في أيّ شارعٍ تمرّ منه نهارًا في قطاع غزة، ستجد طوابير من النازحين يصطفّون بالجالونات والقِرَب البلاستيكية للتعبئة من صهريجٍ لمياه الشُّرب. أجسادٌ مُجهَدة وأفواهٌ صغيرة عطشى تقف، تحت أشعة الشمس الحارقة، متلهّفة للحصول على حصّتها من المياه، فيما يتضاعف احتياجهم اليومي إليها خلال الصيف. كل ما يُفكّرون به تأمين احتياجهم اليوم قبل أن ينفد الصهريج، وقليلٌ منهم -ربّما- يشغله مصدر تلك المياه وجودتها أو مدى نظافة خزانات نقلها.
مطلع يونيو الماضي، خرجت شكوى من عائلات بحيّ الشيخ رضوان شمالي قطاع غزة، حول مياه الشرب، تفيد بتعرّض عدد كبير من الكبار والصِّغار في تلك العائلات لتسممٍ من مياه حلوة تمت تعبئتها من صهاريج وصلت الحيّ عن طريق "مُبادرة إنسانية"، دون إفصاح علني عن مصدر المياه، الذي لم يسأل عنه النازحون، بحكم احتياجهم الشديد للمياه التي بالكاد تصل منطقتهم.
وأمام الأرقام الدولية التي تشير إلى انعدام الأمن المائي في غزة بنسبة 82%، وعجز 70% من السكان عن توفير الحدّ الأدنى من المياه، واعتماد مئات الآلاف على صهاريج نقل المياه؛ تثير واقعة تسمم في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة تساؤلات واسعة حول جودة وسلامة مياه الشرب، وإن كانت تُفحَص عند المصدر، فمن يضمن سلامتها خلال عملية توزيعها ونقلها حتى وصولها للمستهلك؟ ومَن الجهات المسؤولة عن الرقابة والمتابعة، حين تكون حياة الناس والصِّغار على المحك؟
شكاوى حول سلامة مياه الشرب
في التفاصيل، تواصلت مراسلة "آخر قصة"، مع أنس البابا وهو صحفي وأحد المواطنين الذين تعرّضوا للتسمّم، في حادثة حيّ الشيخ رضوان، ليُخبرنا أنّه كان "ضمن حوالي 500 حالة، لعدد من العائلات، أُصيبت بشكل جماعي وفي نفس التوقيت بأعراض تسمم شملت: نزلات معوية وتقيؤ وارتفاع في درجات الحرارة، في أعقاب تعبئة مياه شرب من بعض الشاحنات".
ويقول البابا أنّ الناس لا يملكون رفاهية اختيار مصدر المياه التي تصلهم، ويشربون مما هو متاح لديهم، ويُضيف أنّ: "كل شيء في غزة بات مصدرًا للسموم، من المياه إلى الطعام إلى الهواء".
وبعد محاولات من مراسلة "آخر قصة" للتواصل مع الجهة التي وزّعت المياه ومعرفة مصدرها، لم يتسنَّ الوصول إلى معلومات واضحة بشأن الجهة القائمة عليها أو آلية عملها.
وفي مدينة دير البلح وسط القطاع، تروي أنوار جميل (38 عامًا) ما أصاب عائلتها، ومنهم 10 أطفال، من إعياء، مراتٍ عديدة، دفعهم للتوجّه إلى العيادة الطبية، وصف الأطباء هناك علاجًا لهم، وتقول يائسةً "لا خيارات أمامنا سوى هذه المياه، فالمياه المعدنية مكلفة".
وفي شهادة مشابهة، يقول صابر أشرف (30 عامًا): "بسبب النزوح اضطررنا لشرب مياه آبار كانت تصلنا عبر مبادرات، وكان معظمها يميل للاصفرار، وعند تناولها أو استعمالها كنت وعائلتي نُصاب بالحساسية والمغص".
ويتابع "في كلّ مرة يصف لنا الأطباء المياه المعدنية لكن أحيانًا لا تكون متوفرة، كما أنها مُكلفة في حال الاعتماد الكلّي عليها".
فيما يُضيف ناجي، من شمال القطاع، عن نظافة خزانات نقل المياه: "نرى الصهاريج والبراميل تعمل بدون أغطية، وكل ما يخطر ببالنا هو كمّ التلوث والحشرات، وحتى الفئران، التي يُمكن أن تدخل عبرها".

