لا يملك مصطفى (33 عامًا) -اسم مستعار بناءً على طلبه- رفاهية اختيار مصدر التيار الكهربائي الذي يوفره لمنزله في مدينة غزة. ففي الشارع الذي يقطنه، يُحدّد "مُولّد السويسي" سعر كيلوواط الكهرباء بـ 28 شيكلًا، دون مساحة للتفاوض أو البدائل.

ويُحدّد أصحاب المولدات في الشوارع المجاورة- ومنها مولّدا المصري وأبو زايد- مناطق نفوذهم، بموجب تفاهمات احتكارية، وبأسعار مخالفة لما تُحدّده سلطة الطاقة، تُثقل كاهل المواطنين الذين فقد 80% منهم مصدر دخلهم، في واقعٍ تجاوزت فيه نسبة الفقر 93%، وفق أحدث إحصائية لوزارة العمل.

يقول مصطفى، مستنكرًا: "هل كوننا منكوبين يعني أن تتمّ استباحتنا أكثر؟ لا يُمكن أن تكون هذه الأسعار عادلة". ويُوضح أنّ أبسط الضروريّات اليومية -كرفع المياه إلى الخزانات، والإضاءة وشحن الهاتف- باتت عملية استنزاف مالي تلتهم أكثر من 120 شيكل أسبوعيًا، بالكاد يستطيع تأمينها في ظروف مادّية معقدة نتيجة فقدانه مصدر دخله الوحيد خلال الحرب، فضلًا عن معاناة الصِّغار التي تتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة في الصَّيف.

الكهرباء.. سلعة استنزاف

​خلف هذا الاحتكار المحلّي، تكمن مأساة أكبر؛ انهيار شامل في البنية التحتية لقطاع غزة بلغت نسبته 85%، وضعف رقابي وتنفيذي ترك المواطنين لما وصفوه بـ "الاستغلال" في ظلّ انعدام البدائل، لتتحوّل الكهرباء من حق إنساني إلى سلعةٍ خاضعة لشروط السوق السوداء. وهو ما يطرح سؤالاً يتردّد صداه بين النازحين: هل يُترَك الغزيون لمواجهة مصيرهم ونهش ما تبقّى من كرامتهم، أم هناك من قرّر أنّ الأزمة فرصةً للربح؟

أحمد (37 عامًا)- اسم مستعار بناءً على رغبته- يقطن في منطقة الميناء غرب مدينة غزة، وهو مُشترك لدى مُولّد كهرباء (أبو حصيرة)، الذي حدّد مالكه التسعيرة بِـ 33 شيكلًا للكيلوواط من الكهرباء، يقول أحمد: "تصلنا الفاتورة كل 10 أيام بمبلغ يتجاوز 500 شيكل، لتلبية أدنى الاستخدامات الأساسية. هذه التسعيرة غير مقبولة ولا منطقية، ولا تتوافق مع التسعيرة الرسمية المعلنة". 

ويُتابع حديثه لنا بنبرة مُثقلة بمرارة الواقع: "حتى لو خفّضوا التسعيرة إلى عشرة شواكل للكيلو، ستظلّ مرتفعة مقارنة بحال الناس وتردّي الظروف المعيشية في غزة بفعل الحرب".

وبالعودة إلى مصطفى، يتساءل: "سلطة الطاقة لا سلطة لها على أصحاب المولدات، ولا يوجد تدخّل من الجهات الحكومية. ثم لماذا لا تضع المؤسسات الدولية هذا الملف في أجندتها، وتُحاول توفير سولار للمولّدات على شاكلة ما كان يتم توفيره للمخابز؟". 

واتفق معه أحمد حول "عدم سيطرة سلطة الطاقة"، إذ يقول: "إنها سلطة بدون سلطة". مُضيفًا أنّ "صاحب المولد يتعذّر بارتفاع أسعار السولار والزيت ووجود تكاليف صيانة. كل جهة تُلقي المسؤولية على غيرها وفي النهاية المواطن هو من يدفع الفاتورة الأكبر".

ولتحديد نطاق المسؤوليات، نعود إلى القانون الفلسطيني، وتحديدًا القرار بقانون رقم (13) لسنة 2009م بشأن قانون الكهرباء العام، والذي تنصّ فيه المادة رقم (4) البند (8)، على أنْ تتولى سلطة الطاقة والموارد الطبيعية الفلسطينية مهام وصلاحيات عدّة منها “وضع التعرفة الكهربائية ورسوم الاشتراك (لمشروعات توليد الطاقة الكهربائية) وبدل تكاليف التمديدات والتأمينات والخدمات الأخرى اللازمة لإيصال التيار الكهربائي للمستهلك، ورفعها لمجلس الوزراء للمصادقة عليها”.

