مرت أيام عديدة وأيهم مطير (35 عامًا) يترقب وصول مبلغ 5,000 شيكل، وهو يعوّل عليها لتدبير احتياجاته وسداد التزاماته وسط ظروف معيشية خانقة. لكن حين حان موعد استلام الحوالة، اكتشف أن المبلغ الذي انتظره لم يكن في متناول يده؛ إذ لم يكن يملك حسابًا بنكيًا باسمه.

لجأ مطير إلى "استئجار حساب بنكي" يملكه شخص آخر لاستلام المبلغ. وعن تفاصيل العملية، يقول: "اتفقنا على استقبال الحوالة عبر الحساب المستأجر مقابل عمولة قدرها 8% من إجمالي المبلغ الأصلي. خسرت 400 شيكل كعمولة، وحصلت على 4,600 شيكل فقط. كنت بحاجة إلى المبلغ، ولم يكن أمامي خيار آخر للحصول عليه، لذلك وافقت على دفع العمولة". 

ويضيف مطير أنه لم يحصل على المال بشكل فوري: "انتظرت ثلاثة أيام قبل أن أتمكن من استلام المبلغ نقدًا، وخلال هذه الفترة ظل المال في حساب شخص آخر، ما وضعني أمام مخاوف ومخاطر إضافية في حال نشأ خلاف بين الطرفين أو تعذر الوصول إلى الحساب".

أزمة التوثيق

وفي حالة أخرى، تشكّل الحوالات المالية عبر الإنترنت المصدر الأساسي لدخل صبا خضير (26 عامًا) لإعالة أسرتها. لكن فقدانها هويتها واضطرارها إلى استخراج بدل فاقد من الجهات الرسمية في غزة وضعاها أمام عائق جديد؛ إذ لم تتمكن من استخدام الهوية المستخرجة في فتح حساب مصرفي باسمها.

تقول خضير إنها توجهت إلى أحد فروع بنك فلسطين وانتظرت نحو ست ساعات، قبل أن تُبلغ بأن الهوية التي استخرجتها من غزة كبدل فاقد لا يمكن اعتمادها لفتح حساب. وتضيف: "أنا أعمل عبر الإنترنت، ودخلي هو المصدر الذي أعتمد عليه لإعالة أسرتي، وكنت بحاجة إلى استلام راتبي. رجعت من البنك دون حل".

ومع تعذر فتح حساب باسمها، اضطرت خضير إلى استئجار حساب بنكي لشخص آخر لاستلام راتبها، مقابل عمولة تُقتطع من المبلغ، موضحة أنه "لم يكن أمامها خيار آخر لاستلام الراتب وإعالة أسرتها.

وتتصل معاناة خضير بإشكالية أوسع تواجه حاملي الوثائق التي تصدرها الجهات المدنية في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ إذ تواجه هذه الهويات صعوبات في اعتمادها لدى بعض المؤسسات خارج القطاع، في ظل خلاف حول اعتماد الوثائق الصادرة من غزة.

كما تمتد صعوبات الوصول إلى الحسابات المصرفية في غزة من صعوبة فتح الحساب بسبب فقدان الوثائق ومشكلات إثبات الهوية، وهي مشكلة واجهها 16% من المراجعين وفق غرفة العمليات الحكومية، إلى تضرر الفروع وأجهزة الصراف الآلي؛ إذ تضرر 93% من فروع البنوك في القطاع حتى يوليو/تموز 2024، بحسب البنك الدولي. كما شملت الصعوبات تجميد بعض الحسابات وقيودًا على الخدمات والسقوف المالية، إلى جانب أزمة السيولة النقدية التي زادت صعوبة الوصول إلى الأموال وإجراء المعاملات.

تأجير الحسابات

 على الجانب الآخر، يتيح بعض المواطنين حساباتهم الفعالة لاستقبال أموال تعود لغيرهم مقابل عمولة مالية. محمد أدهم (33 عامًا) لا يملك مصدر دخل ثابتًا، ويبيّن أنه مع صعوبة الحصول على فرصة عمل، وجد في حسابه البنكي وسيلة للحصول على دخل من خلال السماح لأشخاص آخرين باستخدامه لاستقبال أموالهم. 

