حين يفتح طارق مسعود (21 عامًا) حاسوبه المحمول، يتفقد البطارية أولًا، ثم الشاحن، ثم الوقت المتبقي أمامه قبل أن يتوقف الجهاز، قبل أن يفكّر أصلًا في المحاضرة التي سيتابعها أو برنامج التصميم الذي سيفتحه. يدرس طارق تكنولوجيا الوسائط المتعددة والتصميم الجرافيكي، وهو تخصص تتطلب برامجه معالجًا قادرًا على تشغيلها، وذاكرة مناسبة، وبطاقة رسومات منفصلة، خصوصًا عند العمل على مشاريع التصميم والمونتاج.

الحاسوب الذي كان يعتمد عليه دُمّر أثناء نزوحه. ومع عودة المحاضرات الإلكترونية، وجد نفسه مضطرًا إلى شراء جهاز جديد في سوق يتجاوز فيه امتلاك حاسوب مناسب حدود الحاجة التعليمية، إلى كلفة يصعب على كثيرين توفيرها.

بحث طارق عن جهاز مستعمل يلائم احتياجات دراسته، فوجد أن أسعار الأجهزة ذات المواصفات المتوسطة تتجاوز في كثير من الحالات 1,200 دولار. كان المبلغ أكبر من قدرته، لكنه احتاج الجهاز لمواصلة دراسته، وفق وصفه: "لم أكن أبحث عن جهاز بمواصفات عالية أو جهاز جديد، كنت أريد فقط جهازًا أستطيع من خلاله تشغيل البرامج التي أدرس عليها".

ولإتمام الشراء، اضطر إلى الاستدانة بمبلغ 550 دولارًا. ظن أن توفير الجهاز سيضع حدًا للمشكلة، قبل أن يكتشف أن كلفته ستتواصل بعد الشراء.

البطارية لا تعمل لأكثر من عشرين دقيقة، والشاحن ترتفع حرارته كثيرًا أثناء الاستخدام، وأحيانًا يتوقف الحاسوب بسببه، خصوصًا أثناء العمل على مشاريع المونتاج. وفي مرحلة التصدير تحديدًا، قد يتوقف الجهاز بعد ساعات من إعداد المشروع، ما يجبره على الانتظار وإعادة المحاولة، مع احتمال فقدان ما أنجزه.

أصبح استخدام الحاسوب نفسه يحتاج إلى ترتيبات إضافية؛ يبحث طارق عن مكان تتوافر فيه الكهرباء لشحنه، ويراقب قدرة البطارية على الصمود، ويضع احتمال تعطل الجهاز في منتصف العمل ضمن حساباته. كما أن بطء الجهاز وتلف بعض المفاتيح يزيدان الوقت اللازم لإنجاز مشاريع التصميم والمونتاج.

جهاز للعمل والدخل

بالنسبة إلى ندى عزام (26 عامًا)، يمثل الحاسوب المحمول وسيلة العمل ورأس المال والطريق الذي يصلها بعملاء خارج غزة.

تعمل عزام بصورة مستقلة في تصميم واجهات المواقع وتحرير الفيديو، وتعتمد على المشاريع التي تنجزها عن بُعد في تأمين دخلها ودخل أسرتها. وعندما أصيب حاسوبها بعطل مفاجئ في دائرة الطاقة، توقفت قدرتها على العمل.

في البداية توقعت أن يكون الإصلاح بسيطًا، قبل أن يكشف الفحص أن القطعة المطلوبة غير متوفرة. كان العطل في قطعة صغيرة داخل الجهاز، هي Power IC، لكن الوصول إليها كان أكثر تعقيدًا من حجمها. تنقلت عزام بين محلات الصيانة بحثًا عنها دون جدوى، ثم عُرض عليها استبدال اللوحة الأم كاملة بلوحة مأخوذة من جهاز قديم مقابل 280 دولارًا، ومن دون ضمان.

المشكلة بالنسبة إليها لم تتوقف عند القطعة الرئيسية؛ فالوصلة والفأرة وغيرها من الملحقات أصبحت بدورها مكلفة. وتصف ذلك بقولها: "المشكلة أنني لا أحتاج إلى جهاز كامل جديد. أحتاج إلى قطعة واحدة فقط، لكن هذه القطعة غير موجودة، ثم أحتاج إلى وصلة، فأجد سعرها مرتفعًا. أحتاج إلى فأرة، فأجد أن سعرها تضاعف. في النهاية، الأشياء الصغيرة التي لم أكن أحسب لها حسابًا أصبحت تكلّفني مبالغ كبيرة".

مرّ أسبوعان وهي تحاول استعادة قدرتها على العمل، تراكمت خلالهما المشاريع وتأخرت مواعيد التسليم، وتأثرت علاقتها بعملائها. بالنسبة إلى من يعمل مع أشخاص خارج غزة، لا يكون سبب التأخير كافيًا لتغيير موعد التسليم؛ فالعميل يستطيع البحث عن شخص آخر إذا لم يلتزم المستقل بموعده.

