تمسك دينا سمارة، النازحة العائدة إلى شمال غزة، دفاتر طفليها يوسف (10 أعوام) ويحيى (7 أعوام)، وتقلب صفحاتها واحدة تلو الأخرى، بعدما تمكنت من إلحاقهما بمدرسة خاصة تُدعى السلام. منذ اندلاع النزاع، انقطع الطفلان عن المدارس الرسمية، فبدأت سمارة تعليمهما بنفسها وفق المنهاج الفلسطيني، ثم سجلتهما في التعليم الإلكتروني التابع لوزارة التربية والتعليم، قبل أن تلحقهما بالنقاط التعليمية. لكنها لم تجد المستوى المطلوب، فبحثت لأكثر من عام حتى وجدت مدرسة خاصة، رغم كلفتها المرتفعة.
تقول، وهي تشير إلى الرزم التعليمية التي يتابع عليها أطفالها دروسهم، واصفة النقاط التعليمية بالعشوائية: "كنت خائفة جدًا من تراجع مستوى أطفالي الدراسي بعد الانقطاع، خصوصًا أنهم من المتفوقين. بمجرد عودتي إلى شمال غزة في المرة الأولى سجلتهم بمدرسة خاصة للحصول على تعليم أفضل. جربت النقاط التعليمية في الخيام، وكان عدد الطلبة كبيرًا، وهي غير مهيأة لا للصيف ولا للشتاء".
وتضيف، معبرة عن استيائها من اقتصار التعليم على ثلاث مواد أساسية: "أطفالي يصرون على عدم الالتحاق بأي نقطة تعليمية، يودون فقط المدرسة، وأنا تكلفتها المادية مرتفعة، إذ أدفع للطفل الواحد 150 شيكلًا. كل ما أتمناه أن يعود التعليم الرسمي لأرتاح قليلًا، وأخشى أن يظل التعليم هكذا حكرًا على من معه المال ليلحق أطفاله بمدارس جيدة".

منذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، توقفت المدارس بعد أن تحولت معظمها إلى مراكز لإيواء النازحين، ليغدو التعليم النظامي حلمًا يراود آلاف الطلبة وأسرهم، وفي ظل هذا الواقع الذي طال مداه، برزت النقاط التعليمية وبعض المدارس الخاصة كبدائل مؤقتة، إلا أنها لم تتمكن من تعويض التعليم النظامي الذي كانت تقدمه وزارة التربية والتعليم، ورغم أن بعض هذه النقاط التعليمية والمدارس معتمدة من الوزارة، فإنها لا تزال عاجزة عن تقديم المستوى ذاته الذي كان قائمًا قبل الحرب، سواء من حيث جودة العملية التعليمية، أو ترسيخ قيم الانضباط، أو توفير البيئة المدرسية المتكاملة للطلاب.
وأفادت ورقة حقائق صادرة عن شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية بعنوان: "مدى مواءمة تدخلات المنظمات الأهلية الفلسطينية في المساحات التعليمية المؤقتة مع المعايير الإنسانية الأساسية (CHS) "، أن هذه المساحات التعليمية لم تستهدف إلا ما نسبته 13% من فئة المراهقين، فيما 14% وفرت كتبًا دراسية، و11% وفرت أدوات لذوي الإعاقة.
وبحسب تقرير أصدره مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) حول الفجوات في الوصول إلى مساحات التعلم في قطاع غزة، يُقدَّر عدد الأطفال في مرحلتي رياض الأطفال والتعليم المدرسي بنحو 770,422 طفلًا. وفي المقابل، بلغ عدد المسجلين (432,701 طالبًا) في 613 مدرسة؛ ما يعني أن نحو (337,721 طفلًا) لا يزالون خارج نطاق التسجيل في المؤسسات التعليمية.