يقول أدهم: "أستقبل الحوالات على حسابي، ثم أسحب الأموال أو أنسق لتحويلها إلى أصحابها، مقابل عمولة نتفق عليها مسبقًا، وبذلك أحصل على دخل من كل عملية تمر عبر حسابي". 

ويضيف أن قيمة العمولة تختلف بحسب قيمة المبلغ وطبيعة العملية، وأن التعامل يجري غالبًا من خلال المعارف أو وسطاء يربطون بين أصحاب الأموال ومن يملكون حسابات فعالة. 

وحول المخاطر المرتبطة بهذه الممارسة، يوضح أدهم: "أعرف أن الأمر فيه مخاطرة؛ فحركة الأموال المتكررة عبر الحساب قد تثير تساؤلات لدى البنك، أو تؤدي إلى تجميد الحساب، خصوصًا أن الأموال التي تمر فيه ليست ملكًا لي ولا أثق في مصادرها، لكنني لا أملك دخلًا ثابتًا، وهذا الحساب أصبح بالنسبة لي وسيلة أساعد بها أسرتي".

القطاع التجاري

تُظهر المقابلات التي أجرتها مراسلة "آخر قصة" مع عدد من المتعاملين تفاوتًا في العمولات المفروضة على استخدام الحسابات؛ إذ تتغير النسبة بحسب قيمة المبلغ، وطبيعة العملية، ومدى تدخل وسيط بين الطرفين. وتتم بعض العمليات عبر شبكات المعارف الشخصية أو الوسطاء، وتُحدد العمولة مسبقًا قبل تنفيذ العملية، حيث تُقتطع إما مباشرة من المبلغ المحوّل أو يدفعها المستفيد بشكل منفصل. 

ولا تقتصر هذه الممارسة على الأفراد؛ إذ امتدت إلى المعاملات التجارية في ظل تعطل حسابات بعض التجار أو صعوبة الوصول للخدمات المصرفية. 

أمين السوافيري (50 عامًا)، تاجر جملة، يذكر أن حسابه البنكي الرئيسي مجمّد منذ نحو شهرين من إدارة البنك؛ ما حدّ من قدرته على إجراء التحويلات وتسديد مستحقات تجارته. 

وعن كيفية إدارة معاملاته، يقول السوافيري: "لجأت إلى استخدام ثلاثة حسابات ومحافظ إلكترونية تعود لأشخاص آخرين، وكل حساب أدفع شهريًا 800 شيكل لاستئجاره، بهدف تمرير بعض معاملاتي المالية وتأمين احتياجات تجارتي، مقابل عمولات تُقتطع من قيمة العمليات". 

ويضيف: "حسابي مجمّد منذ فترة، وأنا بحاجة إلى مواصلة تجارتي وتسديد التزاماتي، لذلك اضطررت إلى استخدام ثلاثة حسابات ومحافظ لأشخاص آخرين حتى أستطيع تمرير معاملاتي، لكن كل عملية تعني عمولة إضافية، وهذه تكلفة تتحملها تجارتي في النهاية".

 

التحليل الاقتصادي

يرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن تأجير الحسابات البنكية يمثل ظاهرة أفرزتها القيود التي تواجه المواطنين والتجار في الوصول إلى الخدمات المالية وفتح الحسابات الجديدة. 

ويوضح أبو قمر أن صعوبة فتح الحسابات، بما في ذلك المشكلات المرتبطة بالهوية، إلى جانب محدودية بعض الحسابات وسقوف التحويلات، تدفع أفرادًا وتجارًا إلى استخدام حسابات أشخاص آخرين لتسيير المعاملات. 

ويشير إلى أن العمولات المفروضة ليست ثابتة وتتفاوت بحسب طبيعة المعاملة وحاجة صاحبها للسيولة والتدخل عبر الوسطاء، مما يعكس غياب آلية رسمية تنظم هذه العمليات. 

وبحسب أبو قمر، فإن تمرير الأموال عبر حسابات مسجلة بأسماء آخرين يخلق مخاطر مالية وقانونية في حال نشوب خلافات أو تجميد الحسابات. ففي حين قد يتأثر صاحب الحساب بحركة أموال لا تعود له، يتحمل صاحب الأموال المخاطر الأكبر في حال تعذر الوصول إلى الحساب أو رفض مالكه تسليم المبالغ.