خلال تلك الفترة خسرت عزام أسبوعين من العمل وعقدًا، وتأثرت تقييماتها. وتختصر أثر العطل عليها بالقول: "أنا أستطيع أن أوفر ثمن قطعة بعد فترة، لكن استعادة عميل خسرته بسبب التأخير ليست بهذه السهولة".

ولا تبدو تجربتها معزولة عن واقع أوسع يخص العاملين عن بُعد في غزة. فوفق منظمة العمل الدولية، فقد القطاع أكثر من 201 ألف وظيفة خلال الحرب، ما يضع أعطال الأجهزة وكلفة إصلاحها ضمن أزمة أوسع تطال فرص العمل والدخل. وكان العمل الرقمي أحد المنافذ القليلة للاقتصاد الفلسطيني في غزة نحو العالم الخارجي.

ومع محاولة طارق وندى التكيف مع أجهزتهما، وجدت أسر أخرى نفسها أمام حل مختلف: تقاسم جهاز واحد متهالك.

جهاز واحد لثلاثة أبناء

في منزل أحمد صيام (50 عامًا)، ينتظر ثلاثة أبناء أوقاتهم لاستخدام الحاسوب المحمول الوحيد في الأسرة، فيما يخشى الأب أن يتوقف الجهاز في أي لحظة.

يعمل صيام ويعيل أبناءه الثلاثة في مراحل التعليم المدرسي والجامعي. ويعود الحاسوب الذي تعتمد عليه الأسرة إلى عام 2015، وقد أثقلته سنوات الاستخدام؛ تظهر خطوط سوداء على شاشته، وتعطلت أجزاء من لوحة مفاتيحه، فاضطرت الأسرة إلى استخدام لوحة مفاتيح خارجية موصولة بسلك مكشوف.

تختلف احتياجات الأبناء بحسب مراحلهم الدراسية. تحتاج الابنة الكبرى، التي تدرس إدارة الأعمال، إلى الحاسوب لكتابة أبحاث طويلة، بينما يستخدم الابن الآخر الجهاز للمحاضرات والواجبات، ويلجأ الأصغر إلى الهاتف لتقديم بعض الاختبارات والمنصات التعليمية عندما يكون الحاسوب مشغولًا، رغم صعوبة إنجاز المهام من شاشة صغيرة وواجهة لا تتناسب دائمًا مع طبيعة الاختبار.

ولتنظيم الاستخدام، اضطرت الأسرة إلى توزيع الساعات بينهم. أما شراء جهاز إضافي، فظل خارج القدرة المالية لصيام؛ إذ وجد أن سعر جهاز مستعمل يمكن أن يستهلك مبلغًا كان يكفي لتغطية نفقات الطعام لعدة أشهر.

الخوف الأكبر بالنسبة إليه هو توقف الجهاز الوحيد نهائيًا، لأن ذلك سيؤثر في دراسة الأبناء الثلاثة في وقت واحد. يقول: "أنا كأب لا أملك القدرة على شراء ثلاثة أجهزة، ولا أستطيع حتى شراء جهازين بسهولة".

وتأتي هذه الضغوط في سوق عمل منهار؛ إذ يقدّر رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال غزة سامي العمصي نسبة البطالة الحالية بين 80% و85%، فيما تتجاوز نسبة الفقر بين العمال 90%. وارتفع عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 400 ألف عامل، مقارنة بما بين 180 و200 ألف قبل الحرب.

في ظل هذا الواقع، يمكن لقطعة غيار صغيرة أن تصبح إنفاقًا يصعب على الأسرة تحمله.

شح القطع يرفع كلفة الإصلاح

في الطرف الآخر من السوق، يستقبل إبراهيم علي (24 عامًا)، فني صيانة وصاحب كشك لإصلاح الأجهزة الإلكترونية، مستخدمين يبحثون عن إصلاح أجهزتهم بدل شراء أجهزة جديدة.

خلال الحرب، تغيرت طبيعة الأعطال التي تصل إلى ورشته. تكررت أعطال دوائر الطاقة، مثل Power IC ومكثفات الشحن، نتيجة تذبذب الكهرباء في المولدات ومصادر الطاقة البديلة، إلى جانب شاشات متصدعة بسبب النقل والنزوح وبطاريات انتفخت بفعل التوصيلات غير المستقرة.

وترافقت هذه الأعطال مع شح القطع اللازمة للإصلاح، خصوصًا دوائر الطاقة الأصلية، وبطاريات الحواسيب المحمولة السليمة، ومراوح التبريد المتوافقة مع بعض المعالجات الحديثة.

أما أسعار القطع، فقد ارتفعت بنسب تصل إلى 70% لبعضها، وفق علي، نتيجة شبه انعدام التوريد الرسمي، ومحدودية الكميات التي تصل، وارتفاع تكاليف نقلها.