توجّهنا إلى رئيس سلطة الطاقة والموارد الطبيعية في قطاع غزة، جلال اسماعيل، الذي أوضح لـ "آخر قصة" أن سلطة الطاقة تُعلن تسعيرة رسمية للكيلواط/ ساعة، ويتم تحديثها كل أسبوعين، بعد دراسة الظروف التشغيلية وأسعار المواد، بشكل مهني وعادل للمواطنين وأصحاب المولدات"، مشيرًا إلى أنه يتم تعميم التسعيرة الدورية وتعليمات سلطة الطاقة على جميع أصحاب المولّدات عبر مجموعات خاصّة بهم، ونشرها في بيانات رسمية عبر الإعلام، كما يتم التنسيق مع الجهات الحكومية ذات العلاقة لإلزام المخالفين بالتسعيرة الرسمية.

وبيّن اسماعيل أن: "سلطة الطاقة تعتمد في تسعيرة كهرباء المولدات على دراسة ميدانية مرجعيّة أُجرِيَت قبل الحرب، لتحديد التعرفة الرسمية، شارك فيها كلٌّ من: الغرفة التجارية، أطراف نقابية، جهات حكومية، استشاريون، وممثّلون عن أصحاب المولّدات". 

وتمّت الدراسة على 3 مشاريع مولّدات- كل مشروع يضمّ أكثر من مولد- استغرقت أكثر من شهر. مُشيرًا إلى أنّ الطواقم المختصة تُجري "تكييفًا دوريًا للتسعيرة؛ تُراعي المتغيرات الاقتصادية، ومنها أسعار المواد خلال الفترة الحالية، ومحدودية البيع وانخفاضه عما قبل الحرب بمقدار الثلث".

غياب تطبيق القانون

لا يتوقّف الأمر عند إقرار التسعيرة، فخلال اطّلاعنا على النصوص القانونية، وجدنا عقبة أساسية كامنة في المادة رقم (5) من التشريع ذاته، والتي تنصّ على إنشاء "مجلس تنظيم قطاع الكهرباء"، بهدف "مراقبة كل ما يتعلّق بنشاط قطاع الكهرباء، إنتاجًا ونقلًا وتوزيعًا واستهلاكًا، بما يضمن توافرها واستمرارها في الوفاء بمتطلبات أوجه الاستخدام المختلفة بأنسب الأسعار مع الحفاظ على البيئة، ومراعاة مصالح مستهلك الطاقة الكهربائية ومصالح مُنتجي وناقلي ومُوزّعي الطاقة الكهربائية". 

وتأتي المادة (9) لتُحدّد تفصيلًا مهامَ المجلس في عشرة بنود؛ بين رقابة وإلزام ووضع ضوابط وتأسيس قواعد بيانات وضمان جودة، كما أن هذا المجلس هو من يرفع توصياته بشأن التسعيرة الملائمة لسلطة الطاقة، وقبول أو رفض تراخيص المولّدات. تكمن العقبة في كون المجلس، بمواده، وبنوده العشرة، غير موجود في قطاع غزّة، بالمُطلق، وهي فجوة ساحقة بين التشريع والتطبيق، أقرّتها سلطة الطاقة، التي أوضحت أنها هي من تتولّى مهام المجلس في غزة.

ويبلغ عدد مشاريع المولّدات الكهربائية في كامل قطاع غزة 83 مشروعًا من أصل 150 قبل النزاع (والمشروع قد يضمّ عدد من المولّدات) بحسب اسماعيل، الذي أفاد بأنّ سلطة الطاقة تتبع خطواتٍ عدّة لتنظيم عمل هذه المشاريع؛ منها "حثّ أصحاب المولّدات- في اجتماعات وجاهية دورية- على ضرورة الالتزام بالنظام القائم وتصويب أوضاعهم، فضلًا عن التنسيق مع الجهات الحكومية لإلزام المخالفين بالتسعيرة الرسمية و/ أو الترخيص، وأن هناك قرابة 45 مشروعًا متقدّمًا للترخيص حاليًا نتيجة هذه الجهود". لافتًا إلى إطلاق منصة إلكترونية لاستقبال شكاوى المواطنين في هذا الإطار.

ويُضيف رئيس سلطة الطاقة أنهم يواصلون العمل لدعم عمل المولدات التجارية من خلال التواصل مع الجهات الدولية والمانحة لتوفير السولار، والزيوت، وقطع الغيار بأسعار مدعومة، "لكن لم تكلل هذه الجهود بالنجاح حتى اللحظة". 

