تتمعن آية الحلو في ورقة بيضاء، خُطّ عليها بالعنوان العريض: "إفادة مفقود". ورقة لا تثبت وفاة زوجها شوقي الحلو، لكنها في الوقت نفسه لم تكن كافية، بحسب ما واجهته، لإدراج أطفالها الأربعة ضمن منظومة كفالة الأيتام. وبين غياب الأب وغياب الوثيقة، وجدت آية نفسها مطالبة بتوفير احتياجات أسرتها وحدها.

فُقِد زوجها شوقي الحلو في أكتوبر 2024، عند زيكيم شمال قطاع غزة، حيث كان مكان توارد المساعدات الإغاثية آنذاك، إبان الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2023، ومنذ ذلك الوقت لم تصلها أي معلومة عنه: هل استشهد أم اعتُقل؟ وبينما هو في عداد المجهولين، تواجه هي الحياة وحدها بإعالة أطفالهما، أكبرهم 13 عامًا وأصغرهم 5 أعوام.

تقول آية إن محاولاتها لأشهر تسجيل أطفالها لدى مؤسسات كفالة الأيتام اصطدمت بشرط تقديم شهادة وفاة، بينما لا تملك سوى "إفادة مفقود"، وتردف: "في كل مرة أتوجه لطلب المساعدة لكفالة أطفالي يطلبون ورقة شهادة الوفاة، وليس معي هذه الشهادة... فقد أولادي حقهم في الكفالات، وأوفر أنا احتياجاتهم بالكاد".

اضطرت آية إلى العمل مصورة أفراح لتوفير الحد الأدنى من احتياجات أسرتها، لكنها تقول إن دخلها لم يكن كافيًا. وتضيف أنها توجهت إلى وزارة التنمية الاجتماعية في شهر رمضان المنصرم، فصُرف لها 500 شيكل، ثم انقطعت المساعدة، كما لم تعد تتلقى، بحسب روايتها، المساعدات الغذائية التي كانت تصلها.

وتروي أن مؤسسة "هيومن آبل" رفضت التعاون معها في البداية، قبل أن تختار طفلين للكفالة، بحيث يُصرف لكل واحد منهما 250 شيكل كل ثلاثة أشهر.

قصة الحلو لا تبدو حالة فردية. فبحسب روايات أمهات قابلتهن "آخر قصة"، فإنّ أطفال آباء المفقودين وجدوا أنفسهم أمام منطقة رمادية: فقدوا معيلهم فعليًا، لكنهم لا يُعاملون رسميًا كأيتام ما لم تثبت وفاة الأب.

هذا الوضع يطرح تساؤل: هل تكفي صفة "مفقود" لضمان وصول الأطفال إلى الحماية والمساعدة، أم تتحول شهادة الوفاة إلى بوابة إلزامية للحصول على دعم لا تستطيع أسر المفقودين الانتظار سنوات للوصول إليه؟

شهادة الوفاة بوابة الكفالة

عاشت منال صلاح تجربة مشابهة. لديها خمسة أطفال، أكبرهن تزوجت، ومن يليها اعتقله الاحتلال الإسرائيلي وعندما فُقد زوجها، كانت ابنتها التي كانت تبلغ 11 عامًا آنذاك مؤهلة، بحسب روايتها، للتسجيل ضمن كفالات الأيتام، لكن عدم حسم مصير الأب عطّل التسجيل.

تقول منال إن مؤسسات كفالة الأيتام التي توجهت إليها طلبت أوراقًا تثبت وفاة زوجها، وهو ما لم يكن متاحًا طوال فترة فقدانه.

وبعد عامين، تمكنت من استخراج شهادة وفاة، لكن عائقًا آخر ظهر وهو أنّ المؤسسات التي توجهت إليها كانت قد أوقفت استقبال طلبات جديدة أو اكتملت أعداد المكفولين لديها. وتقول إن ما تبقى أمامها هو متابعة الروابط التي تنشرها المؤسسات لتسجيل الأيتام، دون ضمان حصول أطفالها على الكفالة.