ويضيف أن العمولات المقتطعة قد تتحول إلى تكاليف تشغيلية إضافية على التجار، ما قد ينعكس على أسعار السلع المقدمة للمستهلكين. ويعتبر أبو قمر أن انتشار الممارسة يعكس فجوة في الشمول المالي، مشيرًا إلى أن معالجة الأسباب تتطلب تسهيل فتح الحسابات وتوفير حسابات تجارية تتناسب سقوفها مع نشاط التجار. 

 

المسؤولية القانونية

تبيّن الوثائق المصرفية أن استخدام الحسابات يخضع لإجراءات التحقق من هوية العميل وطبيعة نشاطه ومصدر أمواله وفق قاعدة "اعرف عميلك" (KYC). وتشمل الإجراءات الحصول على الوثائق المتعلقة بطبيعة العمل ومصادر الدخل عند فتح الحساب، والتحقق من الأشخاص المفوضين، وتحديث البيانات ومراقبة الحركة المالية. 

ومن الناحية القانونية، يُنظّم القرار بقانون رقم (39) لسنة 2022 بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب قانون المصارف رقم (9) لسنة 2010 وتعديلاته، إجراءات التعرف على العميل والمستفيد الحقيقي ومراقبة العمليات المالية. 

ويرى المحامي حماد ضهير أن استخدام أو تأجير الحساب لا يُعد جريمة مستقلة بهذا الاسم في القانون الفلسطيني، لكن المسؤولية القانونية قد تتصاعد إذا استُخدم الحساب لإخفاء مصدر الأموال أو المستفيد الحقيقي، أو لتمرير أموال غير مشروعة.

ويوضح ضهير أن صاحب الحساب يبقى مسؤولًا أمام المصرف عن الحساب والعمليات التي تتم من خلاله، في حين تتحدد المسؤولية القانونية بحسب مصدر الأموال ومدى علم صاحب الحساب وطبيعة دوره. ويضيف أن تكرار استقبال أموال من أشخاص متعددين مقابل عمولات يرفع من درجة المخاطر الرقابية. 

وفي حال تجميد حساب يحتوي أموالًا تعود لشخص آخر، يبيّن ضهير أن إثبات الملكية قد يتطلب تقديم إيصالات التحويل، والمراسلات، والفواتير، وإثبات مصدر الأموال، إضافة إلى المستندات التي توضح طبيعة العلاقة مع صاحب الحساب. وينوه ضهير إلى أن النقاش يرتبط أيضًا بأسباب اضطرار الأفراد لاستخدام حسابات الغير والبدائل المتاحة أمامهم. 

الموقف الرسمي

حاولت مراسلة "آخر قصة" التواصل مع سلطة النقد الفلسطينية (عبر مدير العلاقات العامة والإعلام ريان الحنتولي) وبنك فلسطين (عبر المسؤول الإعلامي ربيع دويكات ورقم الخدمة)؛ ورغم الاتصالات المتكررة على مدار أسبوع كامل، لم تتلقَّ أي رد رسمي حتى لحظة إعداد التقرير بشأن ظاهرة تأجير الحسابات البنكية. 

واقتصر التوضيح الوحيد على ممثل خدمة العملاء عبر الرقم المجاني لبنك فلسطين، الذي أكد التزام المصارف بإجراءات التحقق من المستفيد الحقيقي والإبلاغ عن العمليات المشبوهة وفق التعليمات الرقابية. 

تُظهِر الشهادات الميدانية أنّ معضلة "استئجار الحسابات البنكية" تجاوزت حدود "الممارسة الفردية" لتستحيل تجارة أزمات فرزتها الفوضى الممتدة وشلل القطاع المصرفي. 

ولمواجهة هذا الواقع، يرى مختصون أن المنظور الرسمي يتطلب خطوات عاجلة تشمل: تبسيط قيود التوثيق لمن فقدوا وثائقهم، وإتاحة سقوف مالية مرنة للتجار، وتوفير السيولة النقدية في الأسواق. ودون تدخل حقيقي من سلطة النقد والجهات المصرفية والتنفيذية ذات العلاقة، سيظل المواطن الغزي مجبرًا على دفع عمولات اقتطاعية لحماية قوته وقوت أسرته.