لينة عقيلان أم لطفلين، صلاح في الصف الرابع (10 أعوام)، وآدم في الصف الأول ( 7 أعوام) تقول: "أقدّر وجود نقاط للتعليم، كونها منحت الأطفال فرصة للدراسة ولو بشكل متقطع، لكنها لا تستطيع أن تعوض المدرسة الحقيقية، إذ يقتصر الدوام على ثلاثة أيام أسبوعيًا، ولنحو ثلاث ساعات في اليوم، عدا عن اقتصارها على تدريس المواد الأساسية الثلاث: اللغة العربية، واللغة الإنجليزية، والرياضيات".
أما عن تجربتها في الالتحاق بالتعليم الإلكتروني: "هو يعتمد على دور الأم والطفل، إذ يتطلب متابعة مستمرة من الأسرة لتعويض غياب البيئة الصفية، ومن أبرز التحديات التي واجهتنا أنه لا يوفر للطفل الشعور بالالتزام والانضباط كما هو الحال في المدرسة، لغياب المتابعة المباشرة من المعلم، كما واجه أطفالي صعوبة في التركيز أثناء التعلم الإلكتروني، ولم يشعروا بأنه بديل حقيقي للتعليم الوجاهي، خصوصًا مع صعوبة الوصول للإنترنت".
تكمل وهي تشرح أن النقطة التعليمية تبعد 5 دقائق عن المخيم الذي تقطن به في مواصي خانيونس جنوب غزة: "أخشى أن يكبر الأطفال وهم يحملون فجوات تعليمية يصعب تعويضها لاحقًا، الحرب سرقت منهم أشياء كثيرة، ولا أريد أن تسرق حقهم في التعليم أيضًا، لذلك أتمنى أن يعود التعليم الوجاهي الرسمي في أقرب وقت ممكن".
فيما تقول المعلمة مريم أبو عربيان التي تعمل كمعلمة في مدرسة تحت إشراف اليونسيف: "هنا نحاول الوصول لكل الطلبة، وأنا كمعلمة لا تقتصر مهمتي على شرح الدروس فحسب، بل إعادة الأمل ومحاولة استعادة ولو جزء بسيط من الروتين الدراسي، النقاط التعليمية التي افتُتحت أي كان شكلها منعت الانقطاع الكامل عن التعليم، لكنها لا تستطيع أن تعوض المدرسة الرسمية بشكل كامل، وهناك عدد من الطلبة لم يصلوا لها".
أما عن تأثيرات الانقطاع الطويل وعدم وجود تعليم رسمي وجاهي منظم، تضيف أبو عربيان: "هذا ترك آثارًا كبيرة على الطلبة، إذ نلاحظ ضعفًا في مهارات القراءة والكتابة والحساب، وصعوبة في التركيز والاستمرار في التعلم، وتراجع الانضباط المدرسي، وتأثر أيضًا تفاعلهم الاجتماعي".
آية السيد مديرة مدرسة صناع الأمل في شمال قطاع غزة توضح: "نحن ليس نقطة تعليمية فحسب بل معتمدين من وزارة التربية والتعليم، ونمنح شهادات رسمية، وهذا قلل الفاقد التعليمي، ورغم الترخيص، الدعم المادي شحيح، وكله يعتمد على تبرعات فقط، لدينا نقص كتب ومقاعد وأدوات تعليمية".
لقد أثر عدم وجود نظام تعليمي نظامي على الطلبة، فصارت دافعيتهم أقل حسب حديث المعلمة السيد، إذ صار يُقال: "ما جدوى التعليم؟ وعدد من الطلبة ترك بالفعل المدرسة. ولكن لا يزال عدد آخر يقول: "بدي اتعلم لابني غزة من جديد".
وترى السيد أن العودة للتعليم النظامي صعبة للغاية، فلا مكان مؤهل لاستقبال أعداد الطلبة، عدا عن النزوح المستمر، وانعدام الخدمات الأساسية ما بين مرافق وكهرباء ومواصلات، إضافة إلى الوضع النفسي للطالب والمعلم غير مستقر فالعودة لنظام صارم مرة واحدة ستكون صعبة وربما تسبب التسرب التعلمي.