أما حنان سمير، التي فقدت زوجها منذ بداية الحرب، فلديها ابنتان، أكبرهما 6 أعوام والصغرى 3 أعوام. وتوضح أن الأسرة بقيت في البداية خارج برامج كفالة الأيتام بسبب عدم وجود شهادة وفاة.

تقول: "وصلتني شهادة وفاة وفقًا لقرار صدر من مجلس القضاء في غزة، وبعدها تيسرت أمور التسجيل بالجمعيات الخاصة بالأيتام لوجود ورقة إثبات، لكن قبلها لم يتعرف علينا أحد".

وتضيف أن أهل زوجها هم من استلموا شهادة الوفاة، وأنها لم تتمكن من معرفة تفاصيل إصدارها.

وتكشف الحالات الثلاث عن مشكلة تتجاوز اختلاف ظروف الأسر: فالوثيقة المطلوبة تحدد عمليًا قدرة الأسرة على الدخول إلى برامج صُممت أصلًا لحماية الأطفال الذين فقدوا معيلهم.

ماذا تقول التنمية الاجتماعية؟

لمعرفة ما إذا كان أبناء المفقودين مستبعدين فعليًا من منظومة الحماية، توجهت "آخر قصة" إلى وزارة التنمية الاجتماعية.

تقول المتحدثة باسم الوزارة رجاء العابد إن لدى غزة 53,645 يتيمًا مسجلين، منهم 1,913 لطيمًا و434 ناجيًا وحيدًا، بحسب البيانات التي قدمتها للصحيفة خلال إجراء المقابلة أواخر يوليو/تموز 2026.

وتوضح العابد أن أطفال المفقودين "لا يُصنفون رسميًا كأيتام طالما لم تصدر شهادة وفاة أو قرار قضائي يثبت الوفاة أو الفقد"، وبالتالي لا يمكن إدراجهم ضمن برنامج كفالة الأيتام في السجلات الرسمية.

لكن المتحدثة باسم الوزارة تقول إن ذلك لا يعني تركهم دون حماية، إذ يمكن التعامل معهم من خلال برامج حماية الأطفال المعرضين للخطر أو المحرومين من الرعاية الأسرية، بعد تقييم الحالة، إلى جانب المتابعة الميدانية من خلال الباحثين الاجتماعيين وإحالة الملفات إلى المحكمة الشرعية عند الحاجة لإثبات حالة الفقد أو الاستشهاد.

وعن سبب اشتراط شهادة الوفاة، تجيب العابد بأن الإجراء مرتبط بالمتطلبات القانونية وحماية حقوق الأسرة، مشيرة إلى حالات عاد فيها أشخاص كان يُعتقد أنهم مفقودون أو متوفون، وتبين لاحقًا أنهم كانوا معتقلين لدى الاحتلال الإسرائيلي.

وتؤكد بيانات الوزارة المنشورة في أبريل/نيسان 2026 أن عدد الأيتام في غزة تجاوز 64,616 طفلًا، بينهم أكثر من 55 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما. لكن هذا الرقم لا يحدد عدد أبناء المفقودين، إذ يشمل الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما بالوفاة، ولا يفصل بينهم وبين أبناء الأشخاص الذين ما زالوا في عداد المفقودين. 

كما تشير الوزارة إلى أن 1,529 طفلًا استفادوا من تدابير الحماية خلال عام 2025، مع إحالة بعض الحالات إلى الحماية الأسرية والأسر البديلة ومؤسسات الرعاية، إلا أن البيانات المنشورة لا تحدد عدد أبناء المفقودين ضمن هؤلاء المستفيدين، ولا قيمة أو نوع المساعدات التي حصلوا عليها. 