وتظهر الفجوة بصورة أكبر في الملحقات اليومية. فالشاحن التجاري الذي كان يباع بنحو 25 إلى 35 شيكلًا أصبح سعره بين 150 و200 شيكل، فيما ارتفع سعر بعض وصلات التحويل من نحو خمسة شواكل إلى 50 شيكلًا.

ومع ارتفاع أسعار الأجهزة الجديدة وشحها، اتجه الزبائن بصورة أكبر إلى الصيانة وإعادة استخدام الأجهزة القديمة. الأجهزة المستعملة التي كانت تباع قبل الحرب بنحو 700 إلى 1,000 شيكل، تبدأ الآن، وفق ما يراه علي في السوق، من نحو 1,800 شيكل، وقد تتجاوز 3,500 شيكل، تبعًا لحالة البطارية واللوحة الأم.

ويختصر واقع ورشة الصيانة بجملة واحدة: "المشكلة لم تعد في وجود العطل فقط؛ المشكلة أصبحت في العثور على القطعة، ثم القدرة على دفع ثمنها".

قيود التوريد تضيق السوق

يربط المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر ارتفاع أسعار أجهزة الحاسوب بنقص المعروض في السوق، نتيجة عدم دخول كميات كافية من الأجهزة خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الأجهزة المتاحة.

ويرتبط هذا النقص المزمن، وفق تقارير حقوقية وصحفية دولية، بقوائم القيود الإسرائيلية على دخول ما يوصف بـ"السلع مزدوجة الاستخدام" إلى قطاع غزة، والتي تضم عشرات آلاف الأصناف المدنية غير المعلنة رسميًا، من بينها أجهزة حماية الطاقة (UPS)، رغم انقطاع الكهرباء المتكرر في القطاع.

وقد نقلت صحيفة الغارديان البريطانية عن مصدر غربي مطّلع قوله إن الاعتبارات الأمنية لا تبدو العامل الحاسم في هذه القرارات، وإن قائمة الاستخدام المزدوج تُستخدم كأداة إضافية للتحكم بما يدخل إلى غزة.

وتنعكس قلة الأجهزة الجديدة على سوق المستعمل وقطع الغيار معًا. فكلما تراجع المعروض من الأجهزة الجديدة، زاد الاعتماد على المستعملة، وارتفع الطلب عليها وأسعارها. ومع زيادة استخدام الأجهزة القديمة، تتزايد الحاجة إلى الصيانة والقطع، فيما تعاني هذه القطع نفسها من الشح.

ويصف أبو قمر جانبًا آخر من هذا الواقع بـ"اقتصاد الركام"، إذ يجري استخراج أجهزة حاسوب من تحت الركام والاستفادة من أجزائها وإعادة بيعها كقطع غيار. وقد ساعد ذلك بصورة محدودة في توفير بعض القطع التي يصعب الحصول عليها من مصادر أخرى.

أثر يتجاوز سوق الأجهزة

يتجاوز نقص الحواسيب سوق الإلكترونيات إلى الاقتصاد الرقمي والعمل عن بُعد، الذي كان يمثل فرصة لشريحة من الشباب في غزة للعمل مع جهات خارج القطاع.

وبحسب أبو قمر، كان نحو 30 ألف شاب وشابة يعملون عن بُعد قبل الحرب وحتى السابع من أكتوبر، لكنهم واجهوا بعدها صعوبات متزايدة بسبب انقطاع الإنترنت والكهرباء وتضرر البنية التحتية، قبل أن يضاف إليها نقص أجهزة الحاسوب وارتفاع أسعارها.

ويمتد الأثر إلى التعليم أيضًا، الذي اعتمد خلال الحرب بدرجة كبيرة على الوسائل الإلكترونية، فيما يحتاج الطلبة إلى أجهزة قادرة على تشغيل المنصات التعليمية وإنجاز المحاضرات والواجبات والاختبارات.

بين جهاز يتعطل ولا يجد صاحبه قطعته، وآخر يُشترى مستعملًا بأضعاف سعره السابق، وثالث تتقاسم استخدامه أسرة كاملة، أصبحت أجهزة الحاسوب في غزة جزءًا من كلفة يومية للعمل والدراسة. وما كان أداة لإنجاز المهام أصبح عبئًا يبدأ من ثمن الجهاز ويمتد إلى الشاحن والبطارية وقطعة الغيار.

وفي ظل استمرار شح الأجهزة والملحقات، يدفع المستخدم ثمن القدرة على مواصلة استخدام الحاسوب أكثر من ثمن شرائه مرة واحدة؛ فقد يعني كل عطل أو قطعة مفقودة أيامًا إضافية خارج الدراسة أو العمل. وهكذا ينعكس قرار يتعلق بحركة السلع والتوريد خارج حدود القطاع على ساعة انتظار إضافية لطالب، وموعد تسليم يفلت من يد مستقلة، وابنٍ يؤدي امتحانه من شاشة هاتف صغيرة بدل حاسوب معطل.