وأمام هذا الانسداد، وجّه نداءً عاجلًا للمجتمع الدولي والمانحين بضرورة التدخل الفوري لدعم هذا القطاع الحيوي.

وفي إطار محاولة البلديات للضّبط التعاوني، قادت بلدية خان يونس جنوب قطاع غزة جهودًا استباقية لتنظيم عمل المولدات، وفق ما أفادنا به المتحدث باسم البلدية، صائب لقّان، إذ نظّمت لقاءات مُجتمعية جمعت أصحاب المولّدات ولجان الأحياء، مع إجراء زيارات ميدانية لضمان معايير السلامة، إلى جانب إعداد خطط طموحة لإنارة المفترقات والشوارع، رغم البيئة التشغيلية المدمرة التي تفرضها الحرب.

احتكار يفرض شروطه

على الرغم من ذلك، لا تزال الهوّة كبيرة بين التصريحات والواقع المعاش، ففي الأحياء الغربية من مدينة غزة، يتقاضى مُولّد "المدينة" من الأهالي 33 شيكلًا للكيلواط، ومولّد "البابا" 30 شيكلًا، و"الحداد" 29 شيكلًا. هكذا تختلف التسعيرة، دون أدنى التزامٍ بالتعميم الرسمي، وفي حال اعتراض المواطن المُشترك بهذه المولّدات- وغيرها- على الأسعار، يتم الردّ عليه بالجملة ذاتها مع اختلاف الصياغات "هذا هو نظامُنا" و"لو التسعيرة لا تُعجبك بإمكانك إلغاء الاشتراك والبحث عن مولّد آخر. 

يقول الشاب مصطفى: "لو أردتُّ نقل اشتراكي إلى مولّدٍ آخر، لا أستطيع" في إشارة إلى ارتفاع الأسعار عند جميع المولّدات في منطقته.

وخلال رصدنا، وجدنا أن الواقع يتجاوز كونه مخالفة قانونية يرتكبها أصحاب مشاريع مولّدات الكهرباء، غير الملتزمين بالتسعيرة، ليتضمن سلوكيات غير مقبولة تُمارَس بحق المواطنين؛ وتُدلِّل على هذا شهادات عدّة وثّقتها "آخر قصة"، منها أنّ بعض أصحاب المولّدات جعلوا أزمة السيولة عقبة إضافية أمام الناس، إذ يُطالب بعضُهم برسوم الاشتراك نقدًا فقط، ولا يقبلون بالتحويل الإلكتروني عبر التطبيق البنكي (وهي الطريقة التي يلجأ إليها الغزيون لتجاوز أزمة شحّ السيولة وتلف الورق النقدي)، فلا يقبلون إلا بالكاش، وفي أحسن الأحوال يشترط الواحد منهم دفع نصف المبلغ نقدي والباقي عبر الدفع الالكتروني، ولو لم تكن الورقة جديدة لا يقبل أخذها من المُشترِك ويُهدده بفصل الكهرباء عنه.

تقول إيناس، التي تنزح عائلتها في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، لـ "آخر قصة": لا يقتصر الأمر على ارتفاع التسعيرة، إذ يشمل ارتفاع أسعار الكوابل ومستلزمات التمديد. في أول الاشتراك كي تصلك الكهرباء ستدفع 600 شيكل، وكل هذه الأموال لا تتضمّن جودة الخدمة، فقد يُفصَل التيار عدّة مرات في اليوم، أو ينقطع تمامًا بحجّة الأعطال والصيانة، وتبقى مُطالَبًا بدفع الحدّ الأدنى للاشتراك بدون نقاش. 

وتُضيف إيناس ساخطةً: "لا توجد جهة فاعلة تضبط وتراقب، أو تشتكي إليها هذه التجاوزات. الوضع في قمّة الفوضى". 

في الوقت نفسه، يرى حسين، من خانيونس جنوبي القطاع أن "المواطن المغلوب على أمره بحاجة لمن يُسانده، لا أن يتم استغلاله من تُجار امتهنوا استهداف كرامته". مُطالبًا بضرورة إيجاد حل مُنصِف لكلّ الأطراف، بحسب تعبيره.

بماذا يُبرر أصحاب المُولّدات؟

في المقابل، يُبرّر رئيس جمعية أصحاب المولّدات في قطاع غزة، عبادة الخالدي- في مقابلة مع "آخر قصة"- عدم الالتزام بالتسعيرة الرسمية بكونها غير منصفة، ولا تتوافق مع أسعار السوق المحلّي. ويقول إن "سلطة الطاقة لا علم لها بالتكاليف الواقعية لعملية التشغيل بسبب عدم ممارستها للتشغيل الفعلي على الأرض". وعزا تباين الأسعار بين المناطق إلى عدم توحيد سعر الوقود والزيت، واستخدام مصادر أخرى للوقود، ما يُسبّب أعطالًا كثيرة في مُحرّكات المولدات، تستوجب الصيانة.