في المقابل، تواصلت مراسلة "آخر قصة"، مع عدد من مُوزّعي مياه الشرب، عبر الصهاريج، لفحص مدى اتباعهم إجراءات السلامة خلال النقل، يقول محمود الغرباوي وهو سائق شاحنة نقل مياه يعمل في مدينة غزة ومحافظة الشمال، إن الاعتماد الكلّي في معيار سلامة المياه هو التزوّد من محطة معتمدة تتبع المواصفات الصحية، إذ لا تتوافر أجهزة فحص لأصحاب شاحنات النقل".
واتفق معه كلٌّ من السائقيْن: أحمد حلّس ويعمل في مدينتيْ غزة وخانيونس، ومحمد الدّلو من مدينة غزة، الذي أضاف أنّه "يتم توقيف شاحنات المياه بشكل عشوائي في الشوارع من فرق ميدانية تابعة لوزارة الصحة والسؤال عن اسم المحطة وأخذ عينة من المياه الموجودة في الصهريج لفحصها".
وعن تعقيم وتنظيف الصهاريج، يقول السائق الغرباوي أنه: "إن وُجِد الكلور، يتم تنظيف الصهريج كل فترة"، لكن الاعتماد الأكبر، كما أوضح، على سرعة التعبئة والتفريغ وكثرة النقلات (5-6 مرات يوميًا)، الذي يقلل وجود التلوث.
فيما فرّق محمد الدلو بين نوعيْن من طرق نقل المياه، وهو ما يؤثر على جودتها وخصائصها: الأول، عبر الصهاريج (النورستا). والثاني، عبر البراميل البلاستيكية المثبّتة على العربات.
ويقول إنّ المياه في النوع الأول أقل عرضة للتلوث وتغيّر خصائصها منها في النوع الثاني، الذي قد يتسبب بتغيُّر طعم المياه.
وفي حين أن غالبية صهاريج المياه يُكتب عليها مصدر التعبئة؛ المحطة أو البئر، إلا أنّه توجد صهاريج- وبنسبة أكبر براميل النقل- لا توضّح مصدر المياه بالمطلق. حسب إفادات السائقين.
فجوة في تطبيق القانون
ولتحديد نطاق الحقوق والمسؤوليات، نعود للقانون الفلسطيني، وتحديدًا قرار بقانون رقم (14) لسنة 2014م بشأن المياه، وتعديلاته، الذي ينصّ في المادة (5) على أنّ "لكل شخص الحق بالحصول على حاجته من مياه الشرب ذات الجودة المناسبة، وعلى مقدمي خدمات المياه أن يقوموا باتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان هذا الحق".
بينما يتولّى مهام الفحص والرقابة على المياه بحسب القانون "مجلس تنظيم قطاع المياه"، الذي أُنشئ بموجب المادة (17)، وتُحدّد المادة (18) هدف المجلس "بمراقبة كل ما يتعلق بالنشاط التشغيلي لمقدمي خدمات المياه، بما يشمل الإنتاج والنقل والتوزيع والاستهلاك"، وفي المادة (24)، مهامه بالتفصيل.
وعن فاعلية المجلس بغزة، نجد أن أحدث التقارير السنوية في الموقع الرسمي له، عن أداء المجلس، وأداء مقدّمي خدمات المياه، لا تشمل قطاع غزة. ويُقرّ المجلس في التقارير ذاتها بأن عمله في غزة "تأثر بشكل كبير منذ بدء العدوان، وهذا التأثير سيستمر لفترة طويلة".
توجّهنا إلى سلطة المياه، ممثلةً بعضو لجنة إدارة أزمة المياه في قطاع غزة والمسؤولة عن متابعة ملف جودة المياه، خلال الأزمة، إسراء أبو شعبان، لتؤكّد أن "قدرة المجلس على ممارسة الرقابة المباشرة المعتادة على أداء مقدمي الخدمات بغزة تعذّرت بشكل كبير منذ بداية الحرب، في ظل عدم القدرة على جمع بياناتهم".