وفي المقابل، أطلقت الوزارة في مارس/آذار 2026 حملة "لن يُترك يتيم بدون كفالة في فلسطين"، وقالت إن الحملة تهدف إلى توحيد الجهود وتطوير آليات العمل وتوسيع برامج الكفالة والدعم. كما أعلنت لاحقًا أن من أهدافها إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة وضبط آليات تقديم الدعم المالي والخدماتي. 

لكن هذه البيانات لا تجيب عن السؤال الأهم في هذا التقرير: كم طفلًا من أبناء المفقودين أُدرج فعليًا في برامج الحماية البديلة؟ وما نوع وقيمة الدعم الذي حصلوا عليه؟ وهل توجد آلية مكتوبة وموحدة تضمن إدراجهم مؤقتًا في منظومة الحماية بمجرد إثبات فقدان المعيل، دون انتظار صدور شهادة وفاة؟

قانون يُبقي الأسر مُعلّقة

من الناحية القانونية، يقول المحامي حماد ضهير إن ديوان القضاء الشرعي في غزة أصدر في 25 نوفمبر 2025 التعميم رقم (2/2025)، الذي قضى باعتبار الحكم بوفاة المفقود بعد مرور ستة أشهر من تاريخ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025 وما يترتب على ذلك من آثار شرعية وقانونية.

لكن هذا التعميم لم يحظَ بإجماع قضائي فلسطيني، فقد أصدر المكتب الفني للمحكمة العليا الشرعية في الضفة الغربية، في 9 ديسمبر 2025، التعميم رقم (21/2025)، الذي أفاد بأن تعميم غزة غير ملزم قانونيًا ويخالف النصوص النافذة المنظمة لأحكام المفقود، بحسب ضهير.

وأوضح أن القاعدة العامة في قانون الأحوال الشخصية تقضي بالحكم بوفاة المفقود بعد أربع سنوات في الظروف العادية، بينما تخفض المدة إلى سنة واحدة في الظروف الاستثنائية، وهو ما يقول إنه الإطار القانوني المطبق في الحالة الراهنة.

وبذلك، تواجه أسر المفقودين مشكلة إنسانية وتعقيدًا قانونيًا أيضًا، فما بين جهة قضائية أصدرت تعميمًا يختصر المدة، وما بين جهة قضائية أخرى اعتبرت التعميم غير ملزم، تبقى حقوق الأطفال مرتبطة بمصير إجراء قد يستغرق وقتًا، بينما لا تتوقف احتياجاتهم.

وعند سؤاله عما إذا كان يمكن تطويع القانون دون المساس بالقواعد العامة، يرى ضهير أن المشكلة لا تكمن في قواعد إثبات الوفاة ذاتها، بل في ربط الحصول على المساعدات الإنسانية بشهادة الوفاة.

ويقترح استحداث صفة قانونية مؤقتة تحت مسمى "طفل مفقود المعيل بسبب النزاع المسلح"، وإصدار إفادات خاصة تثبت فقدان المعيل كأساس مؤقت للحصول على الكفالات والمساعدات، إلى جانب إنشاء سجل وطني للمفقودين وتشريع ينظم حقوق أسرهم الاجتماعية والإنسانية بصورة مستقلة عن الحكم النهائي بالوفاة.

وهذه المقترحات تفتح سؤالًا عمليًا أمام الجهات المسؤولة: لماذا لا تُفصل أهلية الأسرة للحصول على المساعدة الإنسانية عن حسم الحالة القانونية للأب، ما دام فقدان المعيل ثابتًا بوثيقة رسمية؟

مَن يُحدد مصير المفقود؟

توجهت "آخر قصة" كذلك إلى القاضي عمر نوفل، رئيس لجنة المفقودين في غزة، الذي عقب على التعميم الصادر عن ديوان القضاء الشرعي في غزة، قائلًا إنه كان قرارًا متسرعًا ومخالفًا للأصول القضائية، وإنه أُوقف لاحقًا.