وكشف الخالدي عن لقاءات جرت بين أصحاب المولّدات وسلطة الطاقة مؤخرًا لبحث هذا الملف. وعن هذه اللقاءات أفادنا أحد أصحاب المُولّدات في مدينة غزة، وهو عضو في الجمعية، مصطفى أبو حصيرة بأنها "تهدف إلى التوصل لتسعيرة عادلة وتتماشى مع واقع الأسعار، خاصة مع وصول سعر ليتر زيت المحركات إلى 3000 شيكلًا، وليتر السولار 35 شيكلًا، فضلًا عن أسعار قطع الغيار التي تفوق الخيال، إن وُجدت".

​ويُرجِع أبو حصيرة تفاوت الأسعار بين المناطق إلى تباين "كفاءة المولدات"؛ فبينما تمتلك بعض المشاريع مولدات حديثة مُوفّرة، يُشغّل آخرون محركات قديمة أو "محركات شاحنات" تستهلك وقودًا وزيوتًا بمعدلات مرتفعة لتعويض نقص البدائل في ظل ندرة قطع الغيار. ويلفت أبو حصيرة في حديثه لـ"آخر قصة"، إلى "أزمة الفاقد" التي تتجاوز في بعض المشاريع 30%، نتيجة تلف الشبكات وقِدَم الكوابل وعدم القدرة على تجديدها؛ مما يجعل كل مشروع يعمل بتكلفة تشغيلية خاصة.

هامش الربح قيد المُساءلة

ويُبرِّر أصحاب المُولِّدات وصولَ سعر الكيلوواط إلى 35 شيكلًا باحتساب تكاليف التشغيل التي تشمل السولار (19.5 شيكلًا)، والزيوت (8 شواكل)، والصيانة الباهظة (4 شواكل)، بالإضافة إلى رواتب الموظفين والمصاريف التشغيلية (2 شيكلًا). وبهذا تكون تكلفة الإنتاج الفعلية 33 شيكلاً، ما يترك هامش ربح لا يتجاوز 2-3 شواكل لكل كيلوواط، معتبرين أن "السعر العادل لتغطية التكاليف وتحقيق ربح معقول، بنسبة 15%، يجب ألا يقل عن 38 شيكلًا". 

لكن، وفق هذه الحسابات، إذا كانت التكلفة الفعلية (قبل هامش الربح) 33 شيكلًا كما يؤكد أصحاب المولدات، يتساءل مواطنون: كيف تُباع الكهرباء في مناطق أخرى بـ 25 شيكلًا؟ هل تبيع تلك المولدات بخسارة، أم أن التكاليف المُعلن عنها مبالغ فيها؟

يُجيب على هذا التساؤل، المختصّ الاقتصادي محمد أبو جياب، في حديثه لـ "آخر قصة"؛ إذ يقول: "هامش الربح قبل الحرب لم يكن يتجاوز 15٪ رغم التكلفة التي كان يباع فيها، وهي 3.5 شواكل للكيلوواط/ساعة، بينما اليوم يحافظ أصحاب المولدات على نسبة الربح ذاتها لهم مع أن التكلفة التشغيلية أكبر بأضعاف".

ويرى أبو جياب أن "لا حديث حقيقي عن تدخّلات رسمية لضبط التسعيرة في ظل انعدام القدرة الحكومية على التدخّل وتأمين مدخلات الإنتاج أو ضبط أسعارها، أو توفير المولّدات الحديثة، في ظل الحصار والقيود الإسرائيلية". 

ويضيف: أنه "كنتاج لهذه القيود يدفع المواطن تكاليف السوق السوداء التي خلقها الاحتلال، في كل جوانب الحياة بغزة، ومنها تكلفة الكهرباء التي باتت ترهق المواطن وتستنزف قدراته المالية". وأي تغيّر في هذا المشهد- بحسب أبو جياب- يحتاج إلى تغيير جذري في واقع القطاع وإعادة بناء شبكات الكهرباء ومصادرها وإنتاجها.

بين تأكيدات سلطة الطاقة بسعيها لضبط السوق، ومبررات أصحاب المولدات حول كلفة التشغيل المرتفعة، يبقى المواطن في غزة معلقًا بين التعرفة الرسمية غير المطبقة والأسعار المفروضة أمرًا واقعًا؛ في انتظار ما قد تسفر عنه التفاهمات الجارية أو أي انفراجة في إمدادات الوقود والزيوت المدعومة.