يكتب محمد أبو ناصر مصروفاته اليومية في ملاحظات هاتفه، محاولًا ضبط ميزانيته الشهرية في ظل دخل غير ثابت وأسعار تتغير باستمرار. يسجل كل ما يشتريه، مهما كان بسيطًا، بعدما تبدلت أوضاعه الاقتصادية منذ بداية الحرب، وفقد عمله في صيانة الأجهزة الكهربائية والهواتف.
اضطر أبو ناصر إلى التنقل بين أعمال لم يألفها لتأمين احتياجات أسرته. عمل لفترة بائعًا للقهوة، وخلال المجاعة استخدم دراجته لنقل الطحين من نقاط دخول المساعدات مقابل الحصول على عدة كيلوغرامات منه، لكنه تعرض في كثير من الأحيان لعمليات نصب ولم يحصل على مقابل عمله.
تدهور وضعه الاقتصادي وفقدَ مستوى الرفاهية الذي كان يعيشه سابقًا. ومع ارتفاع الأسعار وتقلبها من فترة إلى أخرى، قلّص نفقاته إلى الحد الأدنى، مكتفيًا بالاحتياجات الأساسية في محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي يزداد صعوبة.
يقول أبو ناصر، أثناء توجهه لشراء بعض حاجيات أسرته: "المصروفات تغيرت بشكلٍ غريب جدًا، في فترات شهدنا ارتفاعًا كبيرًا بالأسعار، حتى صرت أجلب الخضار والفواكه بالحبة. صرنا نقتصد في كل شيء، الطعام وأدوات التنظيف وغيرها. تحسن الحال قليلًا الآن، لكن الارتفاع في بعض السلع لا زال، والمصاريف الجديدة صارت واقعًا".
ويضيف: "الحياة ليست مصاريف طعام وشراب وعلاج ومستلزمات للبيت. صار لدينا مصاريف جديدة، مثلًا المدارس كانت مجانًا، الآن المدارس برسوم شهرية مرتفعة. وكان قبل الحرب لديك مأوى، الآن يجب عليك شراء خيمة ومستلزماتها وتجديدها في المواسم لتلفها".
يمتهن أبو ناصر مهنة تصليح الهواتف والإلكترونيات، لكنه لم يتمكن خلال الحرب من العمل في تخصصه حتى وقت قريب بدأ خلاله استعادة مهنته من منزله، فاشترى معدات للصيانة واشترك في مولد الكهرباء في المنطقة حتى يتمكن من العمل، لكن الطلب على خدماته لا يزال محدودًا.
يقول: "أنا كصائد السمك، إن اصطاد آكل وإن لم أصطد لم يأكل".
الإنفاق تحت الضغط
أبو ناصر ليس حالة منفردة. منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تغيرت ميزانيات الأسر في غزة مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتقلب أسعار السلع الأساسية. ومع فقدان مصادر الدخل أو تراجعها، اضطرت أسر إلى تقليص نفقاتها والاستغناء عن احتياجات كانت تعد أساسية قبل الحرب.
في كثير من الحالات، تتركز الميزانية حاليًا على الطعام والاحتياجات الضرورية، مع تراجع القدرة على الادخار أو مواجهة النفقات الطارئة.
وتظهر بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني استمرار التقلب الحاد في أسعار المستهلك في قطاع غزة. ففي آذار/مارس 2026، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك في القطاع بنسبة 12.42% مقارنة بشباط/فبراير، مدفوعًا بارتفاعات حادة في أسعار عدد من السلع الأساسية، بينها الخضروات المجففة والبطاطا والغاز والخضروات الطازجة والطحين.
وفي الأشهر التالية، انخفض المؤشر في غزة بنسب متفاوتة، منها 1.87% في حزيران/يونيو، و3.87% في تموز/يوليو، ثم 1.73% في آب/أغسطس مقارنة بالشهر السابق.
لكن تراجع المؤشر لا يعني عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل النزاع. ويُظهر الجهاز أن مؤشر أسعار المستهلك في غزة انخفض في آب/أغسطس 2026 بنسبة 58.39% مقارنة بآب/أغسطس 2025، بعد مستويات الارتفاع الاستثنائية التي شهدتها الأسواق خلال الحرب.
