة من الفقر، وبقدرة شرائية جيدة تُدير عجلة الاقتصاد، قبل أن تعصف بها الحرب وتهوي بها إلى القاع.
ويؤكد حلّس أنّ فئات واسعة من الطبقة الوسطى في غزة فقدت خلال السنوات الثلاث الأخيرة مصانعها ومزارعها وورشها وعياداتها ومكاتبها ومدارسها، وسائر المشاغل التي كانت تضمن استمرار عملها وحضورها الفاعل اجتماعيًا.
دورة الانهيار
فقدت عائلات غزة دخلها ومصالحها وبيوتها بالقصف والنزوح، فعجزت عن تلبية حدّها الأدنى من الاحتياجات. وبعدما كانت تموّل استهلاكها من دخلٍ يحميها من الفقر، انتقلت إلى المدّخرات، فبيع الأصول، فالاقتراض، وتصدّرت البطالة المشهد وفرغت الجيوب. وهكذا خسرت استقرارها الاقتصادي وتحوّلت إلى أسرٍ فقيرة يتداعى موقعها الطبقي نحو قاع الهرم، وفق ما يشرحه أبو جياب.
ويفسّر أبو جياب ما يجري بأنه يتجاوز زيادة أعداد الفقراء إلى إعادة تشكيل كاملة للبنية الاقتصادية والاجتماعية، ويُدلّل على حدّة الانهيار بالأرقام: قفزت معدلات الفقر من أكثر من 63% قبل الحرب بحسب الإحصاء الفلسطيني إلى أكثر من 93% في 2026 بحسب تقدير وزارة العمل في غزة، وتراجع الاستهلاك الكلّي في القطاع بنحو 81% في 2025 مقارنةً بعام 2023 بحسب الإحصاء الفلسطيني، وهي أرقام من مصادر ومنهجيات مختلفة. ويضيف أنّ "ما حدث هو تآكل شديد للطّبقة الوسطى: أسرٌ كانت تعتاش من راتب الوظيفة أو عائد مشروعٍ صغير أو المُدّخرات، تحوّلت إلى أسر هشّة تعتمد كليًا على المساعدات والديون والعمل المؤقت".
ويظهر ضرب القاعدة الإنتاجية كذلك في تقرير "الأونكتاد" المنشور في سبتمبر الماضي، إذ تضرّرت أو دُمّرت 92% من المؤسسات الاقتصادية في غزة منذ أكتوبر 2023، وتراجع قطاعا الزراعة والصناعة بنسبة 94% والبناء بنسبة 99% قياسًا بمستويات 2022، وهبط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 83% قياسًا بالعام نفسه.
وترصد منظمة العمل الدولية، في تقرير صدر خلال أكتوبر الجاري، فقدان 252 ألف وظيفة في غزة بين الربع الثالث من عام 2023 ونظيره من 2025، نقلًا عن تقييم الأضرار والاحتياجات السريع الذي أعدّه البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في أبريل 2026، وارتفاع البطالة من 45.1% إلى 85.1% في الفترة نفسها. ورغم غياب الأرقام الرسمية عن قيمة المدّخرات المستنزفة والأصول المباعة، يقدّر أبو جياب أنّ 70 إلى 80% من الأسر لجأت إلى الديون بعد نفاد مدّخراتها.
من الدخل إلى الديون
وهذا يفسّر مسار أيمن وعماد، وإن اختلفت سرعته. فقد صمد أيمن أشهرًا يسنده راتبه حتى سُرّح من عمله بسبب إغلاق فروع البنوك في غزة، فلجأ إلى مدّخراته التي نفدت بعد أقل من عام. ورغم بيع سيارته بثمنٍ بخس لم تصمد العائلة سوى بضعة أشهر أخرى، اضطرّت زوجته بعدها إلى بيع ذهبها. أما عماد، الذي خسر صيدليته وبيته بغارةٍ واحدة قبل عامين، فبقي بلا مدّخرات ولا أصول، وانتقل قسرًا، في غضون ما يقدّره ببضعة أسابيع، إلى الديون والاعتماد الكلي على طعام التكية والمساعدات.