وبحسب أبو شعبان، تنقسم مصادر ومرافق إنتاج مياه الشرب التي تصل للمواطنين في غزة إلى مصادر رئيسية عامة؛ وهي المُدارة من خلال مصلحة مياه بلديّات الساحل ومزودي الخدمة وتشمل: محطات تحلية مياه البحر، المياه المشتراة من شركة "ماكروت" الإسرائيلية، محطات تحلية المياه الجوفية العامة، بالإضافة إلى مصادر تم استحداث اعتمادها خلال الحرب وهي محطات التحلية الخاصة المدعومة بالوقود والمواد الكيميائية، ومحطات التحلية الأهلية التابعة لشركاء إنسانيين (مثل منظمة أطباء بلا حدود)، وجزء آخر من إمدادات المياه يأتي من مصادر يديرها القطاع الخاص.
وتختلف المسؤولية عن سلامة المياه، ضمن نطاق الخدمة، بحسب الجهة المشغلة ومقدم الخدمة؛ فالمصادر الرئيسية مسؤولية مصلحة مياه بلديات الساحل، والمحطات الأهلية مسؤولية الشركاء الإنسانيين بالتعاون مع المصلحة، والمحطات الخاصة المدعومة مسؤولية أصحاب المحطات أنفسهم كمُزوّدي خدمة. حسبما أفادت به كلٌ من: سلطة المياه، ومصلحة مياه بلديات الساحل.

قطاع “إدارة المياه” قيد المساءلة
السؤال الآن: هل توجد رقابة فعليّة خلال الحرب؟ وأين تنتهي عملية الرقابة؟ تُجيب أبو شعبان: "المصادر العامة للمياه تخضع للفحص ضمن برنامج مستحدث، خاص بمرحلة الطوارئ، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة الفلسطينية، وبالتعاون مع سلطة المياه".
وتقتصر طرق الفحص، وفق أبو شعبان، على أجهزة محمولة (ميدانية)- في ظل تقويض قدرات المختبرات الرسمية للفحص- وهذه الأجهزة تعطي مؤشرات عامة ومحدودة عن درجة سلامة المياه: نسب الكلور، الملوحة، الرقم الهيدروجيني، وفحص مايكروبولوجي لمؤشر التلوث، وهي فحوص غير كافية، ولا تعطي النتائج الشاملة المطلوبة للتأكد من سلامة ومأمونية المياه.
وتُوضّح أنّ: "المصادر العامة للمياه، التي تغطي الجزء الأكبر ممّا يصل للمواطنين، تخضع للرقابة والفحص عند المصدر، لكن هذا لا يضمن سلامة المياه بعد خروجها من المصدر، إذ قد تتعرّض للتلوث خلال مراحل النقل والتوزيع التي لا تخضع للرقابة الشاملة، كما أنّ جزءًا من المياه التي تصل للنازحين تأتي من مصادر غير معروفة، مما يجعلها خارج نطاق الرقابة القائمة".
وبطبيعة الحال، فإنّ سلامة المياه في محطة التحلية لا تضمن بالضرورة بقاءها آمنة حتى وصولها للمستهلك، بحسب أبو شعبان؛ لذا تؤكد على أنّه لا يكفي الاتّكال على التزوّد من محطة معتمدة، ويصبح الحفاظ على سلامة المياه أثناء النقل مسؤولية تشغيلية مهمة تقع على عاتق مشغلي الصهاريج، بما يشمل التأكد من سلامة ونظافة الخزانات والخراطيم والأغطية وفتحات التعبئة والتفريغ، لضمان إيصال المياه آمنة للنازحين، فكل هذه المراحل عرضة لمسببات التلوث.

من جهته، يقول نائب المدير التنفيذي لمصلحة مياه بلديات الساحل، عمر شتات، خلال حديثه لـ "آخر قصة" إنّ "المياه الواقعة تحت إشراف المصلحة تُفحَص بالأجهزة الميدانية- بسبب تدمير المختبر التابع للمصلحة بالكامل خلال الحرب، والفحص يُجرى يوميًا بقياس عنصر الكلور، وأسبوعيًا بالفحص المايكروبيولوجي، لذا احتمال التلوث من المصدر صعب، لكن التلوث قد يحدث لاحقًا خلال نقل المياه وتوزيعها".
وتمتلك المصلحة 40% من الصهاريج العاملة بنقل مياه الشرب في غزة، تُنظَّف وتُعقّم ويتم التأكد من أغطيتها باستمرار، بحسب شتات، الذي أشار إلى أنّ الرقابة على مصادر المياه التابعة للقطاع الخاص تخضع لرقابة وزارة الصحة.