وفي الشهر المنصرم، انخفضت أسعار عدد من السلع في غزة، ليبلغ متوسط سعر كيلوغرام الدجاج 22 شيكلًا، وكيلوغرام الطحين 38 شيكلًا لكل 25 كيلوغرامًا، وكيلوغرام الأرز البسمتي 9 شواكل، وكيلوغرام السكر 36 شيكلًا لكل كروز من 10 عبوات، فيما بلغ متوسط سعر أسطوانة الغاز 107 شواكل لأسطوانة 12 كيلوغرامًا.
ميزانية للبقاء
في خيمة بالكادّ تتسع لأفراد عائلته، يجلس أحمد صلاح على فراشه، منشغلًا بكيفية تدبير المصاريف المتواصلة. تعتمد أسرته على المساعدات النقدية التي تقدمها بعض المؤسسات الإغاثية، إضافة إلى طرود برنامج الغذاء العالمي وبعض الجمعيات، وأصبحت هذه المساعدات مصدرها الرئيسي لتأمين احتياجاتها.
أنهى صلاح تخصصه في علم الحاسوب من جامعة الأزهر في غزة، لكنه لم يتمكن من الحصول على عمل، كما لم يتمكن أشقاؤه من الالتحاق بالجامعات بسبب الوضع الاقتصادي.
يقول: "كنا نتدبر أمورنا قبل الأحداث، نعيش في بيتنا على الأقل، لكننا اليوم صار الشارع هو البيت. نعيش في خيمة متهالكة، بلا مصدر دخل ثابت. نعيش بمبلغ قليل جدًا شهريًا للطعام والشراب، حتى إذا مرض أحدنا نضطر للاصطفاف على المستشفيات الحكومية للعلاج، فلا قدرة لدينا على دفع المال للأطباء في عياداتهم الخاصة".
ويكمل: "تغيرت مصاريفنا جدًا. المئة شيكل التي كانت تكفينا لأيام في غزة سابقًا، اليوم أنفقها في يوم واحد فقط على بضع أساسيات تبقى ليومين. ولنفترض أنني سأجلب نحو كيلوغرامين من اللحم، ها قد صُرفت بالكامل، فماذا عن بقية المستلزمات للوجبة؟".

على نحو مماثل، تعيش رزان النجار في خيمة بخانيونس جنوب القطاع، من دون مصدر دخل سوى المساعدات النقدية التي تتلقاها. تحاول ادخار جزء منها لأشهر، وتحتفظ به للحظات التي تصفها بـ "السوداء".
تقول وهي تفتح حسابها البنكي لدفع قيمة مشترياتها من أحد المحال: "كنت أعيش بمستوى معين قبل الحرب، أجلب ما أريد ولا أفكر في الغد، أعيش اليوم بيومه. لكنني اليوم أحسب حساب كل شيكل يخرج من حسابي".
وتضيف: "تغيرت أولويات الشراء لدي. صار الطعام هو معدل إنفاقي الأكبر، بينما افتقدت منتجات العناية بالبشرة التي كنت أجلبها بمبالغ. اليوم الحياة تغيرت جدًا، وصار لدي ميزانية فقط للمواصلات والطعام. حتى نوعية الأكل تغيرت عن ذي قبل، صار لدي تقنين، أما الباقي فمكلف أيضًا عن ذي قبل فلا أجلبه".
على نحو مماثل، تواجه الأرملة حنان سمير ضغوطًا مضاعفة بعد فقدان زوجها خلال الحرب، إذ أصبحت المعيلة لابنتيها، الكبرى في السادسة والصغرى في الثانية. تعيش الأسرة في منطقة الكرامة شمال قطاع غزة، فيما تبقى من منزلها، وتحاول تدبير احتياجاتها بدخل محدود.