في حاصلٍ لا تتعدّى مساحته 10 أمتار صار مأوى أمل المصري* (42 عامًا) وعائلتها بعد قصف منزلهم، تطوي السيدة ثوبًا بدا قديمًا وتقول عنه: "هذه آخر قطعة ملابس اشتريتها لنفسي، وكانت من البالة قبل عامين". المعلّمة التي كانت تعمل في مدرسة حكومية براتبٍ شبه ثابت يكفي أسرتها المكوّنة من 5 أفراد، انهار دخلها خلال الحرب، ولم تعُد تتقاضى سوى سُلف مالية لا تتجاوز 330 شيكلًا شهريًا.
ومع انهيار الدخل والنزوح المتكرر وارتفاع الأسعار، بما فيها أجرة المأوى، لجأت أمل إلى مدّخراتها التي لم تصمد سوى بضعة أشهر، ثم إلى الديون، وتعتمد منذ نحو عام كليًا على ما يتوافر من معونات إغاثية، إلى جانب مساعدات مالية تصلها من أشقائها الذين يتكفّلون أيضًا بأجرة المكان.
غالبت المعلّمة حيرتها طويلًا قبل أن توافق مُكرهةً، كما روت لنا، على عمل ابنها الأكبر (17 عامًا)، فيعمل تارةً باليومية في النقل والحراسة، وحين لا يجد عملًا كهذا يبيع حاجيات للأطفال على بسطة صغيرة. تقول الأمّ: "قبل الحرب كنت أعيش مع عائلتي في استقرار وحياة مستورة، أمّا الآن حياتنا كلّها صارت على التكية والدّيون". وما تعيشه أمل يعكس تحوّلًا أوسع في سوق العمل بغزة؛ إذ تُظهر بيانات منظمة العمل الدولية أنّ مشاركة الرجال في سوق العمل هبطت من 62.8% إلى 36.2% بين الربع الثالث من عام 2023 ونظيره من 2025، فيما ارتفعت مشاركة النساء من 16.5% إلى 19.7%، ويُعزى جانب من هذا الارتفاع إلى دخول نساء إلى سوق العمل لتعويض تراجع دخل الأسر وتولّي دور المعيل.
وبكلماتٍ أقلّ وتحفّظٍ أكبر، يروي محمود بشير (36 عامًا) ما وصفه "انهيارًا طبقات وليست طبقة واحدة". فقبل الحرب كان لديه محلّ لبيع وصيانة الهواتف الذكية وأجهزة اللابتوب، فقده بالقصف في بدايات الأحداث كما فقد منزله.
ويعتاش حاليًا على مبالغ زهيدة يحصّلها من صيانة أجهزة للمعارف والجيران، وعلى مساعدات مالية من شقيقه الأكبر المقيم خارج البلاد، وما يناله من معونات إنسانية. فقد صمدت مدّخراته في مطلع الأزمة 3 أشهر فقط، وصمدت أصوله مثلها، ثم لجأ قسرًا إلى الديون، وهذه المراحل الثلاث لم تسنده سوى عامٍ تقريبًا.
هكذا ينتهي الأربعة عند المحطة نفسها كما يظهر في التمثيل أعلاه: المصرفي والصيدلاني والمعلمة والتاجر، بعد استقرارٍ اقتصادي واجتماعي ودخل شبه ثابت ومنتظم، صاروا يعتمدون في معظمهم على الإغاثة أو مساعدات الأقارب، لكنهم بلغوها بسرعات مختلفة بعد فقدانهم الدخل: شهرٌ واحد لدى عماد، و7 أشهر لدى أمل، و11 شهرًا لدى محمود، و16 شهرًا لدى أيمن.