وعن دور وزارة الصحة، يقول مدير دائرة صحة البيئة والسلامة المهنية بالوزارة، أيمن الرَّملاوي لـ" آخر قصة" إنّه رغم محدودية الإمكانيات والظروف التشغيلية الصعبة، تُواصل الوزارة مهامها في الرقابة الميدانية، وجمع العينات، وإجراء الفحوص، ومتابعة المواقع الملوثة، وتنفيذ الإجراءات التصحيحية وتوعية المواطنين والنازحين بممارسات التخزين والاستخدام الآمن.
وأحال الرملاوي الفجوة في عملية الرقابة والفحص إلى تحدّيات تواجهها الوزارة تتمثل في النقص الحاد بمَركبات الزيارات الميدانية، والشح الكبير بأجهزة الفحص والمستلزمات المخبرية ومواد التعقيم، مما يُعيق متابعة ومراقبة جودة المياه، ويؤخّر التدخّلات والإجراءات التصحيحية في حالة رصد تلوث.
يكشف هذا التداخل في الصلاحيات والأدوار، بفعل تعدّد المرجعيّات في ظلّ العمل المتواصل بحالة الطوارئ، فجوةً في الرقابة على العمليات التشغيلية خلال نقل وتوزيع مياه الشرب حتى إيصالها للمستهلك، ويُعمّق الفجوة التدمير الكامل للمختبرات المتخصصة، وشحّ أجهزة الفحص الميدانية، ومواد التعقيم.
بالأرقام: وثيقة حصرية تكشف الفجوة
هذه الفجوة، تظهر كذلك في البيانات، إذ تكشف وثيقة رسمية حصلت عليها حصريًا "آخر قصة"، نتائج فحوص المياه في سلسلة الإمداد (محطات التحلية- صهاريج النقل- مراكز النزوح) خلال النصف الأول من العام 2026، وأظهرت الفحوص نسبة تلوّث مايكروبية إجمالية بلغت 9.3%.
وبحسب الوثيقة، رُصِدت 218 عينة ملوثة (64 عينة من محطات التحلية، 18 عينة من صهاريج النقل، و40 عينة في مراكز الإيواء)، وذلك من أصل 2,333 عينة مياه شرب تم جمعها.
وعليه؛ تُوصي الوثيقة بعدم الاكتفاء بفحص المياه عند مرحلة الإنتاج، وضرورة استمرار الرقابة على مراحل النقل والتوزيع والتخزين.
يتوافق مع هذه المعطيات تصريحاتٌ لمدير عام وزارة الصحة د.منير البرش، تفيد بوصول التلوث البكتيري إلى 19% من الآبار الجوفية، فيما يعمل 40% منها دون كلورة فعالة، والنتيجة؛ 48% من الأمراض الخاضعة للترصد الوبائي مرتبطة بالمياه والبيئة، منها 25% أمراض منقولة عبر المياه و23% أمراض جلدية، بينما تسجل المرافق الصحية عشرات الإصابات يوميًا وآلاف الحالات أسبوعيًا.
الخبير البيئي عبد الفتاح عبد ربه، يقول لـ"آخر قصة": "إن انهيار منظومة المياه والصرف الصحي أضعف القدرة على تقييم سلامة المياه، وزاد احتمالية استهلاك مياه صحّية، لانخفاض كفاءة التحلية والتعقيم، فضلًا عن مخاطر تلوث المياه أثناء النقل والتخزين".
ويبيّن أنّ "الاعتماد على مياه الصهاريج مجهولة المصدر في مخيمات النزوح، يمثل خطرًا صحيًا، لاحتمال تعرضها للتلوث الميكروبي والكيميائي خلال الإنتاج أو النقل أو التخزين؛ خاصةً الأمراض المنقولة بالمياه، إضافة للمخاطر الكيميائية كارتفاع الملوحة والنترات".
وأمام تأكيد الجهات الرسمية في غزة رقابتها على مياه الشرب عند المصدر، بينما تُظهِر الإفادات والبيانات تعرّضها للتلوث خلال النقل والتوزيع، مَن يتحمّل مسؤولية سلامة المياه في هذه الحلقة بالذات، قبل وصولها إلى أفواه العطشى؟