تقول سمير: “منذ لحظة فقدي لزوجي أصبح محتمًا عليّ القيام بكل واجباتي كأم وأب في آن واحد رغم شح الدخل وصعوبة توفير أدنى متطلبات الحياة”. ومع بدء العام الدراسي، أصبحت احتياجات ابنتها الكبرى من حقيبة وقرطاسية نفقات يصعب عليها توفيرها.
وتقول إنها اضطرت إلى الاستغناء عن كثير من الاحتياجات والبحث عن بدائل أقل كلفة، فيما انعكس ارتفاع الأسعار على الطعام أيضًا، إذ حُرمت الأسرة من أكلات كانت تتناولها قبل الحرب. ومع انخفاض أسعار بعض الفواكه واللحوم خلال الفترة الأخيرة، تحاول شراء ما تستطيع منهما لتعويض ابنتيها عن جانب من هذا الحرمان.
جهازالدخل يحدد الإنفاق
يرى المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن التغير في ميزانية الأسرة يرتبط بصورة أساسية بمستوى الدخل، إذ تحدد قدرة الأسرة على الإنفاق وفق ما يتوفر لديها من موارد.
يقول: "إن ما حصل في غزة من تغيرات في الميزانية الاقتصادية الشهرية للأسرة يتعلق بالدخل، فهو من يحدد الميزانية. هناك نسبة بطالة تفوق 80%، أما نسبة الـ20% الذين يعملون، فرواتبهم قليلة في مختلف القطاعات، وكل ذلك يؤثر في القدرة على الإنفاق".
وأوضح أن الإنفاق الأكبر حاليًا يتركز على الطعام، تليه الاحتياجات الأساسية الأخرى، معتبرًا أن المشكلة ناتجة عن تداخل انخفاض الدخل مع ارتفاع الأسعار، في ظل الظروف التي يمر بها القطاع.
وأشار إلى أن الانخفاض المؤقت في أسعار بعض السلع لا يلغي أثر الأزمة الممتدة، التي أحدثت تغيرًا في سلوك المستهلك وطبيعة الاقتصاد خلال سنوات الحرب. ويرى أن انتهاء هذه الظروف يمكن أن يؤدي إلى تغير شكل السوق وتحسن أوضاعه.
وعن التحويلات المالية الخارجية التي تتلقاها بعض الأسر في غزة، قال أبو قمر إن جزءًا من الأسر يعتمد عليها، لكنها لا تمثل مصدر دخل مستدامًا، نظرًا لإمكانية انقطاعها. وأضاف أنها لا تؤثر بصورة كبيرة في الاقتصاد المحلي من ناحية الإنتاج، لكنها تسهم إلى حد ما في تحريك الأسواق.
وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 1.4 مليون شخص في غزة يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يصل البرنامج إلى نحو 1.5 مليون شخص شهريًا في القطاع بالمساعدات الغذائية والنقدية وغيرها من أشكال الدعم.
احتياجات جديدة
مع تغير الأسعار من فترة إلى أخرى، تواجه الأسر في غزة معادلة اقتصادية أكثر صعوبة: دخل محدود أو معدوم في مقابل احتياجات مستمرة ونفقات جديدة فرضتها الحرب.
انخفاض أسعار بعض السلع خلال الأشهر الأخيرة خفف جزءًا من الضغط على الأسر، لكنه لم يستعد قدرتها الشرائية السابقة، في ظل فقدان مصادر الدخل وظهور نفقات لم تكن حاضرة بالحجم نفسه قبل الحرب، من تكاليف الخيام ومستلزماتها إلى الرسوم التعليمية وتكاليف التنقل والطاقة.
وبالنسبة إلى أسر تعيش أصلًا على الحد الأدنى من الإنفاق، قد تتحول نفقات طارئة، مثل شراء دواء، إلى عبء يستدعي الاستدانة أو البحث عن مصدر آخر لتدبير التكلفة.
بهذا تغيرت أولويات الإنفاق لدى كثير من الأسر: الطعام والدواء والمواصلات والمأوى تتقدم على السلع والخدمات التي كانت جزءًا من نمط الحياة قبل الحرب، بينما أصبحت القدرة على الادخار أو تخصيص مبلغ للطوارئ محدودة للغاية.