ويقرأ نقيب موظفي القطاع العام في غزة، خليل حمادة، هذه الخارطة بعيون أصحابها: موظفو حكومة غزة، وعددهم 50 ألفًا، الذين كانوا في تقديره العماد الأساسي للطبقة الوسطى. وانتقالهم الجماعي الخطير خلال الحرب إلى العَوز والفقر الشديد يضرب مباشرةً مئات الآلاف ممن يُعيلونهم، وتتّسق هذه الصورة مع ما ترصده منظمة العمل الدولية: فقد القطاع العام في غزة 91% من وظائفه بين الربع الثالث من عام 2023 ونظيره من 2025، وهي من أعلى الخسائر النسبية في الوظائف.
ويختصر حمادة التحوّل الذي يعيشه الموظفون وعائلاتهم بسؤال: "كيف يصمد موظف راتبه 1000 شيكل يتقاضاها كل 90 يومًا، في ظل النزوح وأزمات العمولة والغلاء، في حرب ممتدة لثلاث سنوات؟". فألف شيكل كل 90 يومًا تعني نحو 11 شيكلًا في اليوم.
ثم يسأل: "كيف يتحوّل الموظف الحكومي المدني الذي يساهم في استقرار المجتمع أمنيًا وخدماتيًا إلى فقيرٍ وطارقٍ لأبواب الجمعيات يستجدي المساعدة لإطعام أطفاله؟". ويؤكد أنّ حق الموظفين في الحفاظ على كرامتهم الإنسانية والمهنية مكفولٌ بالقانون، ولا يمكن أن يُتركوا فريسةً للأوضاع الكارثية.
وفي حالات عديدة رصدناها، منها محمود وأمل، لجأ مواطنون إلى أقاربهم أو زملائهم أو جيرانهم كشبكات أمان مالي. وبحسب أبو جياب، أدّت العائلة والمجتمع المحلي دورًا مهمًا في امتصاص الصدمة، غير أنّ قدرتهما بلغت حدّها الأقصى بعد ثلاث سنوات منذ اندلاع الحرب. لكن السؤال الأهم: ماذا يبقى من هذه الشبكات حين تُستنزف هي الأخرى؟
فعندما تعتمد أكثر من 90% من الأسر على المساعدات الإنسانية، بحسب منظمة العمل الدولية في يوليو 2026، وتفيد 83% منها بأنها بلا أي مصدر دخل، وفق تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، فهذا يعني أنّ الانهيار طال شبكات الأمان التقليدية نفسها وأضعف قدرتها على الإسناد. ويقدّر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أنّ أكثر من 95% من السكان يعتمدون كليًا وحصريًا على المساعدات. وعليه ينتقل الاقتصاد من الإنتاج والدخل إلى المساعدة والاستهلاك، كما يفسّر أبو جياب، ويخلص إلى أنّ "المساعدات تمنع الانهيار الإنساني لكن لا تستطيع وحدها إعادة بناء الطبقة الوسطى أو خلق وظائف".
وتُظهر خارطة البيانات هذه طبقةً كاملة تتحوّل بانعطافٍ حادّ من الإنتاج إلى الاعتمادية والتلقّي، كما يبيّن التمثيل التالي.
هشاشة
ويرسم أبو جياب الخارطة الجديدة: اقتصادٌ كان، رغم بطالته وضعف أجوره، يملك سوق عملٍ أكثر انتظامًا ومصادر دخل متعددة، فغدا بعد ثلاث سنوات منذ اندلاع الحرب في استقطابٍ شديد بين أقلية تملك رؤوس الأموال أو تتقاضى أجورًا عالية منتظمة، بعضها بالدولار كموظفي المؤسسات الدولية، وغالبية تعتاش على العمل اليومي المتقطع أو المساعدات أو بلا دخل أصلًا.
ما جرى في غزة يتجاوز التغيّر المعقول الناتج عن أزماتٍ طارئة إلى "الانهيار" الذي تمتد آثاره إلى زمنٍ غير معلوم. وعلى هذا أجمع الخبيران الاجتماعي والاقتصادي: فالطبقة التي كانت تُنتج وتُدير عجلة الاقتصاد صارت غالبيتها تعتاش على الإغاثة، ومن يعتاش عليها يبقى في ركودٍ وتراجع.