ويشرح نوفل أن اللجنة أُنشئت بقرار حكومي بعد ارتفاع أعداد المفقودين خلال الحرب، وضمّت ممثلين عن جهات معنية، بينها لجان الوفيات والجثامين ووزارة الصحة والدفاع المدني وهيئة شؤون الأسرى، بهدف توحيد الجهود وحصر الحالات والتحقق من مصيرها.

وبحسب نوفل، حُصرت 21 ألف حالة فقد عبر برنامج "صحتي"، ثبتت وفاة 15 ألفًا منها، فيما بقي نحو 5 إلى 6 آلاف شخص دون إثبات وفاة وصُنّفوا كمفقودين.

ويقول إن اللجنة نسقت مع وزارة التنمية الاجتماعية لفصل أسماء المفقودين وأوضاع أسرهم، خصوصًا الزوجات والأطفال، بهدف إدراجهم ضمن برامج المساعدات، بل والتعامل في بعض الحالات مع زوجة المفقود بوصفها أرملة إلى حين اتضاح مصيره.

لكن هذه الرواية تضع مسألة أخرى أمام التساؤل: إذا كانت لجنة المفقودين تقول إنها نسقت مع التنمية الاجتماعية لإدراج أسر المفقودين ضمن المساعدات، بينما تقول الوزارة إن أبناء المفقودين لا يُصنفون أيتامًا رسميًا ولا يدخلون برنامج كفالة الأيتام دون شهادة وفاة، فما الآلية الفعلية التي تضمن وصول الدعم إلى هؤلاء الأطفال؟

ويقول نوفل إن اللجنة خاطبت مؤسسات إغاثية لتوفير الدعم لعائلات المفقودين، لكن الاستجابة اقتصرت على مؤسستين، بينما امتنعت مؤسسات أخرى عن ذلك.

كما يشير إلى التواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن دعم عمل لجنة المفقودين وإنشاء قاعدة بيانات متكاملة، لكن الوعود التي قُدمت خلال اللقاءات، بحسب قوله، لم تتحول إلى خطوات عملية.

وأوضح أن "ورقة المفقود" تسهم في تسهيل الإجراءات، لكنها لا تحسم القضية، إذ تنظر المحكمة في كل حالة على حدة وتقرر من يكون القيّم أو الوصي ومن ينوب عن المفقود، وفق الإجراءات القانونية الخاصة بكل حالة.

أين يذهب أطفال المفقودين؟

تكشف الحالات الثلاث التي رصدها التقرير الفجوة بين التصنيف القانوني والاحتياج الفعلي: أطفال فقدوا معيلهم، لكنهم لا يدخلون رسميًا في منظومة كفالة الأيتام ما لم تثبت وفاة الأب، فيما تقول الوزارة إن برامج حماية أخرى متاحة لهم.

غير أن ما ينقص هو الدليل على وصول هذه البرامج إلى هذه الفئة تحديدًا. فآية الحلو لم تتمكن من تسجيل أطفالها الأربعة في الكفالة اعتمادًا على "إفادة مفقود"، ومنال لم تستفد من الكفالة إلا بعد استخراج شهادة وفاة، بينما تقول حنان إن حصولها على شهادة الوفاة هو الذي سهّل تسجيل ابنتيها.

وهنا تتقاطع روايات الأسر مع ما تقوله الوزارة: شهادة الوفاة ليست مجرد وثيقة قانونية، بل تتحول عمليًا إلى شرط للعبور إلى برنامج كفالة الأيتام، في حين لا تكشف البيانات المتاحة عن آلية واضحة تضمن حصول أبناء المفقودين على بديل مكافئ إلى حين حسم مصير آبائهم.

وبينما تعلن وزارة التنمية الاجتماعية التزامها بتوسيع الحماية والكفالة وإنشاء آليات أكثر تنظيمًا للدعم، تبقى الفئة الواقعة بين "المفقود" و"اليتيم" بحاجة إلى إجابة محددة: من يسجل أطفال المفقودين؟ وما الذي يستحقونه؟ ومن يضمن حصولهم عليه الآن، لا بعد حسم مصير آبائهم؟