من ناحية تربوية، يقول المختص التربوي أشرف كحيل في حديث مع “آخر قصة”: "إن ما يُعرف اليوم بالنقاط التعليمية هو عبارة عن عشوائيات تعليمية وليس بيئة مدرسية حقيقية، وإن النظام المدرسي هو منظومة تربوية متكاملة تُبنى فيها شخصية الطفل، وإن عزل الطفل عن المدرسة النظامية وإبقائه داخل الخيمة أو المنزل، أو الاكتفاء بهذه النقاط التعليمية، يحرمه من بيئة أساسية لنموه النفسي والاجتماعي، وقد يدفعه إلى الانطواء ويضعف قدرته على الاندماج".
ويوضح أن النقاط التعليمية رغم دورها في الحد من الانقطاع الكامل عن التعليم، ليست بديلًا عن التعليم الوجاهي الرسمي، فهي غالبًا تقدم ساعات تعليمية محدودة، ومواد محددة تقتصر على المواد الأساسية، ولا تحظى بقناعة كثير من الأهالي والطلبة باعتبارها تعليمًا نظاميًا، ما ينعكس على التزام الطالب ودافعيته.
ويشير إلى أن هذه النقاط تفتقر إلى أبسط المعايير الدولية للبيئة التعليمية، سواء من حيث الغرف الصفية، أو التهوية، أو الأثاث المدرسي، أو التنظيم والانضباط، حتى قبل الحرب كانت المعايير غير جيدة تمامًا لكنها أفضل من الآن.
وينبه كحيل إلى أن تلك النقاط التعليمية عليها تحفظات كثيرة منها أن عددًا من العاملين فيها لا يمتلكون التأهيل التربوي الكافي، وهو ما يؤثر في جودة التعليم، وإن استمرار الاعتماد على هذه العشوائيات التعليمية ستكون له آثار بعيدة المدى على جيل كامل، بينما يبقى الحل الحقيقي في إعادة التعليم الوجاهي الرسمي داخل مدارس تستوفي المعايير التربوية، لأن البيئة التعليمية السليمة هي التي تخرج إنسانًا سويًا.

وللوقوف على مسؤولية وزارة التربية والتعليم عن استمرار التعليم البديل، ومدى استعدادها لإعادة التعليم الوجاهي مع اقتراب العام الدراسي 2026–2027، تواصلت مراسلة "آخر قصة" مع مدير عام وحدة العلاقات العامة في الوزارة، أحمد النجار، وسألته: بعد توقف الحرب في أكتوبر 2025، ما الذي أنجزته الوزارة خلال الأشهر الماضية لإعادة التعليم النظامي؟ وهل وضعت موعدًا محددًا لعودة الدراسة الوجاهية؟ وكم مدرسة أصبحت مؤهلة لاستقبال الطلبة مع بداية العام الدراسي المقبل؟ وما أبرز العقبات التي تحول دون ذلك؟ وما مصير النقاط التعليمية التي تصفها الوزارة بأنها حل مؤقت واستثنائي؟ وكيف يجري التنسيق مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" بشأن عودة التعليم؟
يقول النجار: "تحاول الوزارة وضع خطة زمنية ملزمة لإعادة التعليم الوجاهي بالكامل في جميع المدارس، ولكن تبقى العقبات أقوى من الخطط، أبرزها عدم استقرار الوضع الأمني، وتدمير كافة مقدرات الوزارة من مبانٍ وغيرها، عدا عن عدم توفر مواد الإعمار لتهيئة المدارس ونقص التمويل".
لكن إجابة الوزارة لا تحدد موعدًا واضحًا لعودة التعليم الوجاهي، رغم اقتراب بدء عام دراسي جديد، كما لا توضح عدد المدارس التي يمكن تشغيلها حاليًا، أو ما أُنجز خلال الأشهر التي أعقبت توقف الحرب. وفي ظل استمرار الاعتماد على بدائل تصفها الوزارة نفسها بأنها مؤقتة، يبقى السؤال: إلى متى سيستمر هذا الحل المؤقت، وما الخطة العملية التي تضمن عودة الطلبة إلى مدارسهم؟
وفيما يتعلق بالنقاط التعليمية، يوضح النجار أن الوزارة تراها "حلًا مؤقتًا واستثنائيًا" للحفاظ على حق الطلبة في التعلم، وليست بديلًا دائمًا عن المدرسة النظامية. ويضيف أن الوزارة تعمل حاليًا على جرد هذه النقاط، تمهيدًا لتصنيفها إما كمدارس حكومية أو خاصة مرخصة، أو كمراكز تعليم مؤقتة لمدة عام.