واتفقا على أنّ هذا الركود يضرب النسيج الاجتماعي والمعيشة في مقتل؛ فالتواصل بين الأقارب والجيران يحتاج إلى تكاليف مادية لم تعد موجودة مع فقدان مصادر الدخل، والعلاقات التي نشأت بين أصحاب المهنة الواحدة ضعفت بالانقطاع عن العمل. وهكذا تراجع النشاط المجتمعي، وترك هذا الفراغ مساحةً لسلوكيات غير مرغوبة أوهنت السلم المجتمعي وعزّزت مظاهر العنف.
نفسيًا، كانت هذه الفئات، بمكانتها الاجتماعية المتقدّمة وتاريخها المهني الحافل، تنعم قبل الحرب باستقرارٍ مادي واجتماعي يمنحها استقرارًا نفسيًا، فتغيّر ذلك تحت وطأة الضغوط المعيشية وترك آثارًا نفسية عميقة، تقرؤها الأخصائية النفسية والاجتماعية سجود المدهون في حالة الإنكار والصدمة التي تعيشها هذه الفئات وما يطرأ عليها من تغيّرات نفسية وسلوكية.
وتقول: "كثيرون لا يستطيعون التأقلم مع الوضع المعيشي الجديد لهم". ويظهر ذلك في الانفعال والغضب الدائمين والعزلة الاجتماعية، وتتجاوز هذه الآثار أصحابها إلى مشكلاتٍ أسرية قد تطال الأقارب والجيران، وقد يتأثر تعامل مَن بقي منهم على رأس عمله مع الآخرين ويتراجع أداؤه. والخطير أنّ "مُجتمعًا بهذه الهشاشة سيكون تعافيه النفسي الاجتماعي صعبًا وبطيئًا".
وبوصول نسبة الفقر إلىأكثر من 93% بحسب تقدير وزارة العمل في غزة، فإنّ غير الفقراء لا يزيدون على 7%، وهم سقفٌ أعلى للطبقتين العُليا والوسطى معًا. وهو ما وصفه حلّس بـ"مكمن الخطر"، إذ نحن أمام ذوبان الطبقة الوسطى وتلاشيها وانهيار شرائح كثيرة منها إلى الطبقة الدُّنيا غير المُنتِجة.
هل يعني هذا ولادة طبقات جديدة؟ ربّما، فلم يحسم الخبيران الإجابة لصعوبة الوصول إلى المواطنين، وخريطة النزوح المتحركة، وانعدام الأمن مع استمرار الهجمات رغم وقف إطلاق النار، وهي عوائق أمام التصنيف الدقيق. لكن حلّس يرى أنّ المجتمع بات ينقسم بوضوح إلى طبقتين: قلّة تملك المال بثراءٍ فاحش وتسيطر على السوق بالاحتكار، منها المبادرون والتجّار الجدد، وغالبية بالكاد تملك قوت يومها وتعيش في الخيام، أما المنتجون فشبه اختفوا.
أمّا إعادة بناء الطبقة الوسطى فمسارٌ شاق، كما اتفق الخبراء الثلاثة، يحتاج إلى جهودٍ وطنية ومجتمعية وبرامج عمل ودعمٍ كبير اقتصاديًا ومجتمعيًا ونفسيًا، وإلى سنواتٍ قد تطول حتى الوصول إلى بناءٍ سليم. ويعتمد ذلك أولًا على ثبات وقف إطلاق النار وعدم تجدد الحرب، ووضع حدٍّ للدمار والتشتت والانهيار المعيشي.
وبذلك خسرت الطبقة الوسطى في غزة دخلها وموقعها معًا، فانتقلت من ركيزةٍ تُدير عجلة الاقتصاد إلى طابورٍ ينتظر المعونة.
ويعود أيمن، في آخر النهار، من السوق مشيًا بمؤونة يومين فقط، وعماد من طابور التكية، وأمل في مكان نزوحها الخانق، ومحمود يفتقد صيته في السوق: أربعةٌ كانوا يحفظون استقرار المجتمع، فصاروا يبحثون عن قوت يومهم.
(*) أسماء مستعارة لحالاتٍ فضّلت عدم ذكر أسمائها حفظًا لخصوصيتها.