لكن الوزارة لم توضح، في ردها، عدد النقاط التي خضعت للجرد، أو عدد النقاط التي ستستمر خلال العام الدراسي المقبل، أو المعايير التي ستحدد استمرارها، كما لم تحدد موعدًا نهائيًا للتخلص من نموذج التعليم المؤقت والعودة إلى التعليم النظامي.
وعن تقييم تجربة النقاط التعليمية، وما إذا كانت نجحت في الحد من الفاقد التعليمي، يقول النجار: "لقد خففت من الانقطاع الكامل عن التعليم، لكنها لم تعوض التعليم النظامي بالكامل بسبب محدودية الوقت والإمكانات واختلاف البيئات التعليمية، فيما لا تزال مسألة قياس التحصيل بدقة تحديًا بسبب تعدد أنماط التعليم (وجاهي، إلكتروني، ونقاط تعليمية)".
ويؤكد النجار أن هناك تنسيقًا مستمرًا بين الوزارة و"أونروا" للتخطيط وتوحيد الخطط لعودة الدراسة وتنظيم التسجيل واعتماد المناهج، وذلك من خلال التشبيك عبر مجموعات قطاع التعليم والشركاء الدوليين، مع احتفاظ كل جهة بإدارتها لمدارسها. غير أن الوزارة لم تقدم جدولًا زمنيًا معلنًا يوضح مخرجات هذا التنسيق أو موعدًا محددًا لعودة التعليم النظامي، فيما يقترب العام الدراسي الجديد ويستمر آلاف الطلبة في الاعتماد على بدائل تقول الوزارة نفسها إنها لا تستطيع تعويض المدرسة النظامية.

ووفقًا لاحصائية أعدتها وزارة التربية والتعليم العالي في 4 أغسطس 2026، فإنه تم تدمير أكثر من 179 مدرسة حكومية بالكامل، وما يزيد عن 105 مدرسة من مدارس وكالة الغوث تعرضت للقصف والتخريب، ودمر أكثر من 63 مبنى تابعًا للجامعات.
من منظور قانوني، فإن حرمان الأطفال من التعليم وتدمير المدارس قد يمسان الحق في التعليم المكفول بموجب المادتين 28 و29 من اتفاقية حقوق الطفل، فيما تنص المادة 50 من اتفاقية جنيف الرابعة على تيسير عمل المؤسسات المعنية برعاية الأطفال وتعليمهم.
وتبقى النقاط التعليمية والمدارس الخاصة تحاول إبقاء أطفال غزة على صلة بالتعلم، لكن يظل هذا الحل عاجزًا عن سد الفراغ الذي خلفه غياب المدرسة النظامية، فلا ساعات التعليم المحدودة قادرة على تعويض سنوات الفاقد، ولا الخيام تستطيع أن تمنح الطفل البيئة التعليمية والنفسية والاجتماعية التي يحتاجها، حتى المدارس الخاصة التي ربما توفر بيئة أفضل هي للميسورين ماديًا فقط.
بين طفل يتعلم بما تيسر، وآخر تستطيع أسرته دفع تكاليف مدرسة خاصة، تتسع مخاوف الأهالي من أن يتحول التعليم من حق أساسي إلى امتياز تحكمه القدرة على الدفع، فمن يدفع يتعلم، وفي انتظار إعادة بناء المدارس وعودة التعليم الوجاهي الرسمي، يبقى جيل كامل عالقًا بين تعليم مؤقت لا يكفي ولا يضمن مستقبل تعليمي آمن.